صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 7 من 33

الموضوع: موسوعة الثقافة الإسلامية

مرحبا أخوتي الاعضاء اليكم هذه الصفحة الجديدة والمتجددة بإذن الله تعالى والتي نتناول فيها موضوعات حول الثقافة الإسلامية ولنبدأ بأول موضوع وهو : ـ

  1. 06-Aug-2008 07:59 PM

    Flash موسوعة الثقافة الإسلامية

     

     

     

     



    مرحبا أخوتي الاعضاء


    اليكم هذه الصفحة الجديدة والمتجددة بإذن الله تعالى والتي نتناول فيها موضوعات حول الثقافة الإسلامية


    ولنبدأ بأول موضوع وهو : ـ




    الثقافة الإسلامية تخصص علمي



    من تخصصات العلوم الإسلامية وتخصص دقيق في الدراسات العليا




    مقدمة:

    شهد العالم الإسلامي في الربع الثالث من القرن العشرين يقظة إسلامية، فقد استطاعت معظم أقطار العالم الإسلامي أن تتحرر من الاحتلال الأجنبي وتنعم بحياة الاستقلال، وبدأت خيرات البلاد الإسلامية وكنوزها تعود إلى أهلها شيئًا فشيئًا، وظهرت هنا وهناك دعوات إلى إقامة المجتمع الإسلامي الذي يعتمد نظام الإسلام في شؤون الحياة كلها، وقامت نهضة علمية واقتصادية وصناعية حققت كثيرًا من أحلام المصلحين وآمالهم.
    غير أن الصورة المضيئة لم تكن كاملة، فقد شهد هذا العالم كوراث ونكبات، وتعرض لانقسامات ومظاهر من الانحراف والبعد عن الطريق القويم تفوق ما مر عليه طيلة قرون طويلة[1].
    كل هذا يجعل أمرًا محتمًا أن يعرض الإسلام على حقيقته عرضًا شاملاً واضحًا بحيث تبدو جميع معامله متناسبة الأجزاء، مع بيان حكمة تعاليم الإسلام وتفوق مبادئه على جميع الأديان والمذاهب والأنظمة الأخرى.

    إن مادة الثقافة الإسلامية تحرص على إعطاء الطالب صورة شاملة عن الإسلام قبل أن يدخل في التفصيلات، فهي لا تبحث في التوحيد أو الفقه أو التفسير أو غيرها من العلوم الإسلامية كعلوم قائمة بذاتها ولكنها تستفيد من هذه العلوم جميعًا للتعرف على حقيقة الإسلام، وروح الثقافة والحضارة الإسلامية وطبيعة هذا الدين المتميز الذي يجمع بين رغبات الروح والجسد.
    قال الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآْخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}[2][3].
    ومن هنا نشأت فكرة أن الثقافة الإسلامية تخصص علمي من تخصصات العلوم الإسلامية، وتخصص دقيق في الدراسات العليا، وذلك لأن تخريج معلمين متخصصين في تدريس الثقافة في المراحل الأولى والمراحل الجامعية يتطلب متخصصين في هذا الفن ومن هنا نشأت أقسام للثقافة الإسلامية في أكثر جامعاتنا وأقسام للدراسات العليا لهذا الفن الجديد.
    وقد تلقت كلية الملك فهد الأمنية دعوة كريمة من جامعة الملك فيصل لحضور هذه الندوة المباركة واخترت أن أكتب في المحور الأول وهو "الثقافة الإسلامية تخصص علمي من تخصصات العلوم الإسلامية وتخصص دقيق في الدراسات العليا".

    ويتناول الموضوعات التالية:
    1- نشأة علم الثقافة الإسلامية وتميزه عن التخصصات الإسلامية الأخرى.
    2- الاختلاف في تعريف الثقافة الإسلامية والتعريف المعتمد تدريسه.
    3- منهج البحث لعلم الثقافة الإسلامية.
    4- مصادر علم الثقافة الإسلامية.
    5- قضايا علم الثقافة الإسلامية وأثرها في الحياة المعاصرة.
    6- الصورة المعاصرة لتأصيل علم الثقافة الإسلامية كتخصص في برامج الدراسات العليا.
    وفي الختام أسأل الله أن يلهمنا الرشد والصواب وأن يرزقنا صدق النية وحسن العمل.
    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

    أولاً: نشأة علم الثقافة الإسلامية وتميزه عن التخصصات الإسلامية الأخرى:
    إن علم الثقافة الإسلامية بمفهومه الشامل المتضمن دراسة الكليات الإسلامية وأًوله في الوجود كله قد نشأت أولاً من منهج الكتاب والسنة في عرض رسالة الإسلام بجوانبها المتعددة في وحدة متكاملة، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[4]، وقوله: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[5]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[6]، وقوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}[7].
    فهذه الآيات القرآنية جمعت في نسق واحد توجيهات تشريعية عملية وعقدية، وأخلاقية، وتربوية، هي جميعًا من صميم علم الثقافة الإسلامية، ثم نشأت ثانيًا من منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فهموا رسالة الإسلام وأهدافه فهمًا عميقًا شاملاً يدل عليه الرسائل المتبادلة بين الخلفاء الراشدين وعمالهم وولاتهم في شموليتها لكل جوانب الإسلام. وسار أئمة العلم على هذا المنهج بعد الصحابة، وكانوا علماء بالإسلام كله لا ببعض أجزائه[8].
    وفي العصر الحاضر حينما سهل الاتصال بين الناس وتيسرت وسائل المعرفة جهدت التيارات الهدامة في نشر مبادئها فأصبح من السهل على الإنسان أن يأخذ تصورًا كاملاً عن مذهب ما من تلك المذاهب من خلال كتاب واحد يجمع أصوله في كل النظم[9].
    فاتجه بعض العلماء والمفكرين غيرة على دين الله وتقديمًا للبديل الصحيح المتمثل بالإسلام إلى الدراسة الشمولية للإسلام من خلال بيان النظم الإسلامية أو النظام الإسلامي في مجال التربية والصحة والأسرة والسياسة والاقتصاد ونحوها من الموضوعات.
    كما يقوم على دراسة الشبهات التي أثارها بعض المفكرين اللبراليين والمستشرقين، فيما يتعلق بالمرأة وعملها، والرق، والوحي، والنبوة، والزواج، والتاريخ المزيف عن المسلمين أو الإسلام. ودراسة الاستشراق وبيان ما فيه من المفاسد والمصالح.
    ويقوم أيضًا على دراسة التيارات الفكرية الحديثة كالعلمانية والوجودية والرأسمالية والماسونية والصهيونية وغيرها من المذاهب والفرق الضالة. وبيان أخطائها وأخطارها[10].

    ثانيًا: الاختلاف في تعريف الثقافة الإسلامية والتعريف المعتمد تدريسه في المرحلة الجامعية:
    نظراً لكون كلمة الثقافة ذات أبعاد كبيرة ودلالات واسعة يضيق عن استيعابها النطاق اللغوي لأصل الكلمة، ونظرًا لكون هذه الكلمة من الألفاظ المعنوية التي يصعب على الباحث تحديدها* شأنها في ذلك شأن لفظ: التربية والمدنية وغيرهما من المصطلحات التي تجري على الألسن دون وضوح مدلولاتها في أذهان مستعمليها. ونظرًا لكون علماء العربية والإسلام لم يستعلموا كلمة الثقافة بالمعنى الواسع ولم يقيموا علمًا مستقلاً يسمى بالثقافة، وإنما جاء التعبير بهذه الكلمة وليد الأبحاث والدراسات الحديثة. نظرًا لهذا كله فإنه لم يوجد حتى الآن تعريف محدد متفق عليه لمصطلح الثقافة الإسلامية وإنما هي اجتهادات من بعض العلماء والمفكرين الإسلاميين، ومن هنا تعددت التعريفات لهذا المصطلح.
    فثمة اتجاه يجعل (حياة الأمة الإسلامية) أساسًا يدور عليه التعريف، وبهذا تكون الثقافة الإسلامية مرادفة للدراسات الإسلامية أو العلوم الإسلامية.
    وثمة اتجاه يرى أن الثقافة الإسلامية علم جديد، له موضوعاته الخاصة التي تميزه عن غيره من العلوم الإسلامية كالحديث أو التفسير أو الفقه.

    ونظرًا لهذه الاتجاهات تعددت التعريفات بحسب التصورات على النحو التالي:
    1- التعريف العام للثقافة الإسلامية (معرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة، بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، من دين ولغة وتاريخ وحضارة، وقيم وأهداف مشتركة بصورة واعية هادفة).
    ويقوم هذا التعريف على دراسة حياة الأمة الإسلامية من جميع جوانبها على أساس أن لكل أمة ثقافتها التي هي عنوان عبقريتها وثمرة اجتهادها.

    2- التعريف الخاص للثقافة الإسلامية (معرفة مقومات الدين الإسلامي، بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، والمصادر التي استقيت منها هذه المعوقات، بصورة نقية مركزة).
    ويعني هذا التعريف دراسة العلوم الإسلامية الصرفة بجوانبها المتعددة مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية وما أضافه علماء العقيدة والتفسير والحديث والفقه والسيرة من ثمرات الفكر الجاد والاجتهاد الأمين.
    التعريف المميز للثقافة الإسلامية:
    معرفة التحديات المعاصرة، المتعلقة بمقومات الأمة الإسلامية ومقومات الدين الإسلامية صورة مقنعة موجهة.
    ويقوم هذا التعريف على دراسة العلوم العصرية الجديدة التي أخذت تتطلب من المسلمين استخلاص الكائنات الفكرية من شتات التراث الإسلامي، وتقديمها في بحوث مستقلة متكاملة، لمواجهة التحديات العلمية الغربية في مجالات التربية والصحة والعلم والأسرة والسياسة والاقتصاد وغيرها من الموضوعات.
    كما يقوم على دراسة الشبهات فيما يتعلق بالمرأة وعملها، والرق، والوحي، والنبوة... الخ.
    ويقوم أيضًا على دراسة التيارات الفكرية المعاصرة كالعلمانية والوجودية والماسونية والرأسمالية وغيرها من المذاهب والفرق الضالة.
    وعلى هذا المعنى تكون الثقافة الإسلامية علمًا مستقلاً مميزًا عن غيره من العلوم الإسلامية الأخرى، كالتفسير والحديث والفقه، وهو علم جديد له موضوعاته الخاصة وأسلوبها الخاص وكتابه الخصوصيون، جاء ميلاده وظهوره على إثر التحديات المعاصرة للإسلام والمسلمين[11].
    وتستطيع الثقافة الإسلامية بهذا المعنى أن تلعب دور التوجيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والصحي والعلمي والديني، لبناء القومية الإسلامية على غرار مقررات الثقافة القومية عند الأمم الأخرى.
    وهذا هو التعريف المعتمد تدريسه في المرحلة الجامعية في جامعاتنا من وجهة نظري، وهذا واضح في كتاب مدخل إلى علم الثقافة الإسلامية للدكتور عبدالرحمن الزنيدي ص(2-3)، حيث قال في تعريف الثقافة الإسلامية بأنها: (علم كليات الإسلام في نظم الحياة كلها بترابطها) وهو أستاذ الثقافة الإسلامية في كلية الشريعة بالرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
    وكذلك واضح في مقدمات الثقافة الإسلامية للدكتور مفرح بن سليمان الجوس الأستاذ المساعد بقسم الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة جامعة الإمام ص:29، حيث قال معلقًا على تعريف الزنيدي السالف الذكر، ولعل هذا التعريف الأخير هو أفضل تلك التعريفات وأقربها إلى الصواب لاشتماله على موضوعات الثقافة الإسلامية الرئيس، ولأنه تعريف كلي وليس تعريفًا جزئيًا.
    ووضح في كتاب دراسات في الثقافة الإسلامية تعريف الدكتور محمد عبدالسلام محمد وآخرين) ص:13.
    كما أن هذا الاتجاه معمول به في كثير إن لم يكن في كل الجامعات في العالم الإسلامي. أما الثقافة الإسلامية التي تدرس في وزارة التربية والتعليم فهي تتولى مهام الثقافة الإسلامية بمعناها العام من خلال مناهجها العامة - وهناك بعض الجامعات والمعاهد العليا تمزج بين التعريفين الثاني والثالث-.

    ثالثًا: منهج البحث في علم الثقافة الإسلامية:
    من أبرز القواعد المنهجية لعلم الثقافة الإسلامية ما يلي:

    1- الكلية: فالثقافة الإسلامية تبحث في الإسلام بصفته كلاً مترابطًا ووحدة متكاملة وتؤكد التداخل بين نظمه من أجل أن يعطي هذا العلم آخذه تصورًا متكاملاً عن الإسلام في جوانبه المختلفة العقدية والعبادية والجانب التعليمي والخلقي والعائلي والاقتصادي والسياسي ومفاهيمه العامة كالحرية والتسامح
    وغيرهما[12].

    2 - المقارنة: وهي من دعائم هذا المنهج لأن هذا العصر هو عصر الصراع بين المذاهب والأفكار لاسيما بين الإسلام والثقافة الغربية بفرعيها الديمقراطي والاشتراكي الاجتماعي، والمنهج المقارن يركز على تيارات الفكر المعاصر وقضاياه إلا أنه لا يغفل بحال من الأحوال التيارات والمذاهب الفكرية الغابرة المتجددة
    3 - التأصيل: فمع أن علم الثقافة الإسلامية علم مقارنة إلا أن منهج هذه المقارنة تابع لمنهج التأصيل، والتأصيل بهذا المقام بحث النظم الإسلامية من خلال الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ومنهم علماء الإسلام المعتبرون.
    4 - النقد: علم الثقافة الإسلامية ليس علم مقارنة وتأصيل فحسب بل هو علم نقد في الوقت نفسه فهو ينقد بموضوعية علمية المذاهب المعاصرة الاشتراكية والتطويرية والرأسمالية أو حتى تلك التي تحارب الإسلام ونظمه كالاستشراق والتنصير[13].
    رابعًا: مصادر علم الثقافة الإسلامية:
    مصادر الثقافة الإسلامية تنقسم إلى قسمين أصلية وفرعية:

    1- المصادر الأصلية:
    أ ) القرآن الكريم: فالقرآن هو المصدر الأول للثقافة الإسلامية فيه خبر من قبلنا ونبأ من بعدنا وفضل ما بيننا، وهو سجل الكون الإلهي ونظام الحياة العالمية، وقد اشتمل على أحكام ثابتة كالعقيدة والأخلاق والآداب وجميع ما نص عليه بنصوص قطعية الثبوت والدلالة وأخرى متغيرة لكن كلها قواعد وأصول كلية وصدق الله إذ يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[14] وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[15].
    ب ) السنة المطهرة وهي المصدر الثاني للتشريع وهي التي جاءت مفسرة وموضحة ومؤكدة ومفصلة ومخصصة لمجمل وعلوم القرآن الكريم.

    2- المصادر الفرعية فكثيرة منها الإجماع والقياس والاستحسان والمصلحة المرسلة وغيرها بشرط ألا تخالف نصً في كتاب أو سنة أو أصلا مجمع عليه من علماء الأمة الإسلامية وتشمل أيضًا التراث الإسلامي وكل ما ورثناه عن السلف الصالح من علوم ومعارف وأفكار واجتهادات في شتى المجالات المختلفة وتشمل أيضًا الخبرات الإنسانية النافعة مع أن الإسلام يؤكد على الاستقلال والتميز لكنه يكره العزلة عن الناس والحياة والمسلم كائن اجتماعي وإنساني وعلى هذا فالخبرات الإنسانية النافعة خليق بأن تكون مصدرًا إضافيًا للثقافة الإسلامية، على أن تكون من أمور الدنيا التي لا تتعارض مع نصوص القرآن والسنة والقواعد والكليات المتفق عليها في الشريعة الإسلامية لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) أخرجه مسلم[16](16).
    خامسًا: قضايا علم الثقافة الإسلامية وأثرها في الحياة المعاصرة:
    أهم القضايا التي تبحثها الثقافة الإسلامية هي:

    أولاً: نظم الدين الإسلامي ومن أهمها ما يلي:
    1- نظام العقيدة.
    2- نظام العبادة.
    3- نظام الدعوة والاحتساب.
    4- النظام التعليمي.
    5- النظام الخلقي.
    6- النظام العائلي.
    7- النظام الاقتصادي.
    8- النظام السياسي.
    وهذه النظم يبحثها علم الثقافة من حيث مصدرها، وأسسها، وخصائصها وأهدافها وآثارها ومسائلها الكبرى وأما التفصيلات فشأن المتخصصين في هذه النظم.

    ثانيًا: المفاهيم المتعلقة بالنظام الإسلامي ومنهجه:
    مثل: الحرية، والتسامح الديني، والعلم، والتجديد في مجال الدين، وحقوق الإنسان المدنية وغيرها فهذه المفاهيم يسعى علم الثقافة إلى تأصيلها على أساس من المنهجية الإسلامية المعتمدة على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، ودفع المفاهيم الخاطئة فيما يتعلق بالموضوعات السالفة الذكر.

    ثالثًا: القوى المعادية للإسلام وأهله:
    ومن أهمها الاستشراق والتنصير والماسونية والصهيونية، حيث يبحث علم الثقافة الإسلامية شبهات هذه القوى والرد عليها وبيان ضررها على الإسلام والمسلمين.

    رابعًا: المذاهب والنظريات الحديثة:
    ومن أهمها الرأسمالية الاشتراكية وأما النظريات فأهمها العلمانية والتطويرية والوجودية والفرويدية، حيث يسعى علم الثقافة الإسلامية إلى بيان ما يتفق من تلك المذاهب مع الإسلام وما يختلف معه كما يسعى إلى نقد مبادئها الفاسدة وإثبات إخفاقها في إسعاد البشرية ونجاح الإسلام ومبادئه.
    وأما أثرها في الحياة المعاصرة فلا شك أنه أثر كبير جدًا حيث كان المسلمون في العصور المتأخرة قد حصر بعضهم الإسلام في قضايا العقيدة والعبادة والحدود وانزوى المسلمون عن ممارسة الحياة العامة في ضوء الإسلام فجاءت الثقافة الإسلامية في ثوبها الجديد لتوضيح أن الإسلام نظام شامل وكامل للحياة وأن العبادة في الإسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. كما تم تبيين مفاهيم الحرية والديموقراطية والمدنية وغيرها من المفاهيم بما يتفق ومبادئ الدين الإسلامي.
    كما ناقشت الثقافة الإسلامية المذاهب المعاصرة وناقشت شبهها ومناهجها نقاشًا علميًا هادئًا ومن هنا نشأت ثقافة إسلامية متميزة واستطاع الكتَّاب الإسلاميون أن يصنعوا الشخصية الإسلامية المتميزة التي تسعى إلى بناء حضارة وثقافة إسلامية خاصة مع الاستفادة من النظريات الأخرى بما لا يتعارض مع عقيدتنا الإسلامية الصافية[17].
    وأدى إلى تصنيف الثقافة الإسلامية في المجال العقدي دراسة تأصيلية لقضايا الجهاد وشروطه وضوابطه حيث كثر الخلط في هذه النقطة عند كثير من شبابنا المعاصرين وكذلك الولاء والبراء وفي المجالات العامة التركيز على قضايا حقوق الإنسان بمفهومها الإسلامي وتطبيقاتها في أنظمتنا المعاصرة والتركيز على بيان حقوق غير المسلمين من المواطنين وغيرهم والتحدث عن المواطنة وبيان منهج الفكر الإسلامي فيها وأنها في محصلتها لا تتعارض مع أصول وقواعد الشريعة الإسلامية، وكذلك الحديث عن قضايا الإرهاب وموقوف الإسلام منها والشبهات التي تثار في هذا الجانب والحديث عن مفهوم الأمن في الإسلام ومبادئه وركائزه.
    وقد قامت كلية الملك فهد الأمنية بمناقشة هذه القضايا في منهج الثقافة الإسلامية الجديد وكذلك منهج مادة حقوق الإنسان.

    خامساً: الضرورة المعاصرة لتأصيل علم الثقافة الإسلامية كتخصص من برنامج الدراسات العليا:


    بما أننا قد توصلنا إلى أن الثقافة الإسلامية علم جديد ومعاصر وأنه أصبح مستقلاً عن غيره من العلوم الإسلامية له موضوعاته الخاصة وأسلوبه الخاص وكتابه الخصوصيون فإن بقاءه وتطوره مرهون بتخريج أجيال تقوم بتأصيله وتطويره وتدريسه في جميع المراحل وخاصة المراحل الجامعية، فقد دأبت بعض الجامعات الإسلامية كجامعة الأزهر، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة إلى جعل الثقافة الإسلامية قسمًا متخصصًا ولكن مع الدعوة فسمته قسم الدعوة والثقافة الإسلامية ومنحت جامعة الأزهر رسائل الماجستير والدكتوراه في الثقافة الإسلامية، وأما جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقد أنشأت قسمًا خاصًا سمته قسم الثقافة الإسلامية في كلية الشريعة وكان يمنح رسائل الماجستير والدكتوراه في مجال الثقافة الإسلامية ولكنها أوقفت الدراسات العليا في هذا التخصص ولا ندري ما السبب. ولكن بقاءه مغلقًا يمثل تراجعًا كبيرًا لهذه الجامعة العظيمة ولكن بعض التيارات الفكرية التي تدعي السلفية كان لها دور في هذا الأمر.
    وإني لأرجو من جميع الجامعات الإسلامية أن تحرص على الدراسات العليا في مجال الثقافة الإسلامية حتى نخرج المفكرين الإسلاميين الذين يتصدون للقضايا المعاصرة في مجالات الفكر والمذاهب الفكرية المعاصرة.
    وإني لأرجو أن تكون جامعة الملك فيصل بالأحساء سباقة إلى هذا الأمر والله أسأل للجميع التوفيق والسداد.

    الخاتـمة:
    توصلت في هذه الورقة المختصرة إلى نتائج من أهمها:
    1- أن علم الثقافة الإسلامية علم جديد نشأ في القرن العشرين نتيجة الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين.
    2- اختلف الباحثون المعاصرون في تعريف الثقافة الإسلامية لكن رجحت أن تعريف الثقافة الإسلامية هو: ((معرفة التحديات المعاصرة المتعلقة بمقومات الأمة الإسلامية ومقومات الدين الإسلامية بصوره مقنعة وموجهة)) وبهذا التعريف تكون الثقافة الإسلامية علمًا مستقلاً.
    3- تبحث الثقافة الإسلامية الإسلام بصفته كلاً مترابطًا ووحدة متكاملة وأن الثقافة الإسلامية تؤصل وتنقد، تؤصل الإسلام من خلال نظمه الإسلامية لتنتقد المناهج المعاصرة نقدًا علميًا.
    4- الثقافة الإسلامية لها مصادر أصلية هي القرآن والسنة وفرعية هي المصادر التشريعية الأخرى والتراث الإسلامي والخبرات الإنسان التي لا تتعارض مع الدين الإسلامي.
    5- تناقش الثقافة الإسلامية نظم الدين الإسلامي والمفاهيم العامة مثل الحرية والتسامح الديني والعلم والقوى المعادية للإسلام والمذاهب والنظريات الحديثة.
    6- أن الضرورة تقتضي تأصيل علم الثقافة الإسلامية كتخصص دقيق في الدراسات العليا لتخريج معلمي الثقافة الإسلامية في الدراسات العليا والجامعية وتخريج المتخصصين والمفكرين الإسلاميين في هذا المجال.
    ـــــــــــــــــــــ
    [1] معالم الثقافة الإسلامية، تأليف عبدالكريم عثمان، ط3، الرياض، مؤسسة الأنوار، 1399هـ-1979م، ص(3).
    [2] سورة القصص، الآية (77).
    [3] انظر: معالم الثقافة الإسلامية، ص(7-8).
    [4] سورة الحج، الآية (77).
    [5] سورة الأعراف، الآية (29).
    [6] سورة آل عمران، الآية (104).
    [7] سورة الحديد، الآية (25).
    [8] راجع مقدمات في الثقافة الإسلامية لمفرح بن سليمان القوس، ط2، دار الغيث للنشر، الرياض، 1418هـ-1998م، ص(30)، وراجع مدخل إلى الثقافة الإسلامية لعبدالرحمن الزنيدي، ص(2-3).
    [9] مقدمات في الثقافة الإسلامية، ص(31).
    [10] راجع دراسات في الثقافة الإسلامية، تأليف محمد عبدالسلام محمد وآخرون، ط5، الكويت، مكتبة الفلاح، 1408هـ-1987م، ص(12-13).
    [11] راجع فيما مضى دراسات في الثقافة الإسلامية، ص(11-13)، ومقدمات في الثقافة الإسلامية، ص
    (27-29)، ومدخل إلى الثقافة الإسلامية، تأليف سعود بن سلمان آل سعود ونعمان السامرائي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1419هـ-1998م، ص(29)، ونظرات في الثقافة الإسلامية، تأليف محفوظ على عزام، الرياض، دار اللواء، 1404هـ-1984م، ص(28-23)، وأضواء على الثقافة الإسلامية، لنادية شريف العمري، ط7، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1477هـ-1997، ص(17).
    [12] راجع: مقدمات في الثقافة الإسلامية ص(33-34)، وأضواء على الثقافة الإسلامية ص(49-50)، ودراسات في الثقافة الإسلامية ص(12).
    [13] راجع: مقدمات في الثقافة الإسلامية ص(35-35)، ودراسات في الثقافة الإسلامية ص(12، 13).
    [14] سورة الأنعام، الآية (38).
    [15] سورة الإسراء، الآية (9).
    [16] راجع فيما سبق دراسات الثقافة الإسلامية ص(26 حتى 28)، ومدخل إلى الثقافة الإسلامية ص(47)، ومقدمات في الثقافة الإسلامية ص(35-36)، ونظرات في الثقافة ألإسلامية ص(33).
    [17] راجع: مقدمات في الثقافة الإسلامية ص(32-33)، ونظرات في الثقافة الإسلامية ص(31-32)، ودراسات في الثقافة الإسلامية ص(24-25).










    تحياتي وانتظروا المزيد


  2. 06-Aug-2008 08:03 PM

    رد: موسوعة الثقافة الإسلامية

    الثقافة الاسلامية



    يتكون موضوع الثقافة الإسلامية من عدة موضوعات فرعية ، سيتناول أولها مفهوم الثقافة الإسلامية ، وستكون نقطة البداية تعريف مفهوم الثقافة لغةً واصطلاحاً، ومن ثم ذكر تعريف جامع مانع للثقافة الإسلامية. أما ثاني الموضوعات فستطَّلع فيه على الأهداف التي من أجلها تُدْرَسُ الثقافة الإسلامية . وسيخصص ثالثها للحديث عن مصادر الثقافة الإسلامية الشرعية والمعرفية. أما الموضوع الرابع فستتعرف فيه على خصائص الثقافة الإسلامية ، وأول خصائصها : أنها ثقافة ربانية، وثانيها : ثباتها وعدم تغيرها، وثالثها : شمولها لجميع نواحي الحياة، ورابعها : إيجابيتها، وخامسها : واقعيتها، وسادسها : توازنها. وسيخصص الموضوع الخامس لتبيان بعض المفاهيم التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الثقافة ، ومن بين هذه المفاهيم العلم ، والحضارة ، والمدنية، وسيكون الحديث عن الثقافة ودورها في بناء الفرد والمجتمع آخر ما يتم الحديث عنه في هذا الموضوع.





    حصيلة التعليم

    بعد دراستك لهذا الموضوع سيكون بمقدورك الآتي:
    • تعريف المراد بالثقافة لغة واصطلاحاً.
    • ذكر أهداف دراسة الثقافة الإسلامية
    • تبيان مصادر الثقافة الإسلامية الشرعية والمعرفية.
    • شرح الدور الذي لعبه كل مصدر من مصادر الثقافة الإسلامية في إثرائه
    • استيعاب خصائص الثقافة الإسلامية.
    • التمييز بين الثقافة وغيرها من المفاهيم المرتبطة بها ، مثل العلم ، والحضارة ، والمدنية.
    • التعرف على دور الثقافة في بناء الفرد والمجتمع.


    ١.١مفهوم الثقافة الإسلامية

    كي يتسنى لك استيعاب المراد بمفهوم الثقافة الإسلامية لابد لك من الاطلاع على تعريف الثقافة في اللغة والاصطلاح، كي تتمكن من استيعاب تعريف الثقافة الإسلامية اصطلاحاً ، والعلاقة بين الثقافة وغيرها من المعارف.





    ١.١.١ تعريف الثقافة لغة واصطلاحاً

    استعمل العرب مادة "ثقف" في عدة معانٍ ، منها ما هو معنوي ، مثل: الحذق، والفطنة، والذكاء، وسرعة التعلم، وضبط المعرفة، ومنها ما هو حسي ، مثل: تقويم الشيء المعوج، والتسوية، والظفر بالشيء والحصول عليه ١
    بناءً على ذلك سنصل إلى نتيجة مفادها أن الدلالات اللغوية لمصطلح الثقافة واسعة ومتنوعة، تتناول الجانب المعرفي ، والجانب السلوكي ٢
    أما عند الغرب فقد كانت دلالة الأصل اللاتيني لكلمة الثقافة مقصورة على تنمية الأرض ومحصولاتها، وفي أوائل العصور الحديثة بدأت الكلمة تستعمل بمدلوليها المادي الحسي والمعنوي العقلي ٣
    إذا أردنا أن نُعرِّف الثقافة في الاصطلاح فإن أنسب تعريف لها هو تعريف المجمع اللغوي الذي عرَّفَها بقوله: "جملة العلوم ، والمعارف ، والفنون التي يُطلبُ الحِذقُ فيها ٤ ".
    ٢.١.١ تعريف الثقافة الإسلامية اصطلاحاً
    تعريفات الثقافة الإسلامية متعددة ، وهذا يرجع إلى عدة أسباب ، هي كالآتي :
    1. أن كلمة الثقافة ذات أبعاد كبيرة ، ودلالات واسعة.
    2. أن كلمة الثقافة من الألفاظ المعنوية التي يصعب تحديدها.
    3. أن كلمة الثقافة مصطلح حديث.
    4. تعدد اجتهادات العلماء والمفكرين حول هذا المصطلح.
    وأقرب تعريف للثقافة الإسلامية هو: "معرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، من دين، ولغة، وتاريخ، وحضارة، وقيم، وأهداف مشتركة بصورة واعية هادفة ٦ ".




    ٢.١ أهداف دراسة الثقافة الإسلامية

    بعد أن تعرفتَ على تعريف الثقافة في اللغة والاصطلاح ، فضلاً عن تعريف الثقافة الإسلامية آن الآوان لتتعرف على أهداف دراسة الثقافة الإسلامية ، وهي كالآتي ٧ :
    1. التعريف بمفهوم الثقافة الإسلامية ومجالاتها وخصائصها ومصادرها وأصولها، كي يظهر لك الفرق بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات.
    2. التعرف على أهم التحديات التي تواجه الثقافة الإسلامية، وتسليح أبناء الإسلام بالمعرفة للتعرف على جذور هذه التحديات، والإسهام في البحث عن حلول لمواجهة تلك التحديات.
    3. تكوين قدرة نقدية تتمكن من خلالها فرز عناصر الثقافة الأصيلة من الدخيلة، والسنة من البدعة، والإسلامي من الجاهلي.
    4. تكوين قدرة لديك للإسهام في التغيير الثقافي المنشود في جميع جوانب الحياة العملية.
    5. إبراز الثقافة الإسلامية وتقديمها كبديل إسلامي عن ثقافة العصر الغربية والأوروبية الوضعية.
    6. تنمية القدرة على فهم الثقافات الأخرى ووجوه التباين بينها وبين الثقافة الإسلامية، كي تكون قادراً على مواجهة التحديات المعاصرة وتكون ثابتاً أمام الاستهواء الثقافي.
    7. بيان العقيدة الإسلامية السوية، بمبادئها وتصوراتها الصحيحة، وترسيخ العقيدة في نفسك حتى تكون قادراً على مواجهة الأفكار العصرية والمذاهب الهدامة بوعي وثبات وإيمان.
    8. تنمية شعور الولاء للأمة الإسلامية، وتبصيرك بأهمية هذا الولاء حتى تعتز به وتشعر أن أمتك الإسلامية تقع في موضع الشهادة والإمامة.
    9. تجديد الصلة بالإسلام، عن طريق ترجمة أفكاره وتعاليمه، إلى قانون عملي وواقع سلوكي وأخلاقي، فقد جاء الإسلام ليكون عقيدة وشريعة ومنهجاً ونظام حياة متكامل.
    10. التعريف بالتصور الإسلامي الصحيح عن الخالق، والكون، والحياة، والإنسان.
    11. إبراز النظرة الشمولية للإسلام باعتباره ديناً مترابطاً متكاملاً لا ينفصل فيه أصل أو فرع عن آخر، والتخلص من النظرة الجزئية له التي تقصره على بعض جوانب الحياة.
    12. تجلية موقف الإسلام من قضايا العصر في مجالات العلوم النظرية والتطبيقية المختلفة، ونقدها من منظور إسلامي.
    13. تفنيد الفكرة الخاطئة التي تنسب انحطاط المسلمين إلى تمسكهم بالإسلام وبيان أن تخلف الشعوب الإسلامية كان بسبب تخليها عن مبادئ هذا الدين القويم.



  3. 06-Aug-2008 08:12 PM

    رد: موسوعة الثقافة الإسلامية

    [align=center]الأشاعرة [/align]






    الأشاعرة : فرقة كلامية إسلامية، تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة. وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في محاججة
    خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم، لإثبات حقائق الدين (*) والعقيدة الإسلامية على طريقة ابن كلاب.




    التأسيس وأبرز الشخصيات:
    · أبو الحسن الأشعري: هو أبو الحسن علي بن إسماعيل، من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ولد بالبصرة سنة 270هـ ومرت حياته الفكرية بثلاث
    مراحل:


    ـ المرحلة الأولى:
    عاش فيها في كنف أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره وتلقى علومه حتى صار
    نائبه وموضع ثقته . ولم يزل أبو الحسن يتزعم المعتزلة أربعين سنة .

    ـ المرحلة الثانية:
    ثار فيه على مذهب الاعتزال الذي كان ينافح عنه، بعد أن اعتكف في بيته خمسة عشر
    يوماً، يفكر ويدرس ويستخير الله تعالى حتى اطمأنت نفسه، وأعلن البراءة من الاعتزال
    وخط لنفسه منهجاً جديداً يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل
    (*) وفيها اتبع طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق
    العقل: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، أما الصفات الخبرية
    كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي
    المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها .

    ـ المرحلة الثالثة:
    إثبات الصفات جميعها لله تعالى من غير تكييف(*) ولا تشبيه(*) ولا
    تعطيل(*) ولا تحريف(*) ولا تبديل ولا تمثيل، وفي هذه المرحلة كتب كتاب
    الإبانة عن أصول الديانة الذي عبّر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم ، الذي كان
    حامل لوائه الإمام أحمد بن حنبل. ولم يقتصر على ذلك بل خلّف مكتبة كبيرة في الدفاع
    عن السنة وشرح العقيدة تقدّر بثمانية وستين مؤلفاً، توفي سنة 324هـ ودفن ببغداد ونودي
    على جنازته: "اليوم مات ناصر السنة".

    · بعد وفاة أبو الحسن الأشعري، وعلى يد أئمة المذهب(*) وواضعي أصوله
    وأركانه، أخذ المذهب الأشعري أكثر من طور، تعددت فيها اجتهاداتهم ومناهجهم في
    أصول المذهب وعقائده، و ما ذلك إلا لأن المذهب لم يبن في البداية على منهج مؤصل،
    واضحة أصوله الاعتقادية، ولا كيفية التعامل مع النصوص الشرعية، بل تذبذبت مواقفهم
    واجتهاداتهم بين موافقة مذهب السلف واستخدام علم الكلام لتأييد العقيدة والرد على
    المعتزلة .


    من أبرز مظاهر ذلك التطور:
    ـ القرب من أهل الكلام والاعتزال .
    ـ الدخول في التصوف، والتصاق المذهب الأشعري به .
    ـ الدخول في الفلسفة (*) وجعلها جزء من المذهب .




    [align=center]· من أبرز أئمة المذهب:[/align]


    ـ القاضي أبو بكر الباقلاني: (328ـ402هـ) (950ـ1013م)
    هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، من كبار علماء الكلام، هذَّب بحوث الأشعري،

    وتكلَّم في مقدمات البراهين العقلية للتوحيد وغالى فيها كثيراً إذ لم ترد هذه المقدمات في
    كتاب ولا سنة، ثم انتهى إلى مذهب السلف وأثبت جميع الصفات كالوجه واليدين على
    الحقيقة وأبطل أصناف التأويلات التي يستعملها المؤولة وذلك في كتابه: تمهيد الأوائل
    وتلخيص الدلائل . ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي فيها . وجهه عضد الدولة
    سفيراً عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين
    يدي ملكها . من كتبه: إعجاز القرآن، الإنصاف، مناقب الأئمة، دقائق الكلام، الملل
    والنحل، الاستبصار، تمهيد الأوائل ، كشف أسرار الباطنية .

    ـ أبو إسحاق الشيرازي: (293ـ476هـ) (1003ـ1083م) .
    وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي، العلامة المناظر، ولد في فيروز

    أباد بفارس وانتقل إلى شيراز، ثم البصرة ومنها إلى بغداد سنة (415هـ) . وظهر
    نبوغه في الفقه الشافعي وعلم الكلام(*)، فكان مرجعاً للطلاب ومفتياً للأمة في
    عصره، وقد اشتهر بقوة الحجة في الجدل(*) والمناظرة . بنى له الوزير نظام
    الملك: المدرسة النظامية على شاطئ دجلة، فكان يدرس فيها ويديرها .
    من مصنفاته: التنبيه والمهذَّب في الفقه، والتبصرة في أصول الشافعية، وطبقات
    الفقهاء، واللمع في أصول الفقه وشرحه، والملخص، والمعونة في الجدل .

    · أبو حامد الغزالي: (450ـ505هـ) (1058ـ1111م)
    وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، ولد في الطابران، قصبة طوس خراسان

    وتُوفِّي بها . رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد، فالحجاز، فبلاد الشام، فمصر ثم عاد إلى
    بلدته .
    لم يسلك الغزالي مسلك الباقلاني، بل خالف الأشعري في بعض الآراء وخاصة فيما يتعلق
    بالمقدمات العقلية في الاستدلال، وذم علم الكلام وبيَّن أن أدلته لا تفيد اليقين كما في كتبه
    المنقذ من الضلال، وكتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة (*)، وحرم الخوض فيه فقال:
    " لو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم حرام " . اتجه نحو
    التصوف، واعتقد أنه الطريق الوحيد للمعرفة .. وعاد في آخر حياته إلى السنة من
    خلال دراسة صحيح البخاري .

    · أبو إسحاق الإسفراييني: (ت418هـ) (1027م)
    وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، أبو إسحاق عالم بالفقه والأصول وكان يلقب

    بركن الدين وهو أول من لقب به من الفقهاء . نشأ في إسفرايين (بين نيسابور
    وجرجان) ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له مدرسة عظيمة فدرس فيها، ورحل إلى
    خراسان وبعض أنحاء العراق، فاشتهر في العالم الإسلامي . ألَّف في علم الكلام
    (*) كتابه الكبير، الذي سماه الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين . قال
    ابن خلكان: رأيته في خمسة مجلدات . توفي أبو إسحاق الإسفراييني في يوم
    عاشوراء سنة عشرة وأربعمائة بنيسابور ثم نقل إلى إسفرايين ودفن بها وكان قد نيف على
    الثمانين .

    · إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: (419ـ478هـ) (1028ـ1085م)
    وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، الفقيه الشافعي ولد في بلد جوين

    (من نواحي نيسابور) ثم رحل إلى بغداد، فمكة حيث جاور فيها أربع سنين، وذهب إلى
    المدينة المنورة فأفتى ودرّس . ثم عاد إلى نيسابور فبنى له فيها الوزير نظام الملك
    المدرسة النظامية، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء . وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين
    سنة غير مزاحم ولا مدافع، ودافع فيها عن الأشعرية فشاع ذكره في الآفاق، إلا أنه في
    نهاية حياته رجع إلى مذهب السلف . وقد قال في رسالته: النظامية والذي نرتضيه
    رأياً وندين الله به عقيدة إتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة …
    ويعضد ذلك ما ذهب إليه في كتابه غياث الأمم في التياث الظلم، فبالرغم من أن الكتاب
    مخصص لعرض الفقه السياسي الإسلامي فقد قال فيه:" والذي أذكره الآن لائقاً
    بمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف
    السابقين، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن
    التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات … " .
    ـ نقل القرطبي في شرح مسلم أن الجويني كان يقول لأصحابه: "يا أصحابنا لا تشتغلوا
    بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به" . توفي رحمه الله
    بنيسابور وكان تلامذته يومئذ أربعمائة . ومن مصنفاته : العقيدة النظامية في الأركان
    الإسلامية، البرهان في أصول الفقه، ونهاية المطلب في دراية المذهب في فقه الشافعية،
    والشامل في أصول الدين .

    · الفخر الرازي (544هـ ـ 1150م) (606هـ ـ 1210م)
    هو أبو عبد الله محمد بن عمر الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني الرازي المولد،

    الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي قال عنه صاحب وفيات الأعيان
    " إنه فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام (*)، والمعقولات "
    أهـ، وهو المعبر عن المذهب (*) الأشعري في مرحلته الأخيرة حيث خلط الكلام
    بالفلسفة (*)، بالإضافة إلى أنه صاحب القاعدة الكلية التي انتصر فيها للعقل وقدمه
    على الأدلة الشرعية . قال فيه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: (4/426 ـ
    429): " كان له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة، وكان يورد
    شبه الخصوم بدقة ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهن " إلا أنه أدرك عجز
    العقل (*) فأوصى وصية تدل على حسن اعتقاده . فقد نبه في أواخر عمره إلى
    ضرورة إتباع منهج (*) السلف، وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في
    طريق علم الكلام (*) فقال: " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية
    رأيتها لا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق، طريقة القرآن، أقرأ في
    الإثبات (الرحمن على العرش استوى) و (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح
    يرفعه)، و أقرأ في النفي (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) و (ولا يحيطون به
    علماً)، ثم قال في حسرة وندامة: "ومن جرب تجربتي عرف معرفتي " أهـ .
    (الحموية الكبرى لابن تيمية) .
    من أشهر كتبه في علم الكلام: أساس التقديس في علم الكلام، شرح قسم الإلهيات من
    إشارات ابن سينا، واللوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات، البيان والبرهان
    في الرد على أهل الزيغ والضلال، كافية العقول.




    الأفكار والمعتقدات:
    · مصدر التلقي عند الأشاعرة: الكتاب والسنة على مقتضى قواعد علم الكلام *

    ولذلك فإنهم يقدمون العقل على النقل عند التعارض، صرح بذلك الرازي في القانون الكلي
    للمذهب في أساس التقديس والآمدي وابن فورك وغيرهم .
    ـ عدم الأخذ بأحاديث الآحاد(*) في العقيدة لأنها لا تفيد العلم اليقيني ولا مانع من
    الاحتجاج بها في مسائل السمعيات أو فيما لا يعارض القانون العقلي. والمتواتر(*)
    منها يجب تأويله، ولا يخفى مخالفة هذا لما كان عليه السلف الصالح من أصحاب القرون
    المفضلة ومن سار على نهجهم حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الرسل فرادى
    لتبليغ الإسلام كما أرسل معاذاً إلى أهل اليمن، ولقوله صلى الله عليه وسلم : "نضر
    الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها … " الحديث، وحديث
    تحويل القبلة وغير ذلك من الأدلة .
    ـ مذهب طائفة منهم وهم: صوفيتهم كالغزالي والجامي في مصدر التلقي، تقديم
    الكشف(*) والذوق على النص، وتأويل النص ليوافقه . ويسمون هذا "العلم
    اللدني" جرياً على قاعدة الصوفية "حدثني قلبي عن ربي" . وكما وضح ذلك في
    الرسالة اللدنية 1/114ـ118 من مجموعة القصور العوالي، وكبرى اليقينيات لمحمد
    سعيد رمضان البوطي، الإهداء ـ 32ـ35 . ولا يخفى ما في هذا من البطلان
    والمخالفة لمنهج (*) أهل السنة والجماعة (*) وإلا فما الفائدة من إرسال الرسل
    وإنزال الكتب .


    · يقسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام:
    ـ قسم مصدره العقل(*) وحده وهو معظم الأبواب ومنه باب الصفات ولهذا يسمون
    الصفات التي تثبت بالعقل " عقلية " وهذا القسم يحكم العقل بوجوبه دون توقف على
    الوحي (*) عندهم . أما ما عدا ذلك من صفات خبرية دل الكتاب والسنة عليها
    فإنهم يؤولونها .
    ـ قسم مصدره العقل والنقل معاً كالرؤية ـ على خلاف بينهم فيها .
    ـ قسم مصدره النقل وحده وهو السمعيات ذات المغيبات من أمور الآخرة كعذاب القبر
    والصراط والميزان وهو مما لا يحكم العقل باستحالته، فالحاصل أنهم في صفات الله
    جعلوا العقل حاكماً، وفي إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلاً، وفي الرؤية جعلوه مساوياً.
    أما في مذهب أهل السنة والجماعة فلا منافاة بين العقل والنقل أصلاً ولا تقديم للعقل في
    جانب وإهماله في جانب آخر وإنما يُبدأ بتقديم النقل على العقل .
    · خالف الأشاعرة مذهب السلف في إثبات وجود الله تعالى، ووافقوا الفلاسفة
    والمتكلمين في الاستدلال على وجود الله تعالى بقولهم: إن الكون حادث ولا بد له من
    محدث قديم وأخص صفات القديم مخالفته للحوادث وعدم حلوله فيها . ومن مخالفته
    للحوادث إثبات أنه ليس بجوهر ولا جسمٍ ولا في جهة ولا في مكان . وقد رتبوا على
    ذلك من الأصول الفاسدة ما لا يدخل تحت حصر مثل: إنكارهم صفات الرضا
    والغضب والاستواء بشبهة نفي حلول الحوادث في القديم من أجل الرد على القائلين بقدم
    العالم، بينما طريقة السلف هي طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق
    سبحانه وتعالى .
    · التوحيد عند الأشاعرة هو نفي التثنية والتعدد بالذات ونفي التبعيض والتركيب
    والتجزئة أي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة . وفي ذلك يقولون: إن الله واحد في
    ذاته لا قسيم له، واحد في صفاته لا شبيه له، واحد في أفعاله لا شريك له . ولذلك فسروا
    الإله (*) بأنه الخالق أو القادر على الاختراع، و أنكروا صفات الوجه واليدين والعين
    لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم. وفي هذا مخالفة كبيرة لمفهوم التوحيد عند
    أهل السنة والجماعة (*) من سلف الأمة ومن تبعهم ـ، وبذلك جعل الأشاعرة التوحيد
    هو إثبات ربوبية الله عز وجل دون ألوهيته .
    وهكذا خالف الأشاعرة أهل السنة والجماعة في معنى التوحيد حيث يعتقد أهل السنة
    والجماعة أن التوحيد هو أول واجب على العبيد إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه
    وصفاته على نحو ما أثبته تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونفي ما
    نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف (*) أو
    تعطيل (*) أو تكييف أو تمثيل .
    ـ إن أول واجب عند الأشاعرة إذا بلغ الإنسان سن التكليف هو النظر أو القصد إلى النظر
    ثم الإيمان، ولا تكفي المعرفة الفطرية ثم اختلفوا فيمن آمن بغير ذلك بين تعصيته و تكفيره
    ..
    بينما يعتقد أهل السنة والجماعة أن أول واجب على المكلفين هو عبادة الله عز وجل وحده
    لا شريك له، توحيد الألوهية بدليل الكتاب والسنة والإجماع (*)، وأن معرفة الله تعالى
    أمر فطري مركوز في النفوس .
    ـ يعتقد الأشاعرة تأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين واليمين والقدم والأصابع
    وكذلك صفتي العلو والاستواء . وقد ذهب المتأخرون منهم إلى تفويض معانيها إلى الله
    تعالى على أن ذلك واجب يقتضيه التنزيه، ولم يقتصروا على تأويل آيات الصفات بل
    توسعوا في باب التأويل (*) حيث شمل أكثر نصوص الإيمان، خاصة فيما يتعلق
    بإثبات الزيادة والنقصان، وكذلك موضوع عصمة الأنبياء . أما مذهب السلف فإنهم
    يثبتون النصوص الشرعية دون تأويل معنى النص ـ بمعنى تحريفه ـ أو تفويضه (*)،
    سواءً كان في نصوص الصفات أو غيرها .
    · الأشاعرة في الإيمان بين: المرجئة (*) التي تقول يكفي النطق بالشهادتين
    دون العمل لصحة الإيمان، وبين الجهمية (*) التي تقول يكفي التصديق القلبي .
    ورجح الشيخ حسن أيوب من المعاصرين أن المصدق بقلبه ناجٍ عند الله وإن لم ينطق
    بالشهادتين، (تبسيط العقائد الإسلامية 29ـ32) . و مال إليه البوطي و (كبرى
    اليقينيات 196) . وفي هذا مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون إن
    الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومخالفة لنصوص القرآن الكريم الكثيرة منها: (أم حسب
    الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم و مماتهم
    ساء ما يحكمون) [الجاثية:21]. عليه يكون إبليس من الناجين من النار لأنه من
    المصدقين بقلوبهم، وكذلك أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن هناك داع
    لحرص النبي صلى الله عليه وسلم على قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله وغير ذلك
    كثير .
    · الأشاعرة مضطربون في قضية التكفير (*) فتارة يقولون لا نكفر أحداً، وتارة
    يقولون لا نكفر إلا من كفرنا، وتارة يقولون بأمور توجب التفسيق و التبديع أو بأمور لا
    توجب التفسيق والتبديع، فمثلاً يكفرون من يثبت علو الله الذاتي أو من يأخذ بظواهر
    النصوص حيث يقولون: إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر .
    أما أهل السنة والجماعة (*) فيرون أن التكفير حق لله تعالى لا يطلق إلا على من
    يستحقه شرعاً،ولا تردد في إطلاقه على من ثبت كفره بإثبات شروط وانتفاء موانع 0
    · قولهم بأن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة ولكنه كلام الله النفسي وأن الكتب بما
    فيها القرآن مخلوقة . يقول صاحب الجوهرة: " يمتنع أن يقال إن القرآن مخلوق
    إلا في مقام التعليم " وذلك في محاولة لم يحالفها النجاح للتوفيق بين أهل السنة
    والجماعة (*) والمعتزلة .أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو: أن القرآن كلام
    الله غير مخلوق وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه جبريل و سمعه
    موسى ـ عليه السلام ـ ويسمعه الخلائق يوم القيامة . يقول تعالى: (وإن أحدٌ من
    المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله).
    · والإيمان والطاعة بتوفيق الله، والكفر (*) والمعصية بخذلانه ، والتوفيق عند
    الأشعري، خلق القدرة على الطاعة، والخذلان عنده: خلق القدرة على المعصية، وعند
    بعض أصحاب الأشعري، تيسير أسباب الخير هو التوفيق وضده الخذلان .
    · كل موجود يصح أن يرى، والله موجود يصح أن يُرى، وقد ورد في القرآن أن
    المؤمنين يرونه في الآخرة، قال تعالى: (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة)
    [القيامة:22]. ولكن يرى الأشاعرة أنه لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة
    ومكان وصورة ومقابلة واتصال شعاع فإن كل ذلك مستحيل ! وفي ذلك نفي لعلو الله
    تعالى والجهة بل ونفي للرؤية نفسها . ويقترب الرازي كثيراً من قول المعتزلة في
    تفسيره للرؤية بأنها مزيد من الانكشاف العلمي .
    · حصر الأشاعرة دلائل النبوة (*) بالمعجزات (*) التي هي الخوارق،
    موافقة للمعتزلة وإن اختلفوا معهم في كيفية دلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم
    بينما يرى جمهور أهل السنة أن دلائل ثبوت النبوة (*) للأنبياء كثيرة ومنها
    المعجزات .
    · صاحب الكبيرة (*) إذا خرج من الدنيا بغير توبة حكمه إلى الله تعالى، إما أن
    يغفر له برحمته، وإما أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، موافقة لمذهب (*)
    أهل السنة والجماعة (*) .
    · يعتقد الأشاعرة أن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من
    صفاته، وأن الله تعالى أجرى العادة بخلق مقدورها مقارناً لها، فيكون الفعل خلقاً من الله
    وكسباً من العبد لوقوعه مقارناً لقدرته . ولقد عدَّ المحققون " الكسب " هذا من
    محالات الكلام وضربوا له المثل في الخفاء والغموض، فقالوا: " أخفى من كسب
    الأشعري "، وقد خرج إمام الحرمين وهو من تلاميذ الأشعري عن هذا الرأي، وقال بقول
    أهل السنة والجماعة بل والأشعري نفسه في كتاب الإبانة رجع عن هذا الرأي .
    · قالوا بنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله مطلقاً، ولكنهم قالوا إن الله يجعل لكل نبي
    معجزة لأجل إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم فتناقضوا في ذلك بين ما يسمونه نفي
    الحكمة والغرض وبين إثبات الله للرسول(*) المعجزة تفريقاً بينه وبين المتنبئ .
    · وافق الأشاعرة أهل السنة والجماعة في الإيمان بأحوال البرزخ، وأمور الآخرة من:
    الحشر والنشر، والميزان، والصراط، والشفاعة والجنة والنار، لأنها من الأمور الممكنة
    التي أقر بها الصادق صلى الله عليه وسلم، وأيدتها نصوص الكتاب والسنة، وبذلك جعلوها
    من النصوص السمعية .
    · كما وافقوهم في القول في الصحابة على ترتيب خلافتهم، وأن ما وقع بينهم كان خطأ
    وعن اجتهاد منهم، ولذا يجب الكف عن الطعن فيهم، لأن الطعن فيهم إما كفر، أو بدعة، أو
    فسق، كما يرون الخلافة في قريش، وتجوز الصلاة خلف كل برٍ وفاجر، ولا يجوز
    الخروج على أئمة الجور . بالإضافة إلى موافقة أهل السنة في أمور العبادات
    والمعاملات .
    · فضلاً عن تصدي الأشعري للمعتزلة ومحاجتهم بنفس أسلوبهم الكلامي ليقطع
    شبهاتهم ويرد حجتهم عليهم، تصدى أيضاً للرد على الفلاسفة والقرامطة والباطنية
    (*)، والروافض (*) وغيرهم من أهل الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة .
    · والأشعري في كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي هو آخر ما ألَّف من الكتب على
    أصح الأقوال (1)، رجع عن كثير من آرائه الكلامية إلى طريق السلف في الإثبات
    وعدم التأويل .. يقول رحمه الله:" وقولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها
    التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا عليه السلام، وما روي عن الصحابة والتابعين
    وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن
    حنبل ـ نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته ـ قائلون، ولما خالف قوله مخالفون،
    لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ورفع به ضلال الشاكِّين،
    فرحمة الله عليه من إمام مقدَّم وجليل معظَّم وكبير مفخَّم ".
    · إن مدرسة الأشعرية الفكرية لا تزال مهيمنة على الحياة الدينية في العالم الإسلامي،
    ولكنها كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: " فقدت حيويتها ونشاطها الفكري،
    وضعف إنتاجها في الزمن الأخير ضعفاً شديداً وبدت فيها آثار الهرم والإعياء ". لماذا
    ؟
    ـ لأن التقليد طغى على تلاميذ هذه المدرسة وأصبح علم الكلام (*) لديهم علماً متناقلاً
    بدون تجديد في الأسلوب .
    ـ لإدخال مصطلحات الفلسفة (*) وأسلوبها في الاستدلال في علم الكلام .. فكان
    لهذا أثر سيئ في الفكر الإسلامي، لأن هذا الأسلوب لا يفيد العلم القطعي .. ولهذا لم
    يتمثل الأشاعرة بعد ذلك مذهب أهل السنة والجماعة (*) ومسلك السلف، تمثُّلاً
    صحيحاً، لتأثرهم بالفلاسفة وإن هم أنكروا ذلك .. حتى الغزالي نفسه الذي حارب
    الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة يقول عنه تلميذه القاضي ابن العربي: " شيخنا أبو
    حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر".
    ـ تصدي شيخ الإسلام ابن تيمية لجميع المذاهب الإسلامية التي انحرفت عن الكتاب
    والسنة ـ ومنهم الأشاعرة وبخاصة المتأخرة منهم ـ في كتابه القيم: درء تعارض العقل
    والنقل وفنَّد آراءهم الكلامية، وبيَّن أخطاءهم وأكَّد أن أسلوب القرآن والسنة هو الأسلوب
    اليقيني للوصول إلى حقيقة التوحيد والصفات وغير ذلك من أمور العقيدة .


    الجذور الفكرية والعقائدية:
    · كما رأينا في آراء أبي الحسن الأشعري في مرحلته الثانية أن العقيدة الإسلامية، كما
    هي في الكتاب والسنة وعلى منهج(*) ابن كلاب هي الأساس في آرائه الكلامية وفي
    ما يتفق مع أحكام العقل(*) .

    · تأثر أئمة المذهب بعد أبي الحسن الأشعري ببعض أفكار ومعتقدات:
    الجهمية(*) من الإرجاء(*) والتعطيل(*)، وكذلك بالمعتزلة والفلاسفة في
    نفي بعض الصفات وتحريف(*) نصوصها، ونفي العلو والصفات الخبرية كما تأثرو
    بالجبرية في مسألة القدر(*).

    · لا ينفي ذلك تأثرهم بعقيدة أهل السنة والجماعة (*) فيما وافقوهم فيها .


    الانتشار ومواقع النفوذ:
    انتشر المذهب (*) الأشعري في عهد وزارة نظام الملك الذي كان أشعريِّ العقيدة،
    وصاحب الكلمة النافذة في الإمبراطورية السلجوقية، ولذلك أصبحت العقيدة الأشعرية
    عقيدة شبه رسمية تتمتع بحماية الدولة .
    وزاد في انتشارها وقوتها مدرسة بغداد النظامية، ومدرسة نيسابور النظامية، وكان يقوم
    عليهما رواد المذهب الأشعري، وكانت المدرسة النظامية في بغداد أكبر جامعة إسلامية
    في العالم الإسلامي وقتها، كما تبنى المذهب وعمل على نشره المهدي بن تومرت مهدي
    الموحدين، ونور الدين محمود زنكي، والسلطان صلاح الدين الأيوبي، بالإضافة إلى
    اعتماد جمهرة من العلماء عليه، وبخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخرين . ولذلك
    انتشر المذهب في العالم الإسلامي كله، لا زال المذهب الأشعري سائداً في أكثر البلاد
    الإسلامية وله جامعاته ومعاهده المتعددة .

  4. 09-Aug-2008 10:20 AM

    رد: موسوعة الثقافة الإسلامية

    يعطيك العافية أخي ابن الفائق
    مجهود طيب و رائع
    منور القسم

  5. 09-Aug-2008 06:38 PM

    رد: موسوعة الثقافة الإسلامية

    [align=center] المعتزلة [/align]






    المعتزلة فرقة إسلامية نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي، وقد اعتمدت على العقل المجرد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد أطلق عليها أسماء مختلفة منها: المعتزلة والقدرية (*) والعدلية وأهل العدل والتوحيد والمقتصدة والوعيدية.



    التأسيس وأبرز الشخصيات:
    · اختلفت رؤية العلماء في ظهور الاعتزال، واتجهت هذه الرؤية وجهتين:
    ـ الوجهة الأولى: أن الاعتزال حصل نتيجة النقاش في مسائل عقدية دينية كالحكم على مرتكب الكبيرة (*)، والحديث في القدر، بمعنى هل يقدر العبد على فعله أو لا يقدر، ومن رأي أصحاب هذا الاتجاه أن اسم المعتزلة أطلق عليهم لعدة أسباب:
    1 ـ أنهم اعتزلوا المسلمين بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين
    2 ـ أنهم عرفوا بالمعتزلة بعد أن اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري وشكل حقلة خاصة به لقوله بالمنزلة بين المنزلتين فقال الحسن: "اعتزلنا واصل".
    3 ـ أو أنهم قالوا بوجوب اعتزال مرتكب الكبيرة ومقاطعته .

    ـ والوجهة الثانية: أن الاعتزال نشأ بسبب سياسي حيث أن المعتزلة من شيعة علي رضي الله عنه اعتزلوا الحسن عندما تنازل لمعاوية، أو أنهم وقفوا موقف الحياد بين شيعة علي ومعاوية فاعتزلوا الفريقين.
    · أما القاضي عبد الجبار الهمذاني ـ مؤرخ المعتزلة ـ فيزعم أن الاعتزال ليس مذهباً جديداً أو فرقة طارئة أو طائفة أو أمراً مستحدثاً، وإنما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر لقوله تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من اعتزل الشر سقط في الخير).

    · والواقع أن نشأة الاعتزال كان ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية وقد نتج ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية والعقائد اليهودية والنصرانية لما سنرى في فقرة (الجذور الفكرية والعقائدية) .

    · قبل بروز المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء، كان هناك جدل (*) ديني فكري بدأ بمقولات جدلية كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي وهذه المقولات نوجزها مع أصحابها بما يلي:
    ـ مقولة أن الإنسان حر مختار بشكل مطلق، وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه قالها: معبد الجهني، الذي خرج على عبد الملك بن مروان مع عبد الرحمن بن الأشعث .. وقد قتله الحجاج عام 80هـ بعد فشل الحركة .
    ـ وكذلك قالها غيلان الدمشقي في عهد عمر بن عبد العزيز وقتله هشام بن عبد الملك .
    ـ ومقولة خلق القرآن ونفي الصفات، قالها الجهم بن صفوان، وقد قتله سلم بن أحوز في مرو عام 128هـ .
    ـ وممن قال بنفي الصفات أيضاً: الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري والي الكوفة .
    · ثم برزت المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الغزال (80هـ ـ 131هـ) الذي كان تلميذاً للحسن البصري، ثم اعتزل حلقة الحسن بعد قوله بأن مرتكب الكبيرة (*) في منزلة بين المنزلتين (أي ليس مؤمناً ولا كافراً) وأنه مخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت، وقد عاش في أيام عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، والفرقة المعتزلية التي تنسب إليه تسمى: الواصيلة.
    · ولاعتماد المعتزلة على العقل في فهم العقائد وتقصيهم لمسائل جزئية فقد انقسموا إلى طوائف مع اتفاقهم على المبادئ الرئيسة الخمسة ـ التي سنذكرها لاحقاً ـ وكل طائفة من هذه الطوائف جاءت ببدع جديدة تميزها عن الطائفة الأخرى .. وسمت نفسها باسم صاحبها الذي أخذت عنه .

    · وفي العهد العباسي برز المعتزلة في عهد المأمون حيث اعتنق الاعتزال عن طريق بشر المريسي وثمامة بن أشرس وأحمد بن أبي دؤاد وهو أحد رؤوس بدعة الاعتزال في عصره ورأس فتنة خلق القرآن، وكان قاضياً للقضاة في عهد المعتصم.
    ـ في فتنة خلق القرآن امتحن الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض الرضوخ لأوامر المأمون والإقرار بهذه البدعة، فسجن وعذب وضرب بالسياط في عهد المعتصم بعد وفاة المأمون وبقي في السجن لمدة عامين ونصف ثم أعيد إلى منزله وبقي فيه طيلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق .
    ـ لما تولى المتوكل الخلافة عام 232هـ انتصر لأهل السنة (*) وأكرم الإمام أحمد وأنهى عهد سيطرة المعتزلة على الحكم ومحاولة فرض عقائدهم بالقوة خلال أربعة عشر عاماً .
    · في عهد دولة بني بويه عام 334 هـ في بلاد فارس ـ وكانت دولة شيعية ـ توطدت العلاقة بين الشيعة (*) والمعتزلة وارتفع شأن الاعتزال أكثر في ظل هذه الدولة فعين القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة في عصره قاضياً لقضاء الري عام 360هـ بأمر من الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة البويهي ، وهو من الروافض (*) المعتزلة، يقول فيه الذهبي: " وكان شيعيًّا معتزليًّا مبتدعاً " ويقول المقريزي: " إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر " . وممن برز في هذا العهد: الشريف المرتضى الذي قال عنه الذهبي: " وكان من الأذكياء والأولياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر لكنه إمامي جلد ".
    · بعد ذلك كاد أن ينتهي الاعتزال كفكر مستقل إلا ما تبنته منه بعض الفرق كالشيعة وغيرهم .
    · عاد فكر الاعتزال من جديد في الوقت الحاضر، على يد بعض الكتاب والمفكرين، الذين يمثلون المدرسة العقلانية الجديدة وهذا ما سنبسطه عند الحديث عن فكر الاعتزال الحديث .
    · ومن أبرز مفكري المعتزلة منذ تأسيسها على يد واصل بن عطاء وحتى اندثارها وتحللها في المذاهب الأخرى كالشيعة والأشعرية والماتريدية ما يلي:

    ـ أبو الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف (135 ـ226 هـ) مولى عبد القيس وشيخ المعتزلة والمناظر عنها. أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء، طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، فقد تأثر بأرسطو وأنبادقليس من فلاسفة اليونان، وقال بأن " الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وقادر بقدرة وقدرته ذاته … " انظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص 76 . وتسمى طائفة الهذيلية .

    ـ إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام (توفي سنة 231هـ) وكان في الأصل على دين البراهمة (*) وقد تأثر أيضاً بالفلسفة اليونانية مثل بقية المعتزلة .. وقال:بأن المتولدات من أفعال الله تعالى، وتسمى طائفته النظامية .

    ـ بشر بن المعتمر (توفي سنة 226 هـ) وهو من علماء المعتزلة، وهو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه فقال: إن كل المتولدات من فعل الإنسان فهو يصح أن يفعل الألوان والطعوم والرؤية والروائح وتسمى طائفته البشرية.

    ـ معمر بن عباد السلمي (توفي سنة 220 هـ) وهو من أعظم القدرية (*) فرية في تدقيق القول بنفي الصفات ونفي القدر (*) خيره وشره من الله وتسمى طائفته: المعمرية .

    ـ عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار (توفي سنة 226هـ) وكان يقال له: راهب المعتزلة، وقد عرف عنه التوسع في التكفير (*) حتى كفر الأمة بأسرها بما فيها المعتزلة، وتسمى طائفته المردارية .

    ـ ثمامة بن أشرس النميري (توفي سنة 213هـ)، كان جامعاً بين قلة الدين وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة . وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين . وكان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق وقيل إنه الذي أغرى المأمون ودعاه إلى الاعتزال، وتسمى طائفته الثمامية .

    ـ عمرو بن بحر: أبو عثمان الجاحظ (توفي سنة 256هـ) وهو من كبار كتاب المعتزلة، ومن المطلعين على كتب الفلاسفة، ونظراً لبلاغته في الكتابة الأدبية استطاع أن يدس أفكاره المعتزلية في كتاباته كما يدس السم في الدسم مثل، البيان والتبيين، وتسمى فرقته الجاحظية .

    ـ أبو الحسين بن أبي عمر الخياط (توفي سنة 300هـ) من معتزلة بغداد و بدعته التي تفرد بها قوله بأن المعدوم جسم، والشيء المعدوم قبل وجوده جسم، وهو تصريح بقدم العالم، وهو بهذا يخالف جميع المعتزلة وتسمى فرقته الخياطية .

    ـ القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني (توفي سنة 414هـ) فهو من متأخري المعتزلة، قاضي قضاة الري وأعمالها، وأعظم شيوخ المعتزلة في عصره، وقد أرخ للمعتزلة وقنن مبادئهم وأصولهم الفكرية والعقدية.





    المبادئ والأفكار:

    · جاءت المعتزلة في بدايتها بفكرتين مبتدعتين:
    ـ الأولى:
    القول بأن الإنسان مختار بشكل مطلق في كل ما يفعل، فهو يخلق أفعاله بنفسه، ولذلك كان التكليف، ومن أبرز من قال ذلك غيلان الدمشقي، الذي أخذ يدعو إلى مقولته هذه في عهد عمر بن عبد العزيز . حتى عهد هشام بن عبد الملك، فكانت نهايته أن قتله هشام بسبب ذلك .

    ـ الثانية:
    القول بأن مرتكب الكبيرة (*) ليس مؤمناً ولا كافراً ولكنه فاسق فهو بمنزلة بين المنزلتين، هذه حاله في الدنيا أما في الآخرة فهو لا يدخل الجنة لأنه لم يعمل بعمل أهل الجنة بل هو خالد مخلد في النار، ولا مانع عندهم من تسميته مسلماً باعتباره يظهر الإسلام وينطق بالشهادتين ولكنه لا يسمى مؤمناً.
    · ثم حرر المعتزلة مذهبهم في خمسة أصول:
    1 ـ التوحيد .
    2 ـ العدل .
    3 ـ الوعد والوعيد .
    4 ـ المنزلة بين المنزلتين .
    5 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


    1 ـ التوحيد:
    وخلاصته برأيهم، هو أن الله تعالى منزه عن الشبيه والمماثل (ليس كمثله شيء) ولا ينازعه أحد في سلطانه ولا يجري عليه شيء مما يجري على الناس. وهذا حق ولكنهم بنوا عليه نتائج باطلة منها: استحالة رؤية الله تعالى لاقتضاء ذلك نفي الصفات، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات، وإلا تعدد القدماء في نظرهم، لذلك يعدون من نفاة الصفات وبنوا على ذلك أيضاَ أن القرآن مخلوق لله سبحانه وتعالى لنفيهم عنه سبحانه صفة الكلام.

    2 ـ العدل:
    ومعناه برأيهم أن الله لا يخلق أفعال العباد، ولا يحب الفساد، بل إن العباد يفعلون ما أمروا به وينتهون عما نهوا عنه بالقدرة التي جعلها الله لهم وركبها فيهم وأنه لم يأمر إلا بما أراد ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه . وذلك لخلطهم بين إرادة الله تعالى الكونية (*) وإرادته الشرعية (*) .

    3 ـ الوعد والوعيد:
    ويعني أن يجازي الله المحسن إحساناً ويجازي المسيء سوءاً، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة (*) إلا أن يتوب .


    4 ـ المنزلة بين المنزلتين:
    وتعني أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين الإيمان والكفر فليس بمؤمن ولا كافر . وقد قرر هذا واصل بن عطاء شيخ المعتزلة .

    5 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
    فقد قرروا وجوب ذلك على المؤمنين نشراً لدعوة الإسلام وهداية للضالين وإرشاداً للغاوين كل بما يستطيع: فذو البيان ببيانه، والعالم بعلمه، وذو السيف بسيفه وهكذا . ومن حقيقة هذا الأصل أنهم يقولون بوجوب الخروج على الحاكم إذا خالف وانحرف عن الحق .




    · ومن مبادئ المعتزلة الاعتماد على العقل (*) كليًّا في الاستدلال لعقائدهم وكان من آثار اعتمادهم على العقل في معرفة حقائق الأشياء وإدراك العقائد، أنهم كانوا يحكمون بحسن الأشياء وقبحها عقلاً فقالوا كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني: " المعارف كلها معقولة بالفعل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع أي قبل إرسال الرسل، والحسن والقبيح (*) صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح " .
    ـ ولاعتمادهم على العقل أيضاً أوَّلوا الصفات بما يلائم عقولهم الكلية، كصفات الاستواء واليد والعين وكذلك صفات المحبة والرضى والغضب والسخط ومن المعلوم أن المعتزلة تنفي كل الصفات لا أكثرها .
    ـ ولاعتمادهم على العقل أيضاً، طعن كبراؤهم في أكابر الصحابة وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب، فقد زعم واصل بن عطاء: أن إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة، إما طائفة علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والحسن والحسين وأبي أيوب الأنصاري أو طائفة عائشة والزبير، وردوا شهادة هؤلاء الصحابة فقالوا: لا تقبل شهادتهم .
    ـ وسبب اختلاف المعتزلة فيما بينهم وتعدد طوائفهم هو اعتمادهم على العقل فقط ـ كما نوهنا ـ وإعراضهم عن النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، ورفضهم الإتباع بدون بحث واستقصاء وقاعدتهم التي يستندون إليها في ذلك:
    " كل مكلف مطالب بما يؤديه إليه اجتهاده في أصول الدين "، فيكفي وفق مذهبهم أن يختلف التلميذ مع شيخه في مسألة ليكون هذا التلميذ صاحب فرقة قائمة، وما هذه الفرق التي عددناها آنفاً إلا نتيجة اختلاف تلاميذ مع شيوخهم، فأبو الهذيل العلاف له فرقة، خالفه تلميذه النظام فكانت له فرقة، فخالفه تلميذه الجاحظ فكانت له فرقة، والجبائي له فرقة، فخالفه ابنه أبو هاشم عبد السلام فكانت له فرقة أيضاَ وهكذا .
    ـ وهكذا نجد أن المعتزلة قد حولوا الدين إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية، وذلك لتأثرهم بالفلسفة (*) اليونانية عامة وبالمنطق (*) الصوري الأوسطي خاصة .
    · وقد فند علماء الإسلام آراء المعتزلة في عصرهم، فمنهم أبو الحسن الأشعري الذي كان منهم، ثم خرج من فرقتهم ورد عليهم متبعاً أسلوبهم في الجدال (*) والحوار .. ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل الذي اكتوى بنار فتنتهم المتعلقة بخلق القرآن ووقف في وجه هذه الفتنة بحزم وشجاعة نادرتين .
    ـ ومن الردود قوية الحجة، بارعة الأسلوب، رد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عليهم في كتابه القيم: درء تعارض العقل والنقل فقد تتبع آراءهم وأفكارهم واحدة واحدة ورد عليها ردًّا مفحماً .. وبين أن صريح العقل لا يكمن أن يكون مخالفاً لصحيح النقل .
    · وقد ذُكر في هذا الحديث أكثر من مرة أن المعتزلة اعتمدوا على العقل (*) في تعاملهم مع نصوص الموحي (*)، وقد يتوهم أحد أن الإسلام ضد العقل ويسعى للحجر عليه . ولكن هذا يرده دعوة الإسلام إلى التفكر في خلق السموات والأرض والتركيز على استعمال العقل في اكتشاف الخير والشر وغير ذلك مما هو معروف ومشهور مما دعا العقاد إلى أن يؤلف كتاباً بعنوان: التفكر فريضة إسلامية، ولهذا فإن من انحرافات المعتزلة هو استعمالهم العقل في غير مجاله: في أمور غيبية مما تقع خارج الحس ولا يمكن محاكمتها محاكمة عقلية صحيحة، كما أنهم بنوا عدداً من القضايا على مقدمات معينة فكانت النتائج ليست صحيحة على إطلاقها وهو أمر لا يسلّم به دائماً حتى لو اتبعت نفس الأساليب التي استعملوها في الاستنباط والنظر العقلي: مثل نفيهم الصفات عن الله اعتماداً على قوله تعالى: (ليس كمثله شيء). وكان الصحيح أن لا تنفى عنه الصفات التي أثبتها لنفسه سبحانه وتعالى ولكن تفهم الآية على أن صفاته سبحانه وتعالى لا تماثل صفات المخلوقين.


    وقد حدد العلماء مجال استعمال العقل بعدد من الضوابط منها:
    ـ أن لا يتعارض مع النصوص الصحيحة .
    ـ أن لا يكون استعمال العقل في القضايا الغيبية التي يعتبر الوحي هو المصدر الصحيح والوحيد لمعرفتها.
    ـ أن يقدم النقل على العقل في الأمور التي لم تتضح حكمتها " وهو ما يعرف بالأمور التوقيفية".
    ولا شك أن احترام الإسلام للعقل وتشجيعه للنظر والفكر لا يقدمه على النصوص الشرعية الصحيحة . خاصة أن العقول متغيرة وتختلف وتتأثر بمؤثرات كثيرة تجعلها لا تصلح لأن تكون الحكم المطلق في كل الأمور . ومن المعروف أن مصدر المعرفة في الفكر الإسلامي يتكون من:

    1 ـ الحواس وما يقع في مجالها من الأمور الملموسة من الموجودات .
    2 ـ العقل (*) وما يستطيع أن يصل إليه من خلال ما تسعفه به الحواس والمعلومات التي يمكن مشاهدتها واختبارها وما يلحق ذلك من عمليات عقلية تعتمد في جملتها على ثقافة الفرد ومجتمعه وغير ذلك من المؤثرات .
    3 ـ الوحي (*) من كتاب وسنة حيث هو المصدر الوحيد والصحيح للأمور الغيبية، وما لا تستطيع أن تدركه الحواس، وما أعده الله في الدار الآخرة، وما أرسل من الرسل إلخ …
    وهكذا يظهر أنه لا بد من تكامل العقل والنقل في التعامل مع النصوص الشرعية كل فيما يخصه وبالشروط التي حددها العلماء.




    الجذور الفكرية والعقائدية:

    · هناك رواية ترجع الفكر المعتزلي في نفي الصفات إلى أصول يهودية فلسفية فالجعد بن درهم أخذ فكره عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي.
    وقيل: إن مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السمنية ـ وهي فرقة هندية تؤمن بالتناسخ (*) ـ قد أدت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه لنفي الصفات .
    · إن فكر يوحنا الدمشقي وأقواله تعد مورداً من موارد الفكر الاعتزالي، إذ أنه كان يقول بالأصلح ونفي الصفات الأزلية حرية الإرادة الإنسانية .
    ـ ونفي القدر عند المعتزلة الذي ظهر على يد الجهني وغيلان الدمشقي، قيل إنهما أخذاه عن نصراني يدعى أبو يونس سنسويه وقد أخذ عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء فكرة نفي القدر عن معبد الجهني .
    ـ تأثر المعتزلة بفلاسفة (*) اليونان في موضوع الذات والصفات، فمن ذلك قول أنبادقليس الفيلسوف اليوناني: "إن الباري تعالى لم يزل هويته فقط وهو العلم المحض وهو الإرادة المحضة وهو الجود والعزة، والقدرة والعدل والخير والحق، لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء بل هي هو، وهو هذه كلها" انظر الملل والنحل ج 2/ ص58.
    وكذلك قول أرسطوطاليس في بعض كتبه "إن الباري علم كله، قدره كله، حياة كله، بصر كله".
    فأخذ العلاف وهو من شيوخ المعتزله هذه الأفكار وقال: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته، حي بحياة وحياته ذاته.
    ـ وأخذ النظام من ملاحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا يتجرأ، ثم بنى عليه قوله بالطفرة، أي أن الجسم يمكن أن يكون في مكان (أ) ثم يصبح في مكان (ج) دون أن يمر في (ب) .
    وهذا من عجائبه حتى قيل: إن من عجائب الدنيا: " طفرة النظام وكسب الأشعري " .
    ـ وإن أحمد بن خابط والفضل الحدثي وهما من أصحاب النظام قد طالعا كتب الفلاسفة ومزجا الفكر الفلسفي مع الفكر النصراني مع الفكر الهندي وقالا بما يلي:
    1 ـ إن المسيح (*) هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة.
    2 ـ إن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو الكلمة القديمة المتجسدة.
    3 ـ القول بالتناسخ (*).
    4 ـ حملا كل ما ورد في الخبر عن رؤية الله تعالى على رؤية العقل الأول هو أول مبتدع وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات .
    · يؤكد العلماء تأثير الفلسفة (*) اليونانية على فكر المعتزلة بما قام به الجاحظ وهو من مصنفي المعتزلة ومفكريهم فقد طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وتمذهب بمذهبهم ـ حتى إنه خلط وروج كثيراً من مقالاتهم بعبارته البليغة .
    ـ ومنهم من يرجع فكر المعتزلة إلى الجذور الفكرية والعقدية في العراق ـ حيث نشأ المعتزلة ـ الذي يسكنه عدة فرق تنتهي إلى طوائف مختلفة، فبعضهم ينتهي إلى الكلدان وبعضهم إلى الفرس وبعضهم نصارى وبعضهم يهود وبعضهم مجوس (*). وقد دخل هؤلاء في الإسلام وبعضهم قد فهمه على ضوء معلوماته القديمة وخلفيته الثقافية والدينية.




    الفكر الاعتزالي الحديث:
    · يحاول بعض الكتاب والمفكرين في الوقت الحاضر إحياء فكر المعتزلة من جديد بعد أن عفى عليه الزمن أو كاد .. فألبسوه ثوباً جديداً، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل … العقلانية أو التنوير أو التجديد (*) أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي ..
    ـ وقد قوّى هذه النزعة التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادي، وحاولوا تفسير النصوص الشرعية وفق العقل (*) الإنساني .. فلجأوا إلى التأويل (*) كما لجأت المعتزلة من قبل ثم أخذوا يتلمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصورهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات (*) المادية .. وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل .. إلا من هذا القبيل .
    · وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري القاصر .
    · وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي .. محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسنة .. مثل عقوبة المرتد، وفرضية الجهاد (*)، والحدود، وغير ذلك .. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات، والطلاق والإرث .. إلخ .. وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في ذلك كله .. وتحكيم العقل في هذه المواضيع . ومن الواضح أن هذا العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي حول هذه القضايا في الوقت الحاضر .
    · ومن دعاة الفكر الاعتزالي الحديث سعد زغلول الذي نادى بنزع الحجاب عن المرأة المصرية وقاسم أمين مؤلف كتاب تحرير المرأة و المرأة الجديدة، ولطفي السيد الذي أطلقوا عليه: " أستاذ الجيل " وطه حسين الذي أسموه "عميد الأدب العربي " وهؤلاء كلهم أفضوا إلى ما قدموا . هذا في البلاد العربية .
    أما في القارة الهندية فظهر السير أحمد خان، الذي منح لقب سير من قبل الاستعمار (*) البريطاني . وهو يرى أن القرآن الكريم لا السنة النبوية هو أساس التشريع وأحلّ الربا البسيط في المعاملات التجارية . ورفض عقوبة الرجم والحرابة، ونفى شرعية الجهاد لنشر الدين (*)، وهذا الأخير قال به لإرضاء الإنجليز لأنهم عانوا كثيراً من جهاد المسلمين الهنود لهم .
    ـ وجاء تلميذه سيد أمير علي الذي أحلّ زواج المسلمة بالكتابي وأحل الاختلاط بين الرجل والمرأة .
    ـ ومن هؤلاء أيضاً مفكرون علمانيون، لم يعرف عنهم الالتزام بالإسلام .. مثل زكي نجيب محمود صاحب (الوضعية المنطقية) وهي من الفلسفة (*) الوضعية الحديثة التي تنكر كل أمر غيبي .. فهو يزعم أن الاعتزال جزء من التراث ويجب أن نحييه، وعلى أبناء العصر أن يقفوا موقف المعتزلة من المشكلات القائمة (انظر كتاب تجديد الفكر العربي ص 123) .
    ـ ومن هؤلاء أحمد أمين صاحب المؤلفات التاريخية والأدبية مثل فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام، فهو يتباكى على موت المعتزلة في التاريخ القديم وكأن من مصلحة الإسلام بقاؤهم، ويقول في كتابه: ضحى الإسلام: " في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة " (ج3 ص207).
    ـ ومن المعاصرين الأحياء الذين يسيرون في ركب الدعوة الإسلامية من ينادي بالمنهج (*) العقلي الاعتزالي في تطوير العقيدة والشريعة مثل الدكتور محمد فتحي عثمان في كتابه الفكر الإسلامي والتطور .. والدكتور حسن الترابي في دعوته إلى تجديد أصول الفقه حيث يقول: " إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد (*) عقلي كبير، وللعقل (*) سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضاً " (انظر كتاب المعتزلة بين القديم والحديث ص 138) .
    ـ وهناك كتاب كثيرون معاصرون، ومفكرون إسلاميون يسيرون على المنهج نفسه ويدعون إلى أن يكون للعقل دور كبير في الاجتهاد (*) وتطويره، وتقييم الأحكام الشرعية، وحتى الحوادث التاريخية .. ومن هؤلاء فهمي هويدي ومحمد عمارة ـ صاحب النصيب الأكبر في إحياء تراث المعتزلة والدفاع عنه ـ وخالد محمد خالد و محمد سليم العوا، وغيرهم . ولا شك بأهمية الاجتهاد وتحكيم العقل في التعامل مع الشريعة الإسلامية (*) ولكن ينبغي أن يكون ذلك في إطار نصوصها الثابتة وبدوافع ذاتية وليس نتيجة ضغوط أجنبية وتأثيرات خارجية لا تقف عند حد، وإذا انجرف المسلمون في هذا الاتجاه ـ اتجاه ترويض الإسلام بمستجدات الحياة والتأثير الأجنبي بدلاً من ترويض كل ذلك لمنهج الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ فستصبح النتيجة أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من الشريعة إلا رسمها ويحصل للإسلام ما حصل للرسالات السابقة التي حرفت بسبب إتباع الأهواء والآراء حتى أصبحت لا تمت إلى أصولها بأي صلة .



  6. 11-Aug-2008 11:13 PM

    رد: موسوعة الثقافة الإسلامية

    مشكور عزيزي على الموضوع وعلى المجهودات ربنا يحفضك ويحميك

  7. 21-Aug-2008 10:03 PM

    رد: موسوعة الثقافة الإسلامية

    شكرا جزيلا الف الف شكر وتقدير


 
صفحة 1 من 5 12345 الأخيرةالأخيرة

المواضيع المتشابهه

  1. موسوعة الأناشيد الإسلامية المميزة (برجاء التثبيت)
    بواسطة العضوالخطير في المنتدى تحميل و استماع اناشيد و صوتيات و مرئيات اسلامية
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 18-Oct-2009, 05:33 PM
  2. الثقافة بين المكتوب والشفوي
    بواسطة ابن الفائق في المنتدى ثقافة و ادب و موروث ثقافي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 12-Aug-2008, 11:43 PM
  3. الفلسفة الإسلامية
    بواسطة ابن الفائق في المنتدى ثقافة و ادب و موروث ثقافي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 06-Aug-2008, 05:35 PM
  4. ملخص كتاب النظرة الفارغة .. حول نضوب الثقافة الأوروبية
    بواسطة صعب المنال في المنتدى ثقافة و ادب و موروث ثقافي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 30-May-2008, 10:45 PM
  5. معنى الثقافة
    بواسطة ابن الفائق في المنتدى ثقافة و ادب و موروث ثقافي
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 18-Jan-2008, 10:30 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •