صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة
النتائج 1 إلى 7 من 9

الموضوع: دموع على سفوح المجد...روايه اجتماعيه ..رومانسيه

بسم الله الرحمن الرحيم طبعاًهذه الروايه من اروع الروايات الاجتماعيه والرومانسيه وقد طرحت منها الفصل الاول والثاني والان اطرحها كاملة بين ايديكم من بدايتها الى نهايتها هذه القصة

  1. 28-Nov-2008 12:12 AM

    قلب دموع على سفوح المجد...روايه اجتماعيه ..رومانسيه

     

     

     

     

    بسم الله الرحمن الرحيم
    طبعاًهذه الروايه من اروع الروايات الاجتماعيه والرومانسيه
    وقد طرحت منها الفصل الاول والثاني
    والان اطرحها كاملة بين ايديكم
    من بدايتها الى نهايتها



    هذه القصة
    لوحة حزينة من صميم الحياة ، التقطت أحداثها من بحر النسيان ، فحملتها إلى شطآن الذاكرة ، فجففتها بمدادي وغلفتها بكلماتي ، بعد أن أعدتُ إليها بعض معالمها الضائعة ، وعمقتُ فيها بعض الخطوط والألوان ، ثم وضعتها في متحف الأيام ، عبرة بالغة لمن أراد الإعتبار .
    الدكتور عماد زكي
    ونشب في أعماقها صراع عنيف بين اليأس والرجاء ، وتراوحت بين التماسك والإنهيار ....
    فترددت طويلا ثم بدأت تستسلم للعجز والضعف ، فتناولت زجاجة السم التي أحضرتها خصيصا لهذا الغرض ، ووقفت على الحد الفاص بين الموت والحياة ، تقدم خطوة وتؤخر أخرى ... وازداد الصراع في أغوارها حدة وعنفا ، وأخذت مشاعرها المتباينة تتجاذب زجاجة السم من يدها ، فتشنجت أصابعها على الزجاجة القاتلة وجعلت تترنح على حافة الفناء ...





    الـفـصــل الأول

    (( يجب أن أطرق أبواب المجد بعزم وإصرار )).
    هكذا قال عصام في نفسه، وهو يعبر الشارع إلى الطرف الآخر، في طريقه إلى شركة ((التجهيزات العلمية)) لشراء مجهر ومجموعة من الأدوات المخبرية التي قرر أن يجعلها نواة لمختبر متواضع أزمع على إقامته في غرفة خاصة اختارها لهذا الغرض.
    وفي الطريق صادقته مكتبة فخمة تألقت واجهتها المضيئة بمجموعة من الكتب المنوعة وقد رتبت بذوق وإتقان، فوقف يتأمل عناوينها، ثم ما لبث أن دلف إلى داخلها . وراح يتجول في أرجائها ، وقد ملئت رفوفها بآلاف الكتب والمجلدات ، فأعجبته طائفة من الكتب العلمية التي شدته موضوعاتها الشيقة فحملها معه ، كما استهوته طبعة أنيقة (( لدائرة المعارف البريطانية )) فطلب من البائع أن يحضر له نسخة منها ثم دفع ثمن ما اشترى وحمل كتبه ومضى ...
    * * *
    كان عصام طموحا جدا ، وكان أهلا للطموح ...
    فقد وهبه الله ذكاءً متوقدا ، وفضولاً ملحاً ، يبحث عن المجهول ، ويسعى نحو كل جديد ، أضف إلى ذلك إرادة صلبة وهمة عالية ، وعزيمة تهزأ بالصعاب ...
    وكثيرا ما عبر أساتذة عصام –خلال تاريخة المدرسي الحافل- عن رأيهم فيه بقولهم ((إنه فلته من فلتات الزمان))حتى أن أستاذين من مدرسي مادة الرياضيات في المدرسة تراهنا ذات يوم على من يسأل عصاماً سؤالاً صعبا يعجز عن الإجابة عليه على أن يكون من ضمن المنهاج المقرر، فكان أن خسرا الرهان وازداد إعجابهما بذكاء عصام وتوفقه غير العادي، لدرجة أن أحدهما كان يستدعيه كلما صادفه طالب كسول من طلاب الشهادة الثانوية يتلكأ في حل التمارين الرياضية التي كان قد تعلم حلها في السنوات السابقة، فيحلها له عصام بسهولة تنم عن تمكنه وثقته بنفسه، فما يكون من ذلك الأستاذ إلا أن يأمر طلابه بالتصفيق ثناء عليه، ثم يتوجه إلى تلميذه المهمل بقوله : ((لعله يكفيك عقاباً أن يحل لك التمرين طالب يصغرك بثلاث سنوات دراسية... يعني مرحلة دراسية كاملة)) ثم يشكر الأستاذ عصاماُ على اجتهاده فيمضي مزهواً بنفسه، فخوراً بسمعته، تياها بما أنجز...
    بيد أن تفوق عصام لم يكن يتقصر على مادة ((الرياضيات)) فحسب، بل تعداها إلى كل المواد الدراسية الأخرى، لا سيما مادة ((علم الحياة)) التي كانت تجذبه فيجد فيها متعة كبيرة. وقد دفع اهتمامه الزائد بهذه المادة الأستاذ ((عدنان)) مدرس (علم الحياة) إلى أن يطلق عليه لقب ((الدكتور عصام)) مداعبا ومشجعاً، فجاء هذا اللقب بغتة وذهب مثلا، فما لبث أن لصق باسمه، فكان ينادى به في المدرسة والبيت.
    وعندما ظهرت نتائج الشهادة الثانوية، تحول لقب التشجيع والإطراء إلى لقب هو أقرب ما يكون من الحقيقة... فقد كان عصام الثالث على دفعة الشهادة الثانوية لذلك العام، مما أهَّلَه لدخول كلية الطب بجدارة.
    وفرحت أم عصام يومها فرحاً عظيماً، عندما زفَّ عصام إليها النبأ، فضمته إلى صدرها في حب وحنان وراحت تلثم وجهه، وهي تهتف من بين الدموع ((مبروك يا حبيبي ... أنا اليوم أسعد أم في الدنيا ... مبروك يا ولدي)). واختلطت في عينيها دموع الفرح الكبير بدموع الحزن القديم على زوجها الفقيد، الذي اختطفته يد المنية قبل أن تقر عيناه بدخوله ابنه كلية الطب كما كان يحلم ويشتاق، إذ توفي قبل سنوات إثر نوبة قلبية مفاجئة.
    وانتزعت الذكريات الحزينة الأم من فرحتها العارمة، لتنقلها إلى الوراء... فتمتد بها الذكرى إلى تلك الأمسية الجميلة، حيث كانت مع زوجها الراحل، تضمهما سهرة سمر في حديقة المنزل، بينما كان عصام – وله من العمر يومها ثلاث سنوات – يداعب قطته ((ياسمين)) التي كان يألفها وتألفه... إنها لا تزال تذكر كلمات زوجها الحبيب حينما قال لها ونظراته تعانق وجه ابنه الوسيم :
    ( - هذا الطفل يا هيفاء يملك ذكاءً عجيباً.. علينا أن نتعني به اعتناءً فائقا، حتى يشب رجلاً عظيماً، ويحمل العبئ عن كاهلنا في مستقبل الأيام.
    أجابته يومها وهي تمازحه:
    - أتمنى لو يصبح إبني مهندساً كبيراً، ليبني لنا ((فيلا)) جميلة تحف بها الحدائق والأشجار...
    فاستجاب الأب لدعابتها وقال بلهجة ضاحكة:
    - أنتن النساء دائماً هكذا لا يهمكنَّ إلا المظاهر والقشور، ولا تفكرن إلا بـ (( الفيلا )) الفخمة والثوب الجميل...
    ثم اعتدل في جلسته وتابع بنبرات حالمة:
    - أريده يا أم عصام أن يصبح طبيباً كبيراً... يساعد الناس ويداوي أمراضهم ويخفف آلامهم، والطبيب يا امرأة... يملك اليوم مكانة إجتماعية مرموقة، ويشير الناس إليه بالبنان، لا سيما إذا كان ناجحاً مشهوراً...
    ثم أردف وقد عادت إليه روح الدعابة من جديد:
    - ثم لا تنسي يا عزيزتي أن مهنة الطب تدر المال الكثير، وبذلك يحقق لك حلمك فيشتري لك ((الفيلا)) التي تتوقين إليها.
    لقد التقطت يومها عصاماً، فضمته إلى صدرها في حنان وقالت وهي تغرقه بالقبلا:
    - بل يشتريها لزوجته التي لا بد وأنها ستختطفه مني في يوم من الأيام... ).
    وانتبه عصام لشرود أمه، وطالع في وجهها ملامح الحزن والكآبة فأدرك ما تفكر به لأنه كان يعاني من الخواطر ذاتها، لذا فهو يشعر اليوم أن فرحته عرجاء، موشحة بالحزن، منداة بالدموع، لأنه لا يجد أباه بقربه، يشاركه بهجته، ويبارك فوزه الكبير...
    ورأى أن من واجبه أن ينتشل أمه من دوامة الذكريات فقال لها مواسياً:
    - أماه.. سوف تجدين مني كل ما يرضيك ويقر عينيك، وسوف أنسيك عما قريب كل أحزانك القديمةز
    ثم ضمها إليه ليخفي عنها الدموع التي ترقرقت في عينيه أسفاً على أبيه الذي مات عنه وهو ما زال طفلاً، فنشأ يتيماً محروما من حنان الأب وعطفه، وإن كانت أمه قد عوَّضته عنه الكثير.
    إنه يشعر أن أمه هي كل شئ في حياته.. إنها الواحة الخضراء التي يلجأ إليها من قيظ الأحزان ليجد عندها الراحة والسلوى والعطف والإهتمام.. إنها المعلم الملهم الذي يتلقى عنه مبادئ الحكمة ودروس الحياة...
    لقد لعبت أمه دوراً كبيراً في تكوين شخصيته، فقد ربته على الأخلاق الفاضلة، وغرست في نفسه حب العمل والصبر على التعب، وعوَّدته على احترام الوقت والنظام، ونأت به عن الدلال والميوعة والانحلال ، فنشأ فتى رشيداً... قوي النفس والإرادة... علي الهمة ... طاهر الوجدان... يسعى نحو رجولة مبكرة تبشر بالكثير. لقد كانت أمه دائما وراء تفوقه ونجاحه، تحفه بالدعوات الضارعة، والكلمات المشجعة التي كانت تدفعه قدماً إلى الأمام:
    (( - أماه أنت صاحبة الفضل الأول في نجاحي، وإليك سوف أهدي كل منجزاتي)).
    قالت الأم وهي تطبع على جبينه قبلة حانية:
    - بل هو تعبك واجتهادك يا ولدي ، وقد أثمر الآن...
    (( - أدامك الله يا أمي ذخراً لي، ووفقني لإرضائك... )).
    * * *
    ودخل عصام الجامعة... فاستهوته علوم الطب التي طالما عشقها، واستغرقت وقته وتفكيره وصارت شغله الشاغل ثم بدأت طموحاته تنمو وتتبلور مع الأيام... إنه لا يرضى أن يكون مجرد طالب في كلية الطب، بل لا بد أن يكون الطالب الأول فيها بلا منازع. ثم إنه لن يكتفي بشهادة (( البكالوريوس ))، بل لا بد له من متابعة دراسته العليا في إحدى الاختصاصات الطبية حتى يحوز على أعلى الشهادات والألقاب العلمية.
    لقد أزمع أن يسك طريق البحث العلمي حتى يصبح عالماً من علماء الطب البارعين الذين يتحدث العالم عن إنجازاتهم وأبحاثهم...
    (( - إن علماء الغرب ليسوا بأذكى منا، فلماذا نحجم عن الغوص في ميادين البحث والإختراع؟.. لا بد أن نقتحم أسوار المجد مهما كانت شاهقة، وأن نقطع الطريق إلى قمته السامقة مهما أدمت أقدمنا الأشواك... )).
    وكثيرا ما داعبت خيال عصام تسميات لنضريات أو مكتشفات علمية بأسماء عربية أو باسمه هو بالذات، يتداولها العالم بأسره ويدرسها طلاب الطب في الشرق والغرب ، ويعتمدها علماء الطب وباحثوه.
    وعندما كان عصام يعود من رحلة أحلامه إلى دنيا الواقع، يتذكر أنه ما زال على سفوح المجد الذي يحلم به، وأن قمته المنشودة ما زالت بعيدة، وأن الطريق إليه ما زال طويلا...
    (( - ما علينا ... إن الطريق مهما كان طويلا، فإنه يبدأ بخطوة.. ))
    وقد خطا عصام خطوته الأولى بدخوله كلية الطب، وعما قريب سيحقق الخطوة الثانية، بتخرج متفوق باهر، وبعد ذلك سوف يغذ السير إلى غده الواعد ليحقق المزيد من طموحاته فيمتلك العلم والشهرة والمال، وعندها سوف يسعد أمه الحبيبة وينسيها أيام العذاب والحرمان، ويزرع حياتها بالمسرات والأفراح. وفي كل مرة كان يستيقط فيها عصام من أحلامه كانت تنبثق في أعماقه طاقة هائلة من العزم، فينهمك في دراسته في شغف وانسجام وإلى جانبه دفتر صغير اعتاد أن يدون عليه ملاحظاته وتساؤلاته ليطرحها على أساتذته، ويناقشهم فيها. إنه لا يحب أن تمر على ذهنه فكرة دون أن يسبر أغوارها، لذلك فهو يقرأ دائما السطور ..

    وما وراء السطور..
    * * *





    الـفـصــل الثاني
    - (( كلمة أخيرة إذا سمحتم...
    السرطان – كما رأينا من خلال المحاضرة – مرض خطير جدا، يقلق الحياة البشرية ويهدد الكثير من أفرادها على اختلاف أعمارهم وأجناسهم، وعلينا أن نعترف جميعاً بأن الطب ما زال عاجزا أمام هذا المرض اللغز الذي يرهب الجميع)).
    بهذه الكلمات ختم الدكتور ((إياد عزت)) محاضرته، ولملم أوراقه معلنا بذلك انتهاءها..
    وسرت في المدرج ضجة خفيفة، أحدثها الطلبة وهم يغلقون دفاترهم ويجمعون أشياءهم استعداداً للخروج إلا أن صوتاً انبعث من الأمام، أعاد الجميع إلى هدوئهم وصمتهم، واشرأبت الأعناق للتعرف على صاحب الصوت : وهمس طالب يجلس في الخلف:
    - إنه ((عصام السعيد)) يسأل...
    فأجابه جاره ((صفوان)) وهو شاب اشتهر في الكلية بالعبث واللامبالاة:
    - إذا كان عصام هو السائل فعلى الاستراحة السلام.
    أعاد الدكتور إياد أوراقه على المنضدة، وقال وهو يذرع منصة الإلقاء بخطىً بطيئة:
    (( - زميلكم عصام يسأل عن صحة ما تردد حول اكتشاف معالجات حاسمة للسرطان بالأشعة في الوقت الذي أقول فيه بأن الطب ما زال عاجزاً أمام هذا المرض...
    في الحقيقة أيها الأبناء: إن العجز الذي أعنيه ليس بالعجز المطلق، فقد استطاع الطب في حالات قليلة القضاء على السرطان سواء بالمعالجات الشعاعية، أو بالإستئصال الجراحي، أو بالأدوية السامة القاتلة للخلايا السرطانية لكن العام الأهم في شفاء تلك الحالات كان الاكتشاف المبكر للسرطان، بيد أننا إذا أخذنا الحالات السرطانية التي تأخر اكتشافها – وهي الحالات الأكثر مشاهدة– نجد بأن السرطان، قد أنشب فيها مخالبة واندفع بين الخلايا السليمة فخربها، ونما وتطور بشكل سريع فأثر على الوضائف الطبيعية للأعضاء المجاورة، ومهما حاولنا إزالته بالجراحة أو الأشعة أو الدواء، فأنه يعود للإندفاع من جديد، وهذا ما نسميه ((بالسرطان الناكس)).
    إن علاج ككل مرض في الطب يعتمد – في المقام الأول- على إزالة السبب الذي أدى إليه. ولما كان السبب الرئيسي المباشر لمرض السرطان ما زال مجهولاً، فإن كل محاولة لعلاجه ستبقى مهددة بالفشل، قاصرة عن إحداث الشفاء المطلوب، لذلك فإنه لا مفر من الاعتراف بأن الطب ما زال عاجزاً عن القضاء على السرطان)).
    ثم قال الدكتور إياد وهو يتجه بحديثه إلى عصام:
    - هل هذا يكفي يا عصام؟..
    لم تشبع هذه الكلمات القليلة فضول عصام التواق للمعرفة، إلا أنه أشفق على زملائه أن يذهب حقهم في الراحة بسببه، فقال بلهجة مؤدبة:
    -دكتور... أنا لا أريد أن أطيل على زملائي فهذه الاستراحة من حقهم، فهل لكم أن توجهونا إلى أحدث المراجع الطبية التي توسعت في أبحاث السرطان؟
    أعجب الدكتور بلباقة عصام، وقال موجهاً كلامه للجميع:
    (( - أنا أشكر عصاماً على اهتمامه العلمي الملفت للنظر، ومراعاته لشعور زملائه وظروفهم، لذلك فإني أترك المجال مفتوحاً لمن أراد الخروج، وسوف أبقى مع من أراد البقاء، وسمحت ظروفه بذلك، من أجل الإجابة عن جميع الأسئلة)).
    ومضت فترة من الجلبة والضوضاء، أحدثها خروج عدد من الطلاب الذي ملوا من المحاضرة أو اظطروا للخروج، وآلمت عصاماً كلمات وصلت إلى سمعه وقد صدرت عن ((صفوان)) إذ كان يقول لإحداهن بسخرية واضحة:
    (( - لا أشبعه الله أسئلة ومناقشات.. في نهاية كل محاضرة يفتح لنا ملف أسئلته التي لا تنتهي..)).
    لكم ينزعج عصام من هذا الشاب المستهتر المغرور الذي يظن الجامعة نادياً للهو والمرح ومرتعا للميوعة والعبث.. إنه يكره فيه تلك الأنانية المفرطة التي تطغى على شخصيته وذلك الاستعلاء الفارغ الذي يطل من عينيه، وتحت مظهره ((الأرستقراطي)) الجذاب كان يملح عصام نفسية دنيئة لا يراها أولئك الذين أعمى بريق المال والثروة أبصارهم، فلم تقوً نظراتهم الكليلة على اختراق القشرة الخادعة إلى الداخل لتسبر الأعماق.
    وانتبه عصام من شروده على الدكتور إياد وهو يقول بعد أن هدأ المدرج:
    (( - قبل أن أوجهكم إلى الكتب الحديثة التي تتحدث عن السرطان أود أن أخبركم بأني سعيد جداً بهذه المناقشات العلمية التي يضطرنا إليها زميلكم عصام أحيانا، وأنا حقيقة متفائل جدا به وبأمثاله، وأتمنى من كل قلبي أن يكون شبابنا جميعاً بمثل هذا الاهتمام المشرف)).
    وندت عن عصام كلمة شكر سريعة، فرد عليها الدكتور ثم أردف قائلاً ويداه تستندان على المنضدة ونظراته تتنقل بين الوجوه:
    (( - الطب يا أعزائي ليس مجرد مهنة مرحبة ومركز اجتماعي رفيع... إنه قبل كل شئ رسالة إنسانسية حملناها من أجل سعادة الإنسان وحمايته من الأمراض والآلام...
    يجب أن ندرس العلم أيها الأبناء حباً بالعلم وخدمة للإنسان، لا من أجل المادة والشهرة. أنا مؤمن بأن مجتمعنا يملك نخبة فذَّة من النوابغ الذين يؤمنون بالعلم من أجل العلم والإنسان، لكن هذه النخبة تحتاج لمن يكتشفها... لمن يرعاها ويوجه خطاها... لمن يزرع في داخلها الثقة بالنفس، ويوقد في أعماقها جذوة الطموح...)).
    ثم بعد صمت قصير:
    (( خذوا مثلا قضية السرطان التي كنا بصددها، إننا جميعا نتلهف لأن يجد الطب لها حلاً، وننتظر جميعا – حتى نحن المختصين في هذا المجال – أن يقدم لنا الغرب علاجاً حاسماً لهذا المرض، لكن أحدنا لم يفكر يوماً أن يكون هو المكتشف لذلك العلاج المنشود، أو أن يكون أحد المساهمين في اكتشافه. لماذا؟.. لأننا لا نثق بأنفسنا الثقة الكافية، ولا نملك الطموح إلى ذلك!!)).
    وانتبه الدكتور إياد إلى عصام وقد رفع يده طالباً الإذن ليتكلم، فسمح له بإيماءة فقال:
    (( - دكتور... بالإضافة لما تفضلتم به من ضرورة توفر الثقة بالنفس والطموح، لا بد أن تتوفر لدينا الإمكانات المادية، فنحن كما تعلم ينقصنا المال و((التكنولوجيا)) المتطورة والضروف المعيشية والاجتماعية التي تسمح للباحث أن يتفرغ لأبحاثه دون أن تستهلكه مشاكله وهمومه الخاصة... )).
    علق الدكتور إياد مؤكداً كلامه:
    (( - هذا حق... فالمشكلة المادية و((التكنولوجية)) قائمة فعلاً، لكنها ليست مستحيلة الحل. فمعاهد الأبحاث الدولية المهتمة بأبحاث السرطان، تفتح أبوابها لكل باحث بغض النظر عن لونه أو عرقه أو انتمائه، لأن مشكلة السرطان مشكلة إنسانية وليست مشكلة إقليلمة.. إنها تهم البشرية جمعاء)).
    رفع ((سعد)) يده مستأذنا الاشتراك بالمناقشة، وهو طالب متفوق يُعرف في الكلية بحث النقاش الجاد والحوار الهادف، فأجابه الدكتور إياد إلى طلبه قائلا:
    - تفضل يا ((سعد)).. يسرني أن تشاركنا النقاش...
    قال سعاد بنرات قوية وهو يشير بيده إلى شئ ما:
    - على الحكومات في بلادنا أن تتبنى المواهب العلمية، وتدعمها بلا حدود بغض النظر عن اتجاهاتها ومذاهبها، وعوضاً عن صف المبالغ الطائل من أجل ترفيه المواطن وتسليته، يجب أن يبذل الجزء الأكبر منها لبنائه وتطوير قدراته ومواهبة.
    أكد الدكتور كلامه بلهجة أكثر قوةً وحزماً:
    - الحكومات والهيئات العلمية والاجتماعية، والشخصيات المقتدرة الغنية.. كل أولئك يتوجب عليهم ذلك.
    ثم ابتسم ابتسامة فيها شئ من الامتعاض، وقال بلهجة آسفة:
    - خطأ كبير أن لا نأخذ من حضارة اليوم إلا القشور!!!..
    هتف شاب اسمه ((عرفان)) وقد أنساه التفاعل مع النقاش نفسه فلم يطلب الإذن بالكلام:
    - والحل؟؟؟...
    أجاب الدكتور إياد، وقد تفهم سبب هذا التجاوز لقواعد النقاش التي يصر عليها دائما:
    - الحل يا عرفان أن نحاول.. أن نبدأ، والطريق مهما طال يبدأ بخطوة. أنا لا أملك إلا الكلمات، وشئ آخر استطيعه...
    وجم الجميع بانتظار ما سيقوله الدكتور إياد الذي تقدم من عصام ووضع يده على كتفه في ود وقال:
    أنا مستعد لتقديم الدعم المادي والعلمي والأدبي لكل طالب يريد أن يشق طريق البحث الطبي لا سيما في أبحاث السرطان. عليه فقط أن يعلمني باستعداده لذلك، وأنا سأتصرف...
    وضج المدرج بعاصفة من التصفيق الحار، وسرت فيه همسات الإعجاب والتقدير لهذه المبادرة السخية.
    كانت كل العيون ترمق الدكتور إياد بحب وإكبار، لأنه يجسد مثالاً وضيئاً لرجال الأمة المؤهلين لصنع غدها المأمول، إلا عينين واسعتين لفتاة جميلة هي ((سامية)) ابنة الدكتور ((إياد)) إذ كانت ترقب عصاماً وقد فهمت مغزى هذه المبادرة التي أعلنها أبوها، فقد حدثها فيما مضى كثيراً عن إعجابه بهذا الشاب الذكي الطموح... أما عصام فقد أدرك من كلام الدكتور إياد ونظراته أنه يقصده بهذا التبني العلمي الكريم، فانفعلت نفسه لهذا الاهتمام ولمعت عيناه بدموع التأثر والوفاء..
    لا يدري عصام لماذا تذكر في تلك اللحضات أباه؟!..
    لعل الدكتور إياد استطاع أن يحتل في أعماقه مكان والده الراحل!!..
    * * *


    الـفـصــل الثالث
    - الكلية كلها تتحدث عن مبادرة أبيكِ التي وعد فيها بتبني المواهب العلمية. يقولون بأنه كان يقصد عصاماً بعرضه..
    أجابت سامية في حماس:
    - هذا صحيح.. فوالدي يحبه جدا، ويرى فيه شاباً نادراً بذكائه ونبوغه وطموحه.
    سألتها ((منى)) وهي ترميها بنظرة ماكرة:
    - وأنت؟.. وماذا ترين فيه؟..
    - أنا؟..
    أجل أنت.. إن اهتمامك بعصام لا يخفي عليًّ يا عزيزتي...
    - أنت تتوهمين.
    - سامية لا تراوغي معي، فأنا أرفك جيداً، إنًّ عصاماً من النوع الذي يستهويك، فهو شاب هادئ.. مؤدب.. متفوق.. وسيم.. وذو شخصية آسرة...
    قالت سامية في حزم:
    - ((منى)).. لا تطرقي أمامي هذه الأحاديث. احتفظي بملاحظاتك لنفسك.
    ضحكت منى وقالت:
    - لا داعي للغضب... اعتبري كلامي مزاحاً...
    - لكنه مزاح ثقيل لا أحبه.
    - حسناً.. حسناً.. كما تريدين.
    قالت سامية في ضيق محاولة إنهاء الحديث:
    - هيا بنا الآن، فقد اقترب موعد المحاضرة...
    ثم مضت بصحبة ((منى)) غاضبة، غارقة في خواطرها...
    هذه الفتاة المزعجة لم تعد تروق لها، لكنها تضطر لمجاملتها أحياناً وفاء لذكريات قديمة.. إذ أنها الوحيدة من بين زميلاتها في المدرسة التي دخلت معها كلية الطب، فنشأت بينهما صداقة قوية في البداية لكن ((منى)) ما لبثت أن انجرفت مع تيار الانحلال الذي اجتاح الجامعة في السنوات الأخيرة، وكانت بداية انزلاقها رحلة جامعة تعرفت خلالها (( بصفوان)) الذي سحرها بثرائه الواسع ومظهره الباذخ وكلامه المعسول ففتنت به وانساقت وراءه وكأنها تعوض من خلاله عن حرمانها من مباعج الحياة التي لم تتمكن عائلتها الفقيرة أن توفرها لها، فاستغل ((صفوان)) نقاط ضعفها واستدرجها إلى حياته العابثة الفاجرة. وحاولت سامية إنقاذ صديقتها، فحذرتها من ((صفوان)) وألاعيبه الماكرة، لكنها لم تلق بالاً لنصائحها، وأمعنت في سلوكها الجديد، فتراجعت علاقتهما حتى أخذ شكل المجاملة الباردة تضطرهما إليها ظروف الحياة الجامعية.
    إن ما يزعج ((سامية)) حقاً أن ((منى)) قد لاحظت اهتمامها بـ((عصام))، لكنّ!.. متى كانت تعبأ بملاحظة فتاة مستهترة كهذه؟.. إنها فتاة واثقة بنفسها، وحسبها سلوكها الجامعي النظيف الذي سوف يخرسُ كل الألسنة التي قد تحاول الاصطياد في الماء العكر...
    إنها لم ترتكسب خطأ إذ اهتمت بـ((عصام)) فهو شاب متميز فعلا بشخصيته وسلوكه.. لشدَّ ما يجذبها هدوؤه الآسر، وهذا البريق العجيب الذي يلوح في عينيه.. إنها تحس فيه ذكاءه المتَّـقـد وقد امتزج في نظراته بكآبة عميقة تحكي قصة حزن قديم.
    لقد كان الجميع أمس يصغون إلى أبيها وهو يدلي بأفكاره ويناقش طلابه، أما هي فقد كانت شاردة اللب، مشغولة الفؤاد تفكر في ((عصام))وتبحث عن مفتاح شخصيته الذي تدخل به إلى قلبه وعقله.
    إنها فتاة ناضجة تضج حيوية وأنوثة، لكنها ترفض الابتذال، وتكره أن تلفت نظر من تتمناه بالأساليب الرخيصة التي تلجأ إليها الكثيرات، كما أنها لا ترضى أن تتزوج من أي شاب يطرق بابها، لأنها ترى في الأسرة مؤسسة خطيرة ينبغي أن لا تمنح إدارتها لأي كان... إنِّها تحلم برجل يناسب تطلعاتها، وتلتقي معه في فهمه للحياة.
    - ((ترى كيف ينظر عصام للحياة؟.. وما هو تصوره للحياة الزوجية؟.. ثم ما هي الشروط التي يطلبها في زوجته؟.. إني ألاحظ في عينيه اهتماماً خاصاً بي، ولكن.. ألا يمكن أن يكون مبعث ذلك هو احترامه لوالدي وحبه له؟.. ليتني أدرك ما يفكر فيه، ولكن كيف؟..)).
    ترددت هذه الأسئلة في خاطرها بإلحاح.
    لقد علّمها والدها أن البيت السعيد هو البيت الذي يديره الرجل القوي الأمين وتعمره المرأة المخلصة بالحب والحنان لينشأ الأطفال في ظلاله نشأة سليمة.. متوازني الشخصية.. أقوياء النفس والجسد.. أنقياء الضمير...
    - ((الأطفال!.. ما أروع الأطفال!..)).
    هكذا رددت سامية في نفسها، ففي أعماقها غريزة أمومة جارفة لا تدري متى سيكتب لها الإرتواء، وفي صدرها طاقة هائلة من الحب والحنان تريد أن تنبثق.. لكم تتمنى أن تصبح أما لتحضن أطفالها.. لتضمهم تحت جناحها، وتسبغ عليهم من عطفها وحنانها وتصنع منهم رجالاً ونساء يتبوَّؤون مكانتهم الرفيعة بين الناس...
    وانتبهت سامية إلى قدوم ((صفوان)) باتجاههما، فشعرت نحوه بالاشمئزاز، فأستأذنت ((منى)) وانصرفت تجنباً لهذا الشاب المتعجرف السخيف الذي يرميها دائماً بنظرات مستعلية تنطق بالهزء والتحدي لا سيما بعد أن علم من صديقته ((منى)) رأيها فيه.
    وفي طريقها صادفت ((عصاماً)) وهو يتحدث مع صديقه ((سعد)) وسمعته يقول في حماس:
    - الطب مسؤولية وأمانة...
    فتساءلت في أعماقها:
    - أين الثرى من الثريا؟!..
    * * *

    الفصل الرابع
    الليل ساج.. والهدوء يرمي بثقله على كل شئ، لا يقطعه إلا حفيف أوراق الشجر اليابسة، تحركها نسائم الخريف التي بدأت تتسلل إلى غرفة عصام، وقد فتح نافذتها، ليطرد رائحة المواد الكيماوية التي تراكمت في جوها، والتي كان يستعملها في تلوين بعض المحضرات الطبية حتى يتمكن من تمييز معالمها التشريحية الدقيقة تحت المجهر.
    وجذبته رائحة الخريف، فتقدم من النافذة وراح يتأمل منظر الحديقة الكئيب، وقد تعرت أشجارها إلا شجرة من الورد ظلّت محتفظة بخضرتها الزاهية تتيه ببضع براعم جميلة قد انتصبت في خيلاء تتحدى البرد والريح، وتعطر الجو بأريجها الطيب...
    وأغراه قربها بقطف أحد براعمها، فتطاول بجسمه، ومدّه إلى أقصى ما يستطيع، فالتقطت أنامله ساق البرعم، فعالجه محاولا قطفه، فانفصل عن أمه بصعوبة، بعد أن أدمت إحدى أشواكه إبهامه الأيمن.
    ارتد عصام إلى الخلف، وراح يستنشق راحة البرعم الزكية.. لكم يفتنه منظر الورد.. إنه يبعث في نفسه سعادة غامرة ويحرك في صدره أشواقاً لا يدري كنهها.. أحياناً يحس وكأن الوجود قد
    طوي في يمينه، لكن هذه اللحظات الجميلة سرعان ما تتسرب من نفسه، لتلح عليه همومه الكبرى.
    وندت عن الجرح ومضة ألم خفيفة، فنظر إلى قطرة الدم التي تجمدت على فوهته، وقد مرّ بخاطره شريط سريع تخيل فيه كل التفاعلات الحيوية التي حدثت داخل هذه القطرة الصغيرة من الدم حتى تخثرت لتشكل سدادة دموية تمنع استمرار النزيف.
    - ((سبحان الله))...
    قالها عصام وهو يتجه إلى صيدليته ليعالج جرحه الصغير، ثم مضى إلى الغرفة المجاورة فصب كأساً من الماء وغرس فيه ساق البرعم، ووضعه على منضدته، ثم استرخى على كرسيه وراح يتأمل برعم الورد الذي تألق مزهوا بين أكداس من الكتب والأوراق.
    وبعد لحظات من التأمل تناول عصام كراسة أنيقة تضم محاضرات الدكتور إياد، ليراجع محاضرة اليوم قبل أن ينام. لقد كانت محاضرة ممتعة حقاً، وأمتع ما فيها كلام الدكتور الذي في نفسه ينابيع الطموح، وفتح أمامه آفاقاً جديدة بلور من خلالها تطلعاته إلى المستقبل. إن الاهتمام بمرض السرطان يسيطر عليه... هذا المرض اللغز الذي يتحدى فضوله، ويدفعه لمنازلته بكل ما
    أوتي من علم وعزم وتصميم. لقد استقرت في فكره قناعة ثابتة بأن طريقه إلى مجده الذي يحلم به، لا بد أن يمر على أشلاء هذا المرض الفتّاك!.
    إن كلمات الدكتور إياد لا تزال تدوي في أعماقه...
    - ((حقاً لماذا لا يفكر شبابنا وأطباؤنا أن يشاركوا في صنع حضارة اليوم بدلاً من استيرادها من الشرق والغرب. صحيح أنه يجب علينا تقبل كل جديد مفيد، لأن المعرفة ليست مقيدة بجنس أو قوم أو مذهب ولأنها تراث إنساني لكل البشر، لكننا في الوقت نفسه يجب ألا نلغي عقولنا ونجمدها ليفكر لنا الآخرون..)).
    إن عصاماً يشعر الآن بأن اكتشاف علاج هذا المرض العضال بات أمانة في عنقه حملته إياها البشرية بأكملها:
    (( - آه.. المشهد المأساوي الباكي يتكرر كل يوم.. مريض مصاب بالسرطان.. والسرطان ينمو ويكبر.. الآلام تشتد، والحياة تذوي في جسد المريض المسكين رويداً رويداً.. أما أعين أهله وأحبائه وأطبائه الذين لا يملكون له أكثر من المهدئات والمسكنات، وكلمات التبرير والمواساة التي تنضح بالعجز عن الإنقاذ.. كلمة هذه لكم أكرهها على الرغم من أنها أوضح من كل الحقائق التي توصل إليها الطب الحديث لكنها أقسى الحقائق
    على الإطلاق!.. يجب أن نحاول.. لا بد من المحاولة حتى تتم السيطرة على هذا الداء))...
    وأفاق عصام من خواطره مستجيباً لشحنة من النشاط التي دبت في عروقه فراح يقرأ المحاضرة بإمعان..
    وانتبه على طرق خفيف على الباب:
    - أمّاه!.. أما زلت ساهرة بعد؟!..
    ثم ابتسم لأمه، التي أطلت بوجهها السمح وسمتها الهادئ، وهي تحمل فنجان الشاي وقد تصاعد منه بخار كثيف استثار شهيته.
    قال عصام وهو يتناول فنجانه:
    - أماه أنت دائماً تزعجين نفسك من أجلي. شكراً لك يا أحلى أم في الدنيا.. ما أريد إلا راحتك ورضاك..
    هتفت الأم وهي ترفع إلى السماء كفَّين ضارعين:
    - الله يرضى عليك يا ابني عدد أوراق الشجر وحبات المطر...
    - ما أحلاه من دعاء.. سترين مني إن شاء الله كل ما يسرك...
    - إن سروري لا يتم إلا بسرورك، وشئ آخر ستكتمل به
    فرحتي..
    هتف عصام وكأنه يجيب على ((حزُّورة)) طريفة:
    - لقد حزرت.. التخرُّج؟... أليس كذلك؟..
    قالت الأم وهي تلملم الكتب التي كانت مبعثرة فوق السرير:
    - لستَ بالذي يحلم بالتخرج يا بني، فهو شئ مضمون إن شاء الله وما هي الَّا أشهر حتى تدخل تزف إليَّ البشرى بتخرجك، لكن ما أقصده هو بنت الحلال، هل فهمت الآن؟..
    (( بنت الحلال.. آه.. لقد وضعت يدك على الجرح يا ماما!!)).
    بذلك حدّث عصام نفسه بعد أن هزت أمه بكلماته أدق وتر في وجدانه ليعزف لحن الحرمان، وقفز إلى خياله طيف ((سامية)) فاضطرب فؤاده.. لكم تشده هذه الفتاة إليها بجمالها الوادع وشخصيتها القوية، وهي فوق ذلك ابنة الأستاذ الذي يحبه ويحترمه، ولا بد أن البنت قد ورثت عن أبيها الكثير من طباعه وأخلاقه النبيلة، غير أن ((سامية)) كانت قد دخلت قلبه منذ زمن بعيد..
    حدث ذلك حين سمع طرفاً من حديثها مع صديقتها ((منى))
    بعد إحدى الجلسات، فبعد أن خرج الطلبة من الجلسة العملية، اضطر عصام للعودة، ليتفقد قلمه، فاسترعى انتباهه حديث يدور بين فتاتين ولم تكن كلتاهما قد شعرتا بدخوله لوجود حواجز من الزجاج الأبيض الشفاف تفصل بين المناضد التي تُجرى عليها التجارب. وبعد أن يئس عصام من العثور على قلمه الضاع همّ بالخروج إلاَّ أن طرافة الحديث استوقفته، فأصاخ السمح بانتباه شديد...
    كانت سامية تقول لصديقتها ((منى)) في حزم أوحى له بقوة شخصيتها:
    - منى.. هل تريدين رأيي؟.. إن صفوان هذا يخدعك.. إن يستغل براءتك وطيبة قلبك ليغرر بك.. إنه يلعب بعواطفك يا عزيزتي، وستجدين أن كلماته زيف وعواطفه سراب في صحراء من الغش والنفاق..
    قالت ((منى)) تدافع عن ((صفوان)) الذي استحوذ على قلبها وعقلها:
    - سامية.. إنّك تظلمينه بهذا الكلا..
    - أبداً لست بالتي تظلم الآخرين.
    - لكنك تبالغين...
    - بل هي الحقيقة بمرارتها أضعها بين يديك ما أريد بها إلا النصيحة أبذلها لك كصديقة...
    - لكني أحبه...
    - وما قيمة الحب إذا لم يوجهه العقل ويكبح جماحه؟!...
    - وأثق به...
    - ما الذي أوحى لك بهذه الثقة؟!..
    - كلماته... نظراته... كل شئ ... كل شئ...
    قالت سامية وقد نفذ صبرها:
    - منى؟ هل أنت إلى هذا الحد من السذاجة بحيث تثقين بشاب لا تعرفين عنه أكثر من اسمه ولون بدلته و ((موديل)) سيارته... هل تصدقين؟.. لقد سمعت عنه كل ما يعيب.. فكيف ترضين بالذهاب إلى ((شقة)) شاب تدور حول سلوكه الشبهات بحجة الدراسة والمذاكرة؟
    أجابت ((منى)) متهربة:
    - الجو في بيتنا لا يساعدني على الدراسة.
    - تعالي فذاكري عندي.. سأفتح لك بيتي وقلبي..
    - لكني وعدته..
    - اعتذري له..
    - سيؤلمه اعتذاري..
    قالت سامية في ثقة وهي تضغط على مخارج الحروف:
    - بل سيتضاهر بالتألم لاعتذارك إمعاناً في استدراجك.
    - هذا رأيك..
    - لقد جردك هذا الفتى من إرادتك!..
    - أنا واثقة بنفسي.
    - أنت واثقة بعواطفك وأهوائك.. أما نفسك فسوف تخونك تحت إغراء الخلوة حيث تستيقظ الغرائز ويعربد الشيطان..
    - أنا أقوى من الشيطان..
    قالت سامية وقد أحس عصام أنها تتأهب للفراق:
    - أتمنى ذلك من كل قلبي، ولكني أخشى أن يهزأ بمشاعرك ويستغل عواطفك ليحقق عن طريقها مآرب مريضة تسئ لسمعتك وتهدد مستقبلك.. وثمة حقيقة أخرى أود أن ألفت انتباهك إليها..
    سألت ((منى)) في فتور ساخر:
    - وهي ؟..
    - هي أن والده من الأغنياء أصحاب النفوذ في البلد، وسوف يخرج ابنه من أي ورطة كانت كما تخرج الشعرة من العجين إن لم يكن من أجل ابنه فمن أجل سمعته ومركزه. لقد حذرتك يا عزيزتي فاحترسي من عواطفك أن تقودك إلى ما لا تحمد عقباه.. والآن وداعا...
    عندما خرجت سامية رآها عصام فطبعت صورتها في قلبه.. لقد أعجب بمنطقها الواعي، وأخلاقها الرفيعه، وحرصها على الآخرين، ولما رآها ازداد إعجابه بهذه الفتاة التي جمعت في شخصيتها الكثير من الصفات الرائعة العظيمة..
    وألح عليه الفضول فسأل عنها –ولم يكن يعرفها آنذاك- فأجيب: (( أن هذه الفتاة تدعى ((سامية إياد عزت)) وهي ابنة الدكتور ((إياد عزت)) رئيس قسم ((التشريح المرضي)) في الكلية وعندما تعرف على الدكتور ((إياد)) من خلال محاضراته الشيقة وأحاديثه العميقة أعجب بشخصيته الفذة، ورأى فيه مثالاً يحتذى، فاندفع للاهتمام بسامية أكثر، والتفكير بها كزوجة وشريكة حياة.
    إن حبه الطاهر ينمو ويكبر مع الأيام، لكنه يكتمه عن الآخرين لأنه يؤمن بأن المكان الطبيعي لهذه العاطفة الفطرية النبيلة لا يكون إلا في ظلال الزواج وهو لا يفكر بالإقدام على هذه الخطوة قبل التخرج، وتندّ عن القلب آهات فيخفيها عن أمه، وهي المسكينة التي قسم لها القدر من الهموم ما يكفيها منذ أن فجعت بزوجها الفقيد.
    وأيقظ عصاماً من شروده صوت كتاب سقط على الأرض من بين مجموعة الكتب، كانت تحملها أمه لتعيدها إلى مكانها في المكتبة..
    - أماه.. أرجوك لا تتعبي نفسك بترتيب المكتبة، بودي لو تنامين.
    قالت الأم مازحة وهي ترمي ابنها بنظرات تصنعت فيها العتاب:
    - هل مللت مني؟
    هتف عصام وقد تملكه شعور بالذنب:
    - معاذ الله.. ما أريد إلا راحتك، فأنت لا تفترين عن الحركة طوال النهار.
    - هل سمعت بإنسان ينام وعيناه ساهرتان؟!.. أنت عيناي اللتان أبصر بهما فلا أستطيع النوم حتى أطمئن عليك، ولن أترك هذه العادى حتى أزفك إلى عروسك.
    قال عصام وهو يستسلم أمام عناد أمه:
    - من أجل عينيك يا ((ماما)) سأترك كل شئ بين يديّ لأنام.
    - خذ راحتك يا بني، وأنهِ عملك كما تراه مناسباً ريثما أغسل بعض الأواني ثم أنام. تصبح على خير..
    - وأنت من أهله.
    عندما نام عصام كان طيف أمه وطيف سامية آخر ما ودع من أطياف الحياة.
    * * *









    الفصل الخامس
    عندما وصل عصام إلى مكتب الدكتور إياد في الطابق الثالث من مبنى كلية الطب، توقف لحظة ريثما تأكد من سلامة هندامه، ثم طرق الباب طرقاً خفيفاً، وقف ينتظر الإذن بالدخول..
    وأطل من وراء الباب وجه جميل اضطرب له فؤاده، وأطاح بهدوئه فراحت الكلمات تتلعثم على شفتيه:
    - ((صـ .. صباح الخير)).. الدكتور إياد موجود؟..
    لم تكن سامية أكثر تماسكا، فقد احمرت وجنتاها، ورمشت عيناها، وقالت هي تغض طرفها في حياء:
    - (( صباح النور )) .. لحضات ويأتي ...
    - أعتقد أن لديه ساعة فراغ...
    - هذا صحيح.. إنه على وشك الوصول.
    - حسناً.. سأعود بعد دقائق.
    واستدار عصام يريد أن يمضي لكنه رأى الدكتور إياد قادماً فتوقف بانتظاره.. ومضت لحضات قليلة ريثما وصل الدكتور إلى مكتبه قاطعاً الممر الطويل، فصافح عصاماً بحرارة ثم قال مرحباً وهو يجلس وراء مكتبه:
    - أهلا بك يا بني.. خطوة عزيزة...
    قال عصام وهو يتقدم بخطىً أثقلها الإحترام:
    - أرجو أن يكون لديكَ متسع من الوقت للحديث..
    - الوقت جدّ مناسب.. فلدي الآن ساعة من الفراغ.
    - من حسن حظي أن لا أجد لديك مشاغل أخرى...
    قال الدكتور إياد وهو يشير إلى عصام وسامية بالجلوس:
    - ((في الحقيقة يا عصام المشاغل لا تنتهي.. فالواجبات أكثر من الأوقات كما يقولون، لكن هناك أولويات.. أريد أن أقول لك شيئاً: أنا ضد هذه الهوة التي تفصل بين الطالب والأستاذ في بلادنا، فالأستاذ - في رأيي – يجب أن يكون أكثر من مدرس لاختصاص ما.. يجب أن يكون أباً لطلابه، وصديقاً وتلميذاً في بعض الأحيان)).
    رفع عصام حاجبيه دهشة، فسارع الدكتور إياد إلى تبديد دهشته:
    - (( لا تستغرب كلامي.. هذا ليس تواضعاً، ولكنه حقيقة.. أنا مثلاً أخصائي في ((علم التشريح المرضي)) ولكنك –أنت أو غيرك- أعلم مني في مجالات أخرى خارج اختصاصي. وعليّ أن أتقبل منك معارفك بنفسيه التلميذ الذي يطلب العلم ويسعى إليه.. إننا –في الحقيقة- جميعاً تلاميذ نغرف من بحر المعرفة الزاخر الذي لا ينتهي، وسنظل عطشى مهما ابتغينا الإرتواء، ومهما أوغلنا فيه فسنجد أنفسنا ما زلنا على الشطآن..
    ثم قال وهو يهز رأسه في أسف:
    - يؤسفني أن لا يوجد في بلادنا ذلك التفاعل الاجتماعي والثقافي بين الطالب والأستاذ.. الجامعة يا عصام مؤسسة علمية وثقافية وسياسية في آن واحد.. مؤسسة خطيرة، لها دورها الكبير، وأثرها الفاعل في المجتمع.. وعن طريقها تتقدم الأمة ويقوم بناؤها الحضاري المنشود، لكنك في جامعاتنا تقرأ معالم تخلفنا البغيض. إننا لا ننظر إلى الجامعة أكثر من أنها مرحلة زمنية.. مرحلة ما بعد الشهادة الثانوية وما قبل العمل والاستقرار. للأسف الشديد نحن نشكون من عقد كثيرة تحبط كل محاولات النهوض، لا تؤاخذني يا بني إذا أطلت..
    - أبداً.. أبداً.. بودّي لو أسمع المزيد...
    - إنها همومنا اليومية التي لا مناص لنا من تداولها، والطب علّمنا أن العلاج الصحيح يجب أن يسبقه تشخيص دقيق، لذلك فأنا أحاول دائماً أن أشخص أمراضنا الإجتماعية. والآن ماذا وراءك يا عصام.. كنت أتوقع مجيئك.
    أجاب عصام وهو يرنو إلى أستاذه بعينين تشعّان حباً وإعجاباً:
    - أستاذ.. لا أدري ماذا أقول لك، ولا من أين أبدأ.. إنني في صراحة شديدة معجب بآرائك ومواقفك، وكلما استمعت إلى محاضراتك أو جلست إليك، تحركت في أعماقي طاقة هائلة من الهمة والتحفز والنشاط والطموح لا أعرف كيف أوجهها!.
    لقد كانت محاضراتك الماضيةمحل تفكير عميق مني، وكان لمبادرتك الكريمة بتبني الطاقات العلمية أكبر الأثر في نفسي، وها أناذا أطلب أبوتك العلمية، راجيا منك أن تصنعني كما تريد، فإني نذرت نفسي للطب، وبالتحديد لمشكلة السرطان.
    اهتز الدكتور إياد لكلمات عصام ورأى فيه بارقة أمل تبشر
    بولادة فجر جديد.. فجر عظيم لطالما انتظره وحلم به..
    - لو كان شبابنا كلهم من هذا الطراز، إذا لطوينا حياة التخلف والتمزق والانهيار التي نحياها، وحرقنا المراحل في طريقنا إلى المستقبل الذي نتطلق إليه واستعدنا مكانتنا المرموقة تحت الشمس، ولكن .. آه ...
    فكر الدكتور إياد في هذا وقد شبك يديه تحت ذقنه وعيناه تسبحان في تأمل عميق...
    أما عصام فقد كانت يده المبسوطة على المنضدة تعاني من اضطراب حركة أصابعها وكأنها تداري بذلك ارتباكه بينما راحت اليد الثانية تشد على حافة الكرسي الجلدية، وقد رطبتها بالعرق من فرط الإنفعال.
    وكانت سامية تتأمل هذا المنظر المؤثر بإكبار، وترمق عصاماً بإعجاب.. هذا هو الشاب الذي تحلم به.. هذا هو فارس أحلامها المنشود.. لقد تهاوت أمامه الآن أسوار الحيرة والتردد التي كانت قائمة في قلبها إزاءه ليقتحمه فيحتله إلى الأبد...
    قال الدكتور إياد بنبرات قوية معبرة بعد أن مضت لحضات من الصمت الحافل بالانفعال:
    - اسمع يا بني.. قد لا أتقن صناعة الرجال، لكنّي أملك أن أضع قدميك على أول الطريق، وأوجه خطاك نحو القمة ..
    سأعطيك أول الخيط، وسأدعمك بكل ما أستطيع لتصنع نفسك بنفسك.. بالعزيمة والتصميم.. بالصبر والتعب.. بالعمل المضني الدؤوب...

    ثم بعد صمت قصير:
    - هل لي أن أعرف نبذة عن وضعك الاجتماعي؟.. إذا سمحت طبعا؟..
    أجاب عصام وقد فاجأه السؤال:
    - بكل سرور، ولكن اسمح لي أن أوضح لك بأنني إنما أريد الدعم العلمي والأدبي فحسب، أما المادة فهي متوفرة والحمدلله...
    قال الدكتور إياد وهو يحرك يده حركة من يطلب التريث:
    - لحظة من فضلك.. لنكن صرحاء.. إن الطريق الذي سوف تسلكه طريق صعب طويل يحتاج لكل شئ. ونحن جميعاً إنما نعمل لغاية عظيمة تتطلب منّا أن نتجاوز الكثير من اعتباراتنا الشخصية حتى نحققها على الوجه المطلوب. وأنا عندما سألتك عن وضعك الاجتماعي لم أقصد الوضع المادي فحسب، بل طلبت بصورة عامة تشمل كل شئ في حياتك الاجتماعية يمكنك أن تصارحني به. لننسَ أنني أستاذك في الجامعة... اعتبرني بمثابة والدك إذا سمحت؟
    وشعرت سامية بأن وجودها قد يربكه فنهضت وقالت:
    - ((بابا)) هل تسمح لي بالإنصراف؟
    لكن عصاماً قال بلهجة دلت على تمسكه ببقائها:
    - لعلك تريدين الإنصراف لأجلي.. أرجو أن تجلسي إن كان الأمر كذلك..
    استسلمت سامية لإرادة عصام وقد نفذت كلماته إلى أعماقها، ففهمت مراده بحاسة الأنثى.. إنه يريدها بقربه.. يريدها أن تسمع كلامه... أن تعرف عنه كل شئ.. وجلست دون أن تنبس، وعلى شفتيها ابتسامة امتنان.
    قال الدكتور إياد:
    - اجلسي يا سامية.. إن عصاماً لديه من الجرأة الأدبية ما يجعله يقول ما يريد دون حرج. لقد سبرت أغواره منذ زمن.
    قال عصام:
    - أشكرك على هذه الثقة. في الحقيقة أنا أعيش وحيداً مع والدتي في بيت نملكه ... مات أبي منذ فترة طويلة.. كان تاجراً ميسوراً، وقد ترك لنا بعض الأموال والعقارات التي ما زلنا نعيش منها حتى الآن، دون أن نحتاج أحداً.. لي أخت متزوجة وهي تقيم مع زوجها الذي يعمل في السعودية.. ولي أيضاً عم مغترب في الأرجنتين منذ زمن بعيد.. هذا كل شئ..
    وقف الدكتور إياد، وراح يذرع المكتب جيئة وذهاباً، وهو غارق في التفكير، أما سامية فقد فهمت الآن مصدر الحزن الصامت الذي يوشح دائماً وجه عصام ويطل من نظراته.. لقد عانى بلا شك من الحرمان إلى حنان أبيه، وتفتح وعيه على مأساة باكية تسربت كآبتها إلى طبعه وترسبت في وجدانه. وراحت تسترق إليه نظرات تنطق بالرثاء...
    توقف الدكتور إياد فجأة وقال:
    - دعنا نشرح الأمر كما يلي..
    لديك منهاجك الدراسي الواسع، لا سيما وأنت الآن على أبواب التخرج، ولديك اهتمامك بالخاص بأبحاث السرطان، والذي يتطلب منك رؤية الحالات السرطانية المختلفة، ودراسة تشريحها المرضي، وملاحقة كل جديد يصدر في المجلات الطبية حول هذا المرض. وهذا يتطلب منك أن تكون قريبا من عيادتي ومختبر أبحاتي لأطلعك باستمرار على الحالات التي تأتيني. وبذلك تتعمق خبرتك بهذا المرض، فإذا ما ذهبت للإختصاص برعت فيه. وتفوقت على زملائك ونلت أعلى الشهادات وحزت على إعجاب أساتذتك وتقديرهم.. بالمناسبة أنا أعرف عدداً من العلماء المهتمين بأبحاث السرطان في أمريكا بصفتي زميلاً في (( الجمعية الأمريكية للسرطان)) بما فيهم الدكتور ((فرانكلين جاكسون)) رئيس الجمعية وأنا على صلة مستمرة به، حيث نتبادل الآراء حول آخر ما يجدُّ من أبحاث ونظريات ومعالجات لهذا المرض، وسوف أحدثه عن طموحك، وأطلب منه أن يتدخل من أجل قبولك في إحدى الجامعات الأمريكية، وهو لن يتأخر، لاسيما عندما يرى وثيقة درجاتك المشرفة والتي ستتوجها هذا العام بتخرج متفوق إن شاء الله.. بالمناسبة.. حاول أن تحضر لي صورة وثائق تخرجك بمجرد صدورها حتى أتمكن من إرسالها إلى أمريكا في أقرب وقت..
    - قال عصام والفرحة تغمره:
    - دكتور.. لا أدري كيف أشكرك على هذا الاهتمام.. إن اندفاعي للتعاون معك يزداد يوماً بعد يوم!.
    قال الدكتور إياد وهو يرمق عصاماً في عتاب:
    - إنما أقوم بواجبي يا بني، أم أن الواجب أمسى في نظرك تطوعاً نبيلاً يستوجب الشكر والثناء؟
    قال عصام وهو يداري ارتباكه أمام عتاب أستاذه الرفيق:
    - إذا لم يشكرك لساني فيشكرك قلبي.. إن لم يكن لأنك تقوم بواجبك فلأنك تعلمني ما هو الواجب.
    ابتسمت سامية لهذا الرّد اللبق بينما سأله الدكتور إياد:
    - كيف لغتك الإنكليزية؟
    - جيدة والحمدلله.. إنني أقرأ المراجع المكتوبة بالإنجليزية بطلاقة.
    - حسن جداً.. فلتكثر من ذلك حتى توفر على نفسك سنة اللغة التي يحتاجها الطلبة عادة لتقوية لغتهم وهذه مكتبتي تحت تصرفك لك أن تستعير منها المرجع الذي تريد.
    - شكرا لك، ولكن.. كيف سنتعاون؟.. أقصد كيف سيكون برنامجنا معاً؟..
    قطّب الدكتور إياد وجهه مفكراً ثم همس بنبرة حائرة/
    - في الحقيقة هذا ما أفكر فيه..
    - أنا مستعد للتوفيق بين دراستي وتعاوني معك مهما كانت أعباؤه، وما هي إلا أشهر وتمضي.. سأتحمل تبعها وأمري إلى الله.
    قال الدكتور إياد في حماس وقد أضاء وجهه بابتسـامة مشرقة:
    - في الحقيقة لديّ فكرة.. فكرة علمية جداً.. تحلّ لنا الكثير من المشاكل وتوفر لنا المزيد من الوقت مما يساعدك على إنجاز مشروعك بنجاح.. لكنها فكرة غريبة بعض الشئ وقد تتشنج إزاءها!...

    - أقبلها مهما كانت.
    - لا تتسرع... اسمعها ثم اعطني رأيك بصراحة.. لعلك لا تعلم أني أملك عمارة كبيرة مؤلفة من ثلاثة طوابق وكل طابق مؤلف من شقتين، خصصت الطابق الأرضي للعيادة والمختبر، وأشغل أنا وأسرتي الطابق الثاني بشقتيه، بينما الطابق الثالث فارغ، ولا أنوي استعماله أو تأجيره حالياً، فما رأيك لو انتقلت أنت والوالدة إلى إحدى الشقتين الخاليتين، وبذلك نستطيع تنسيق أوقاتنا بما يناسب ظروفك ويحقق طموحك.. فما رأيك؟
    استغرب عصام لهذا العرض، وأدهشه هذا التحمس من الدكتور إياد، واهتزت نفسه لهذه الأريحية، فأطل التردد من عينيه، وقال:
    - لقد فاجأتني بهذا العرض، ولا أدري ماذا أقول؟
    - ألم أقل لك لا تتسرع بالجواب.. فكر بالموضوع مع الوالدة.
    - بالنسبة لي لا توجد مشكلة، فأنا مستعد لكل ما يخدم مشروعنا، ولكن الوالدة قد تمانع في ذلك، كما أنني أريد أن أعرف طريقة السكن عندك. هل هو سكن بالأجرة؟.. أم أنك ستبيعنا البيت؟.. ثم لا بد من دراسة ظروفنا المادية على أساس هذه الطريقة!..

    قال الدكتور إياد وهو يبتسم في هدوء:
    - سامحك الله يا بني.. اعتبرها ضيافة، أم أنك لا ترغب في جواري؟
    - معاذ الله، ولكن الوالدة حساسة جداً في مثل هذه القضايا.. إنني أعرفها جيداً.
    أرسل الدكتور إياد تنهيدةً وقال:
    - بالنسبة للقضايا المادية سنسويها كما ترتاح أنت ووالدتك، أم بالنسبة لموقف والدتك، فمهما كان صعباً فلن يصعب على ابنها الغالي.. أنا أب يا عصام وزوجتي أم، وأعرف ضعف الأم أمام رغبات أبنائها، لا سيما أمثالك.. هذه سامية أمامك، اسألها كيف تقنع أمها بما لا تريد...
    ابتسمت سامية ولاذت بالصمت، بينما قال عصام:
    - أعدك بأني سأدرس معها الفكرة، وأحاول إقناعها..
    - وإن لم تقتنع فسأتدخل شخصياً لتحقيق ذلك. والآن أرجو أن تسمح لي فقد اقترب وقت المحاضرة ولا بد من التحضير لها.

    قالت سامية وهي تهم بالنهوض/
    - أترى يا عصام إن والدي يهتم بك أكثر من اهتمامه بابنته.
    تساءل عصام متجاوبا مع دعابتها:
    - لعلها الغيرة؟!.
    - بل هي الغبطة با بني.
    هكذا قال الدكتور إياد وهو يضحك ضحكته المميزة، وقد أضمر في نفسه شيئاً!.
    * * *
    الفصل السادس
    إن فرحة عصام اليوم بلا حدود.. فها هي الأقدار تبتسم له وتدفعه إلى آماله دفعاً.. إنه يحس الآن بالحياة من حوله حلوة نضرة لأنه صاحب هدف كبير بات يعرف الطريق إليه...
    وكلما تذكر وعد الدكتور إياد له بتأمين قبوله في أمريكا، وفي الفرع الذي يصبو إليه، غمرته السعادة، وتملَّكله السرور، وطغى عليه الإبتسام...
    وفي غمرة الأحاسيس المتدفقة بالبهجة والفرح كان طيف سامية لا يفارقه.. فقد أضحت روحه التي يحيا بها، وقلبه الذي يخفق بين جوانحه.. لقد شعر اليوم أنها قريبة منه أكثر من أي وقت مضى، وفهم من كلماتها ونظراتها ومشاعرها نحوه، وتأكد من ميلها إليه.
    ولاح إليه المنزل من بعيد فأوسع الخطوَ إليه.. يحدوه الشوق لأن يبث أفراحه الجديدة إلى أمه الحنون.. ووصل إلى البيت فقرع الجرس كعادته ليشعر أمه بقدومه، ثم أدار المفتاح في القفل ودلف إلى الداخل وهو ينادي في لهفةٍ عارمة:
    -((ماما)) .. ((ماما)).. أين أنت يا ((ماما))؟
    وأجابه صوت عميق من وراء الجدران:
    - أنا هنا في المطبخ.. ماذا هناك؟..
    ألقى عصام كتبه على طاولة الصالون، واتجه إلى المطبخ في خفة ومرح، وما إن رآها حتى هتف:
    - ((ماما)).. أنا فرحان.. أنا سعيد.. لو تعلمين كم أنا سعيد...
    تساءلت الأم في دهشة وابتسام:
    - أسعد الله أيامك كلها، ولكن أخبرني ما الذي حدث؟
    - ماذا أخبرك يا أماه؟.. عما قريب ستتحقق كل أحلامي وآمالي. إن الأفراح تأتي على ما يبدو دفعة واحدة.
    - ما الذي تتحدث عنه بالله عليك؟.. أشركني في فرحتك؟
    - أماه... أنا جائع... جائع جداً.. أريد أن آكل.. أن أستمتع بطعامك الطيب اللذيد.. على فكرة.. ماذا طبخت لنا اليوم؟
    - أكلة لذيذة ستأكل أصابعك بعدها.. إنَّها ملفوف ورق العنب التي تحبها جداً.
    - ((ممم)).. شئ لذيذ حقاً.. هيا نحضر الطعام معاً، ثم أقص عليك ما جرى..
    كانت الأم تسكب الطعام في الصحاف في خفة وسرور مبعثه هذا التغير الطارئ الذي بدا فيه ابنها فرحاً سعيداً بينما كان عصام ينقل تلك الصحائف إلى طاولة الطعام في همة ونشاط. وما هي إلا دقائق قليلة حتى التأم شملهما حول المائدة وشرعا في تناول الغداء...
    قال عصام وهو يلتهم إصبعاً من أصابع الملفوف الطازج:
    - أماه.. تعرفين مدى حبي للطب، وطموحي للإختصاص في أحد فروعه، وبالتحديد مرض السرطان...
    صاحت الأم في فزع وقد تقلصت ملامحها:
    - أعوذ بالله... لعنه الله ولعن سيرته!!!.
    ضحك عصام وقال:
    - ((ماما)).. السرطان لا يذهب باللعنات، ولو كان الأمر كذلك لنذرت عمري في لعنه.. لا بد من العمل.. من البحث والتجريب.. إنه داء فتاك يحير العلماء.. ويحتاج لمن يسبر أسراره ويكتشف علاجه الشافي.
    - لعنه الله ألف مرة.. واللّه كلما ذكر اسمه المشؤوم أمامي شعرت بالقشعريرة تسري في جسدي.
    قال عصام وهو يتحول إلى الجد:
    - لعنه الله مليون مرة.. المهم في الحديث أنّ الدكتور إياد.. لقد حدثتك عنه مراراً...
    - أجل أذكره، إنك تحبه كثيرا على ما يبدو...
    - هذا صحيح.. إنّه إنسان نادر.. تصوري أنه تطوع لدعم أي طالب يريد أن يختص في هذا المرض ويتعمق في أبحاثه، فما كان مني إلا أن ذهبت إليه اليوم، وقلت له أنني أتطلع للإختصاص في هذا المجال وأنني مندفع جداً لهذا الأمر فتجاوب معي إلى أبعد الحدود، ووعدني أن يرمن لي القبول في إحدى جامعات أمريكا.. إنه على صداقة حميمة برئيس الجمعية الأمريكية للسرطان ووعدني أن يحدثه عن تفوقي وطموحي.
    توقفت الأم عن الأكل ثم قالت والهمّ يلوح في نظراتها:
    - فكرة السفر هذه كم أكرهها!.. ألا يكفيك أن تتخرج وتفتح لك عيادة جيدة في مكان مرموق؟.. اسمع مني يا بني.. سوف أبيع قطعة من أرضنا التي في الريف وأفتح لك أفضل عيادة في البلد، وأحدثَها.
    - قال عصام وهو يصب كأساً من الماء:
    - سامحك الله يا أمي!. هذا الكلام كان على أيامكم، أما اليوم فإن الطبّ بلا اختصاص لم يعد عليه ذلك الإقبال، لأن علومه توسعت كثيراً، والإختصاص يؤمن للطبيب خبرة عالية وشهرة فائقة ودخل ممتاز.. ثم إنني أطمح إلى أكثر من العيادة والشهرة والمال.. أتمنى لو أصبح عالماً في الطب يا أماه، أم أنك لا تريدين لابنك أن يصبح عالماً مشهوراً؟
    قالت الأم وهي تشير إلى نفسها متسائلة:
    - أنا؟.. إنني أتمنى أن تصبح أفضل طبيب في الدنيا، ولكني أكره أن تبتعد عني.
    - ولماذا أبتعد عنك؟ سآخذك معي..
    - إلى أمريكا؟!..
    - وإلى آخر الدنيا...
    ضحكت الأم وقالت وهي تلملم حبات من الرز كانت منثورة على المائدة:
    - لا أدري ماذا أفعل بلسانك.. دائماً تغلبني بمنطقك الجميل.
    - كلامك يشجعني لأن أطرح عليك فكرة جديدة اقترحها عليَّ الدكتور إياد.
    - ما هي هذه الفكرة؟
    - انتهى عصام من طعامه فحمد الله، ثم قال:
    - إن تعاوني مع الدكتور إياد سيشغل جزءاً كبيرا جداً من وقتي، فبالإضافة إلى الوقت الذي يستهلكه مني التحضير لامتحانات التخرج، سأضطر إلى ملازمة الدكتور إياد في عيادته لمشاهدة حالات السرطان المختلفة والتمرس في طرق تشخصيها وعلاجها، عدا الوقت الذي سأقضيه في مطالعة المراجع الأجنبية والمجلات الطبية، ولا تنسي الدوام في الكلية...
    وكيف ستوفق بين كل هذه الأمور؟ على هذا لن تجد وقتاً حتى لتأكل؟!.
    لا تخافي عليّ يا أماه،سأنظم وقتي تنظيماً دقيقاً، واقتراح الدكتور إياد سوف يساعدني كثيراً، فقد عرض عليّ بعد أن حدثته عن أوضاعنا وحياتنا الخاصة أن أنتقل أنا وأنت لنقيم في شقة ضمن عمارته التي تضم منزله وعيادته، وذلك حتى يتسنى لنا استغلال الوقت وتنظيمه بما يناسب ظروفي وظروفه ويحقق طموحي في أفضل صورة ممكنة.
    - ضربت الأم صدرها في جزع وهتفت كالملسوعة:
    - ماذا؟.. نترك بيتنا؟!.. نترك هذا البيت العامر بالذكريات؟؟!...
    ثم أردفت وقد تهدج صوتها ولمعت عيناها بالدموع:
    - أنترك البيت الذي عشت فيه أحلى ايام عمري مع أبيك؟.. أأنرك الحديقة التي غرس أشجارها بيديه الطاهرتين؟...
    إنه ليصعب عليّ أن أفارق هذا البيت العزيز على نفسي فلا تحرجني يا بني.. بالله عليك؟
    خفق قلب عصام إكباراً لهذا الوفاء وقال وقد أحسّ بغصة في حلقة:
    - لم أكن أتصور أنك تتعلقين بهذا البيت إلى هذا الحد!.
    ثم قال بعد أن مالت نفسه إلى الهدوء:
    - أماه.. إنني أكنّ في نفسي المشاعر ذاتها، ولكن يجب أن لا تكبلنا الذكريات فالحياة تمضي بسرعة عجيبة، وإن لم نواكب حركتها ركلتنا إلى عالم النسيان.
    - فلتواكبها في هذا البيت وتريحني.
    - لكن الدكتور إياد مصر على الفكرة، وإذا لم توافقي فسيتدخل بنفسه ليرجوك أن تسمحي بذلك.. هكذا قال لي فلا تحرجيني معه.
    قالت الأم وقد حارت في أمرها:
    - لقد أوقعني في حيرة شديدة، فلست بقادرة على ترك البيت ، ولا أرضى أن أكون عقبة في طريق مستقبلك، ثم لا يمكن أن أسكن في بيت دون أن يكون ملكي أو أدفع أجره ، هذا أمر لا أتنازل عنه بحال ...
    - لقد وضحت للدكتور إياد ووعدني بتسوية الأمور المادية بما يناسب الضروف، المهم عندي أن تقتنعي بأن هذا الحال سيساعدني على تحقيق المستقبل الذي أبغيه... أرجوك...
    قالت الأم وقد بدأت تستسلم لإرادته:
    - أنت الرجل هنا فقرر ما شئت...
    - ما كنت لأقرر أمراً ما لم يكن ممهوراً برضائك، وإذا كنت أنا الرجل في هذا البيت فأنت أمه الغالية التي لن أخالف لها في النهاية أمراً أو رغبة.
    - الله يرضى عليك...
    - هذه الكلمة تسحرني ... هه، ماذا قلت؟
    - ماذا أقول؟.. لقد حاصرتني بأسلوبك العذب الجميل... مثل كلمة مرة.
    - ما ذنبي إذا كنت تملكين قلباً كبيراً يتسع لكل مشاكلي، ويستجيب لكل رغباتي... هل أفهم أنك موافقة؟
    قالت الأم وقد أسقط في يدها:
    - موافقة، ولكن... ماذا سنفعل بهذا البيت؟
    - فكّر عصام ملياً ثم قال:
    - سنتركه إلى حين.. ثم نعود إليه ما دام يهمك إلى هذا الحد. أماه.. لن أحرمك من موطن ذكرياتك الغالية.. أعدك بأنني سوف أستقر معك بعد أن أعود من دراستي في الخارج وسترين فيه أحفادك الذين سيملؤونه عليك أنساً وسعادة...
    ضحكت الأم وقالت:
    - على رسلك يا عصام.. لا تسرف يا بني في الوعود، فلا تعرف ماذا سيحمل لنا الغد. المهم أني واثقة بتصرفاتك ورجاحة عقلك، فافعل ما بدا لك.. الآن، وفي المستقبل.
    - سأكون عند حسن ظنك بي.. إن شاء الله.
    - إن شاء الله.. سأحضر الشاي..
    * * *
    استرخى عصام على كرسيه بانتظار الشاي. بيد أن ذكرى والده حطت فجأة في ساحة خواطره فعصفت بكل سعادته:
    - (( رحمك الله يا والدي.. ماذا لو كنت معنا الآن؟..
    كنت أود لو رافقتني في رحلة الحياة، لأنعم بقربك الحبيب وأستظل بعطفك وحنانك.. أستمد منك التشجيع.. وأستلهم من تجاربك الثرية خطواتي إلى المستقبل... ))

    وانتبه عصام على خطوات أمه حين عادت، فأرسل ابتسامة عريضة أخفى تحتها ملامح الحزن التي كانت تغضن وجهه ثم قال وهو يتناول فنجانه:
    - أماه.. هناك.. هناك سرّ أود أن أبوح به إليك.
    - سر؟!.. عساه خيراً...
    قال عصام بنبرة هامسة:
    - لقد وجدتها.
    - من ؟
    - بنت الحلال...
    هتفت الأم في لهفة:
    - بنت الحلال؟.. أصحيح ما تقول؟ لعلك تمزح!.
    ثم تابعت وهي تجلس قربه في فرح عارم:
    - قل لي من هي؟ خبرني بالله عليك.. ما أوصافها؟ وكيف تعرفت عليها؟ من هم أهلها؟ هل هي جميلة؟؟ ما لك صامت لا تتكلم؟!...
    ضحك عصام من أعماقه واستغرق في الضحك حتى دب الألم في خاصرته بينما تابعت الأم في توسل باسم:
    - هيا خبرني أرجوك، فقلبي يشتاق إلى هذه اللحظة منذ أمد بعيد.
    قال عصام وهو يحاول أن يتمالك نفسه:
    - رويدك يا أماه... رويدك..
    - هيا تكلم؟ فأنا في لهفة لمعرفتها، هيا ...
    - لقد أغرقتني بأسئلتك، فلم أعد أدري على أيها أجيب، ولكنّ الأهم من كل ذلك أنها دخلت قلبي منذ زمن، فارتاحت لها نفسي، واقتنعت بها شريكة حياتي.
    لكزته الأم في صدره وهمست في عتاب:
    - أيها الماكر!.. منذ متى تكتم أسرارك عني؟! يبدو أن بنت الحلال هذه قد خطفتك مني دون أن أشعر.
    - ((ماما أنت الأصل)).. ((أنت الكل بالكل)).. تأكدي أن قلبي يتسع لكما معاً دون أن تزاحم إحداكن الأخرى.. بل إن لك فيه المكانة الأكبر والأقدس...
    - كل الشباب يقولون هذا قبل الزواج، ثم لا يلبثون أن يتغيروا!.
    - إلا أنا.. صدقيني يا أماه...
    - لنرَ.. والآن حدثني عنها لأختبر ذوقك؟
    - إنها سامية بنت الدكتور إياد.
    - بنت الدكتور إياد!!.. الآن فهمت سر هذا الحب الذي تكنه لهذا الدكتور، وسر ذلك الشرود الذي يغشاك بعد أن تحدثني عنه.. يا لسذاجتي وغبائي!!... كيف لم أفطن لهذا؟!..
    ابتسم عصام ولم ينبس فألحت الأم من جديد:
    - لم تصفها لي بعد؟...
    - أهم صفاتها أخلاقها... حشمتها... تربيتها... وعيها...
    - أريد شكلها.. كيف شكلها؟
    - إنها بيضاء البشرة.. شقراء الشعر.. هيفاء القد.. متناسقطة التقاطيع.. عيناها عسليتان واسعتان تطل منهما براءة وادعة كبراءة الأطفال، وفي وجهها الأبيض المورد صفاء ساحر يأسر القلوب، لكن هدوءها الوادع يا أمّاه أجمل ما فيها.. لكأنها ملاك في صورة أنثى من البشر!..
    ابتسمت الأم وهي تصغي لابنها يتحدث بلغة العاشقين فقالت تستفزّه:
    - لقد علمت منك ذات مرّة أنها في صفك بالكلية.. هذا يعني أنها في مثل سنّك.. إنها كبيرة بالنسبة لك يا بني، فالنساء يهرمن قبل الرجال...
    هتف عصام محتجاً:
    - ((ماما)).. إنك تطلبين الكمال، الفتاة تعجبني وأنا مرتاح إليها كل الإرتياح، وسوف تشاركيني رأيي عندما ترينها!..
    ضحكت الأم وقالت وهي ترنو إليه في حنان:
    - إنك تدافع عنها بحماس!..
    ثم تابعت في مرح وهي تربت على كتفه في ود رفيق:
    - لا عليك يا بني... الأمهات كلهن هكذا... يردن لأبنائهن أجمل الفتيات وأكملهن، هل أخطبها لك؟
    - ليس الآن.. انتظري حتى أسوي أموري مع الدكتور إياد.
    - إذن لتسوها بسرعة، حتى أمسي قريبة من ((كنتي)).
    رفع عصام حاجبية في دهشة وقال:
    - لو كنت أعلم أن موضوع الخطبة يستولي على اهتمامك بهذا القدر لكنت حدثتك به قبل أن أطرح عليك اقتراح الدكتور إياد، ولوفرت على نفسي عناء إقناعك به.
    ضحكت الأم قليلاً، ثم ما لبثت أن مالت إلى الهدواء وقد اجتاحها حزن جارف بعد أن حرك موضوع زواج عصام جذور ذاكرتها، ونكأ جرحا قديماً يأبى أن يندمل فأرسلت تنهيدة عميقة وشت بما يعتمل في أغوارها وقالت في هدوء حزين:
    - (( كنت أتمنى لو كان أبوك ما زال على قيد الحياة.. إذن لكانت فرحتي بلا حدود...)).
    أحس عصام بما تكابده أمه من أحاسيس الحسرة والمرارة فاقترب منها مواسياً وطبع على جبينها قبلة حانية، ثم همس بنبرات متوسلة:
    - ((ماما)).. أرجوك ألاّ تسرفي في تذكر الماضي... إنك ترهقين نفسك بالأحزان.. ابتسمي.. ابتسمي أرجوك...
    رفعت الأم إلى ابنها نظرات مثقلة بالهم والأسى، وقد بانت في عينها كآبة عميقة. حاولت أن تبتسم، لكنها راحت في بكاء شديد...
    * * *












    الفصل السابع
    دفاتر ((محاضرات)) عصام مشهورة في كلية الطبّ شهرة عصام نفسه، ويعتمدها طلاب صفّه كما يعتمدون كتب أساتذتهم المقررة، ويتمنون أن يحصلوا عليها أو على صورة عنها ليدرسوا محاضراتهم منها، ذلك أنَّ عصاماً كان يعتني بدفاتره اعتناءً فائقاً، وينتهج في إعدادها منهجاً ذكياُ بارعاً، فهو ينقل المحاضرات من أفواه الأساتذة المحاضرين فلا تفوته فكرة أو ملاحظة مهما كانت بسيطة إلاّ دونها، ثم يمضي إلى بيته فيقرأ المحاضرة إياها في الكتاب المقرر، ثم يراجع موضوعاتها في المراجع الطبية الموسعة، ثم يصيغ المحاضرة من جديد بأسلوبه الأدبي القوي المتميز، فينسق بين أفكار الأستاذ المحاضر ومعلومات الكتاب المقرر ومعارف المرجع المناسب، ويرتهبا بشكل واضح مترابط ويدعمها بالرسوم الملونة المعبرة، ويخرجها إخراجاً أنيقاً جذاباً...
    وبالرغم من اعتزاز عصام بمحاضراته تلك وحرصه البالغ عليها، فإنه لم يحدث يوماً أن امتنع عن إعارتها لطالب من زملائه أيّاً كان... فكان الطلبة يستعيرون منه ((المحاضرات)) فينسخونها أو يصورونها ثم يعيدونها إليه شاكرين...
    وكان صفوان -كغيره من الطلبة- يعرف قيمة ((محاضرات)) عصام ويدرك فائدتها ويتمنى أن يحصل عليها لافتقاره إلى محاضرات وافية بسبب بطء نقله للمحاضرات من أفواه المحاضرين وانشغاله بالثرثرة والشغب أثناء المحاضرات، لكنه بالرغم من حاجته إلى محاضرات عصام وميله لاستعارتها فإنه لم يلجأ يوماً إلى طلبها من عصام مباشرة، يمنعه كبر واستعلاء واعتزاز مفرط بالذات يأبى عليه أن يطلب شيئاً من إنسان يكرهه ويحسده على التفوق والشهرة والاحترام الذي يتمتع به في أوساط الكلية، لذلك فقد كان يلجأ إلى ((مجدي)) الذي تربطه علاقة مزدوجة مع الطرفين، فيحرجه بأسلوبه الماكر السمج، ويكرهه على إعارته ((محاضرات)) عصام كلما استعارها مجدي من عصام، وكان عصام يعرف أسلوب صفوان هذا فلا يأبه له، فما يهمه بالمقام الأول أن تعود إليه محاضراته سليمة ليدرس فيها ويحافظ عليها.
    وذات يوم استعار صفوان ((محاضرات)) عصام من مجدي ومضى بها إلى شقته بصحبة شلته العابثة التي تلتف حوله، وما إن وصلوا إلى الشقة حتى ألقوا كتبهم ودفاترهم ونثروها في كل مكان، ثم هرعوا إلى الثلاجة فأخرجوا منها زجاجات ((الويسكي)) وجلسوا يحتسونه وسط جو صاخب هازل تتعالى فيه الضحكات المجلجلة وتشيع فيه الدعابات السخيفة وتسود فيه الكلمات والعبارات البذيئة وتتخلله النوادر القذرة.. ودارت بينهم الكؤوس تلو الكؤوس فدارت معها الرؤوس وغادرت عقولهم دائرة الوعي إلى عالم الوهم واللامعقول، وهاموا بخواطرهم المخمورة في دنيا مزيفة فشعروا أنهم في عالم خاص يملكونه وحدهم ويتربعون على عرشة بلا منازع فلا ينافسهم عليه أحد.. واستبدت الخمرة بعقولهم فربط أحدهم حول خصره منديلاً، وأخذ يرقص في خلاعة الراقصات بينما التف الجميع من حوله يغنون ويصفقون ويضحكون..
    وحانت من صفوان التفاتة إلى دفتر محاضرات عصام الذي استعاره من مجدي فقرأ عليه اسم عصام فذكره عقله الباطن بحقده على هذا الخصم اللدود الذي يكرهه فتناول الدفتر في اشمئزاز ونظر إليه في بلاهة وقلّبه في قرف، ثم رفعه في مشقة وقال والكلمات تترنج على شفتيه:
    - هل تعلمون لمن.. هذا الدفتر؟
    فأجابه أكثر من صوت:
    - إنه لك.
    فضحك صفوان طويلا ثم قال:
    - لا .. إنها للسيد عصام.. إنها للسيد ((كومبيوتر))..قال كمبيوتر قال...
    انفجر الجميع ضاحكين بينما تابع صفوانوهو يحك رأسه بيد ثقيلة وأصابع ضعيفة تميل نحو الإسترخاء:
    - لماذا لا يسكر عصام مثلنا؟..
    أجابه أحدهم وهو مستلق على الأرض
    - لأنَّه.. لأنِّه أهبل...
    ضحك الكل في صفاقة بينما أردف صفوان ورأسه يترنح على إيقاع كلماته:
    - حسنا.. ما رأيكم لو.. جعلته يسكر معنا؟!..
    تعالت الأصوات من حوله:
    - وكيف؟.. كيف ذلك؟..
    أجاب صفوان وهو يتناول زجاجة ((الويسكي)):
    - بسيطة.. هذا دفتر عصام، وهذه زجاجة ((الويسكي))...
    ثم أردف وهو يريق الزجاجة على الدفتر:
    - وهكذا سوف يسكر عصام...
    وتعالت الصيحات والضحكات بينما انساح السائل الأصفر الكريه فوق الدفتر الأنيق، فابتلت أوراقه وماعت حروفه وتداخلت الألوان على أوراقه النظيفة وأصيب الدفتر بالتلف والفساد، وحمله صفوان برؤوس أصابعه وهو مستغرق في الضحك ثم ألقاه وراء ظهره وكأنّه يرمي شيئاً وسخاً يخشى أن يلوثه، ثم تابع سهرته الصاخبة مع أصدقائه..
    وفي اليوم التالي استيقظ صفوان وقد عاوده وعيه فرأى دفتر عصام ملقى على الأرض وقد أتلفه البلل وأفسد محتواه فحركته بقدمه باحتقار ورفع كتفيه في لا مبالاة غير مكترث بما حدث وعندما جاءت الخادمة التي تنظف له الشقة كل يوم وترتبها، سألته عن قيمة هذا الدفتر الملقي على الأرض وماذا تفعل به، فضحك في شماتة وأوصاها أن ترميه في سلة المهملات.
    وذهب صفوان إلى الكلية فاستقبله مجدي بالسؤال:
    - أين دفتر المحاضرات يا صفوان.. إن عصاماً يسأل عنه!.. ابتسم صفوان ابتسامة باهتة وقال في برود:
    - لقد ضاع.
    - ضاع؟.. كيف ضاع؟..
    - ضاع والسلام..
    - صفوان لعلك تمزح!..
    - أنا لا أمزح.. هذه هي الحقيقة.
    فقال مجدي غاضباً وهو يشعر بالإحراج الشديد؟
    - والآن!.. ماذا سأقول لعصام؟
    - قل له إنَّه ضاع..
    هتف مجدي محتداً:
    - بهذه البساطة!.. يا لبرودة أعصابك يا أخي.. اسمع.. أنا لا أتحمل مسؤولية ما حدث فلا تحرجني مع عصام.
    قال صفوان في سخرية وحنق:
    - حسناً.. حسناً.. أنا سأخبره بذلك؟
    ومضى الاثنان إلى عصام فاستقبلهما بالبشاشة والترحيب فقال له صفوان في تعالٍ ساخر:
    - عصام.. لقد استعربت دفتر محاضراتك من مجدي وقد ضاع مني فلا أدري أين ذهب؟
    ثم تابع متضاحكاً وقال كالهازئ:
    - بسيطة.. أنت طالب مجدّ ولا تحتاج إلى دفتر.. لا بد أنك تحفظ المحاضرات عن ظهر قلب.. أليس كذلك؟
    - لم ينزعج عصام لفقدان دفتره العزيز على نفسه بقدر ما ساءته تلك اللهجة الوقحة المتكبرة التي خاطبه بها صفوان، لكنه تمالك أعصابه وكظم غيظه وقال في ابتسام:
    - وماذا في ذلك؟ المهم أن تكون قد استفدت منه.
    - ((مرسي)).. ((مرسي)) يا عزيزي.. إن معلوماته رائعة..
    قال عصام وهو يرميه بنظرة ذات معنى:
    - على أية حال إن احتجت لدفاتري فلا تتأخر.. إنها جاهزة في كل وقت.
    ومضى عصام وهو يخفي تحت هدوئه الذي صفع به صفوان ثورةً وألماً أراد أن يعلمه بكبتهما درساً في المعاملة والسلوك سرعان ما وجد طريقه إلى نفس صفوان بالرغم من كل سدود الحقد والحسد والكراهية التي تقوم فيها إزاء عصام، لكنه قال لمجدي متظاهراً بالسخرية حتى لا يعترف بإعجابه بهذا التسامح الذي أبداه عصام:
    - إن صاحبك هذا أبله!.. أقسم أنَّه أبله!!
    رمقه مجدي بنظرات ثائرة مستاءة وراودته نفسه أن يلكمه، لكنه تمالك أعصابه وألجم قبضته المكورة في غيظ ومضى غاضباً وقد شاع في صدره إحساس من يشعر بميل جارف إلى الإقياء...
    * * *






    الفصل الثامن
    وصل عصام إلى عيادة الدكتور إياد وطلب من الممرضة أن تخبر الدكتور بحضوره حسب موعد كان قد تم الإتفاق عليه بالهاتف فطلبت منه الإنتظار قليلا ريثما تخبر الدكتور بوصوله..
    وجلس عصام إلى إحدى ((الكنبات)) الفاخرة المبثوثة في غرفة الإنتظار، فشعر بجسده يغوص في فرشها الوثير، فاسترخى عليه في راحة لذيذة وأرسل نظراته المستطلعة تجوب أثاث العيادة الفخم بإعجاب. وعلى إحدى الطاولات الصغيرة لاحظ مجموعة من المجلات، فمال قليلا ليتناول إحداها، لكنه أحجم عندما رأى الممرضة قادمة بالجواب، وقد تبعها مريض أنتهى لتوه من مقابلة الطبيب، وهو يستند على كتف مرافق له من شدة الإعياء.
    ودعته الممرضة للدخول.. فتقدم من الباب الذي كان منفرجاً قليلاً فبدا له الدكتور إياد منهمكا بتدوين شيئ ما وقد جلس وراء مكتبه الأنيق، فنقر على الباب بظهر سبابته ثم دخل وسلم عليه فهب الدكتور إياد لاستقباله وصافحه في ود مرحباً بقدومه ودعاه للجلوس، ثم ما لبث أن عاد إلى عمله بعد أن طلب منه أن يمهله ريثما ينتهي من تدوين بعض الملاحظات في ملف المريض الذي خرج، فأجابه إلى طلبه وجلس ينتظر وقد هامت نظراته في أرجاء العيادة من جديد، فلفتت انتباهه لوحة كبيرة كتب على قماشيه المخملي الأحمر بخط ذهبي لامع آية قرانية تقول:
    ((وإذا مرضت فهو يشفين)).
    وحول الآية شاهد عصام مجموعة من الشهادات العالمية وقد حفت بها كحناحين، فأخذت عيناه تلتهمان ما كتب على الشهادات المعلقة بفضول جارب..
    - ((هذه شهادة (البكالوريوس)،.. وهذه شهادة (الماجستير).. وهذه شهادة (الدكتوراة)... وهذه... آه...
    هذا هو (البورد) الذي حصل عليه.. يا للروعة.. وتلك.. تلك هي شهادة زمالة.. صحيح.. إنه زميل في الجمعية الأمريكية للسرطان.. وتلك الصورة.. لا بد أنها صورة تذكارية لمراحل دراسته المختلفة.. أما تلك الصورة القديمة التي بدا فيها الطلبة بلباسهم القديم الذي انقرضت (موضته) اليوم فهي لا بد وأنها تضم خريجي دفعته الذين حازو على (البكالوريوس).. آه.. يا لهذا الأستاذ الكبير.. تراني متى سأصبح مثله؟!

    قال الدكتور إياد وهو منهمك بإعداد الملف:
    - هذا المريض المسكين الذي خرج منذ قليل..
    - ما قصته؟
    - مصاب بسرطان الرئة.. لا أعتقد أنه سيعيش كثيراً رغم اكتشافي المبكر للمرض!.
    - لا شك بأنه مدخن.
    - هو كذلك.. إنه مدمن على التدخين.
    - عجيب أن لا يعتبر الناس بأمثاله.. يحرقون أموالهم وأرواحهم بأيديهم..
    - ماذا تفعل؟.. هذا زمن المفارقات.. يبيعون السجائر بالملايين ويروجون لها بكل وسائل الدعاية وفنونها، ثم تقرأ على أغلفة علب السجائر تحذيرا يقول: ((الدخان سبب رئيسي لسرطان الرئة وأمراض القلب والشرايين فاجتنبوه)).
    - شر البلية ما يضحك.
    - ليتها بلية واحدة.. إنها بلايا..
    - ما يرعبني أن التدخين استشرى في أوساط المراهقين..
    توقف الدكتور إياد من الكتابة وقال:
    - ليت الأمر يقف عند التدخين.. اسأل الآن عن المخدرات!.. المخدرات بدأت تتسرب إلى مجتمعنا وتهدد شبابنا.
    - إنها ضريبة التلخف..
    - بل هي أمراض الحضارة.. نتلقفها في غباء.. تحملها إلينا الأفلام الماجنة والقصص الرخيصة، وتروج لها نفوس مريضة وعقول هدامة تنفث سمومها هنا وهناك، لتقتل خلايا العافية التي بدأت طلائعها تتشكل في جسم مجتمعنا المريض.
    ثم أردف الدكتور وقد ألمت به فكرة طارئة:
    - بالمناسبة.. عندي معلومات مثيرة عن صفوان..
    - تقصد..
    - أجل.. زميلكم ((صفوان)).. جاءني ضابط في الشرطة منذ فترة ليعالج والده عندي.. وبعد أن تعارفنا سألني فيما إذا كنت أعرف طالبا في كلية الطب بإسم ((صفوان الناعم)) فأجبته بأنه طالب عندي ولا يشرفني أن أكون أستاذه، فأيدني في رأيي وروى لي أنهم اكتشفوا بحوزته كمية من المخدرات جلبها معه من ((إيطاليا)) بعد أن قضى فيها إجازة الصيف الماضي وكاد أن يدخل السجن لكن والده سارع لإنقاذه بما يملك من مال ونفوذ وقد أفلح..
    هتف عصام في إنكار:
    - بهذه البساطة؟!.
    ارتسمت على شفتي الدكتور ابتسامة ذات معنى وقال وهو يستأنف الكتابة:
    - ما خفي كان أعظم.. لقد بات المال يوجه ضمائر الكثيرين. إنه حديث يطول.. عن إذنك، ها قد أوشكت على النهاية.. سرح عصام بخياله يفكر في أمر صفوان، لكنه لم يستغرب ما سمعه عنه، فشاب في أنانيته وغروره لا شك بأنه عاجز عن كبح أي ميل أو هوىً قد يولد في نفسه مهما كان نوعه، وقد سمع عن المخدرات وما تفعله المخدرات فاستهوته التجربة فمضى فيها دون أن يردعه عقل أو إرادة أو ضمير.. ولم يجد عصام في اهتمامه حيزا أكبر من هذا يتسع لصفوان فأهمل ذكره، واستجاب لخواطره التي راودته من جديد، وانطلقت نظراته تستطلع معالم هذه العيادة الجميلة الأنيقة، لتقف عن المكتبة الفاخرة التي صنعت من الخشب النفيس، وصممت بذوق وإتقان بديعين، وقد رصفت وراء زجاجها البراق مجلدات ضخمة تضم أشهر المراجع الطبية العربية والأجنبية. كما رأى رفاً كاملا من المجلدات الطبية والعالمية، وإلى جانب المكتبة رأى خزانة كبيرة من الزجاج وقد غاصت بالأدوية والعقاقير المختلفة، وحانت منه التفاتة إلى الخلف فرأى سريراً طبياً حديثاً، وإلى جانبه منضدة طويلة احتشدت عليها الأدوات الطبية المختلفة. وبعد أن استرجع نظراته المتأملة أرسل تنهيدة صامتة وغاب في خضم الأحلام الواعدة..
    (( عندما سأفتح عيادتي سأستعين بنموذج هذه العيادة الفخمة مضيفا إليها أحدث ما جاءت به معارض الأثاث ((والديكور)).. آه.. متى سيأتي ذلك اليوم السعيد؟.. متى ستحين لحضات الحصاد الكبير؟. ومتى سأقطف الثمار؟.. ثمار التعب المتواصل والإنتظار الطويل!. بودي لو تدور الأيام بسرعة لأجد نفسي طبيبا كبيرا تقتحم شهرته الآفاق، وتغص عيادته الفخمة بالمرضى القادمين من كل مكان، يطلبون الشفاء على يديه، ويتحدثون عن نجاحه ومهارته وإخلاصه، ويغبطونه على ما أنعم الله عليه من النعم الكبيرة. ستكون عيادتي وسط المدينة وفي أرقى أحيائها.. ستكون عيادة فخمة مجهزة بأحدث الأجهزة والمعدات، ولكن.. يا لها من فكرة.. لماذا لا أفتح مستشفى لمعالجة أمراض السرطان.. مستشفى حديث يكون الأول من نوعه في البلاد.. يعمل فيه المتخصصون في هذا المجال.. سأعمل فيه أنا وسامية وسعد وبقية الأصدقاء.. يا لها من فكرة رائعة، ولكن من أين نأتي بالمال.. إنه مشكلة المشاكل.. ما أروع المال والطموح إذا اجتمعا لا سيما إذا كان الطموح إنسانيا ومفيداً يعود بالخير على جميع الناس.. المال!.. المال!.. من أين نأتي بالمال؟.. لا بأس سيفتح الله عليَّ فأجني ثمار نجاحي، فتدرّ علي عيادتي المرتقبة ثروة كبيرة أبذلها وقودا لحلمي الكبير.. حتى ولو لم تدرّ علي الدخل المأمول.. سأبيع أرضنا التي في الريف، وسأطلب مساهمة الأصدقاء وتعاونهم.. سيكون اتحادنا قوة ترفد أحلامنا وتبعث فيها الحياة و.. لماذا لم أفكر في هذا من قبل؟.. سألجأ إلى عمي المقيم في الأرجنتين وأطلب مساهمته فهو تاجر ناجح تتدفق الأموال بين يديه، وهو لن يخذلني.. ألم يقل لي في رسالته الأخيرة أنه يعتبرني بمثابة ابنه وأنه مستعد لتلبية كل ما أطلب؟.. وأنا لن أطلب منه طلبا شخصيا.. إنه طلب إنساني من أجل مشروع وطني خيري يعود بالفائدة على كل الناس.. كما أنه سوف ينال نصيبا من الأرباح التي سيعود بها المشروع.. فكرة عظيمة تستحق التفكير وسأبدأ بالإعداد لها من الآن، سأقنع الأصدقاء بالإهتمام بهذا الإختصاص حتى تتوفر لدينا الخبرات الكافية، ولكن.. لماذا أذهب بعيدا.. هذا هو الدكتور إياد.. لا شك بأنه سيرحب بهذه الفكرة ويدعمها إلى أبعد الحدود.. لا شك بأنه فكّر بها من قبل،.. لاسأله.. هذا الرجل العظيم.. إنه مهندس أحلامي وطموحاتي)).
    طوى الدكتور إياد الملف، ووضعه جانبا، ثم أعاد القلم إلى حاملة الأقلام، ونزع نظارته وقال وهو يجلو ناظريها:
    - أهلا بك يا بني.. ها قد فرغت لك.. ما أخبارك؟
    - لقد عرضت الفكرة على الوالدة فوافقت بها بعد حوار طويل. إنها تشعر بالأسف الذي شهد أحلى ذكرياتها مع الوالد رحمه الله.
    - رحمه الله.. إنني أفهم موقفها. إنها على ما يبدو امرأة شديدة الوفاء. المهم أنها وافقت..
    - ولكن شريطة أن تتقاضى منها أجراً على السكن.
    - هل تريدني أن أتقاضى أجرا على ضيافتكم عندي؟.. هذا لا يكون أبدا..
    - دكتور إنك بهذا تعقد الأمور..
    - لكني أنا الذي دعوتكم للسكن، ولستم أنتم الذين طلبتم ذلك.. فرق كبير يا بني بين الأمرين، كما أن السبب الذي طلبت من أجله انتقالك إلى جانبي سبب قوي تتضاءل أمامه قضايا المادة. لن أعيد ذلك في كل مرة، ثم أن الأمر ليس إحسانا فأنتم على ما فهمت منك في حالة مادية مريحة والحمدلله. لقد قصدت بإقتراحي توفير الوقت والجهد.. إنني من أنصار الحلول الحاسمة.. الحلول العملية التي تتجاوز المجاملات والإعتبارات الشخصية، لا سيما عند توفر الثقة والتعاون والإنسجام.
    حار عصام في أمره فكلمات الدكتور إياد منطقية ومقنعة، لكنه يصعب عليه أن يقنع بها أمه التي نمت كبرياؤها مع الأيام، فلم ترضى من أحد شفقة أو مساعدة، حتى كلمات المواساة ترفضها من الناس، وكأنها تريد أن تثبت لهم أنها قوية في غياب زوجها كما كانت في ظلاله، فكيف يقنعها أن تسكن في بيت ليس ملكها دون أن تدفع أجرته؟.. كيف سيتحايل على حساسيتها المفرطة التي تحمِّ كل تصرف أكثر من معناه؟!.
    وأحس الدكتور إياد بحيرة عصام فأدرك أنه لن يستطيع أن يستمر مع أمه إلى أبعد مما وصل إليه فقال بعد تفكير وقد وجد حلا:
    - إسمع.. لدي فكرة مناسبة.. فكرة ترضي الطرفين.. سأتقاضى أجرا لسكنكم عندي، سآخذ منكم الأجر الذي تؤجر به أي شقة في حجم شقتي ومستواها، ولكن بشرط أن تتقاضي مني أجراً لقاء دوامك في عيادتي.. سأعطيك الراتب الذي يتقاضاه عادة أي طبيب متمرن في المستشفى، هذا كلام نهائي لا رجعة فيه.
    - أستاذ إنك تحرجني بهذه العروض، تكفيني الخبرة التي ستقدمها لي أجرا يفوق كل أجر.. يكفيني اهتمامك الأبوي الغامر الذي يزرع في نفسي الثقة ويدفعني قدما إلى الأمام..
    - إني أعطيك الخبرة وأمنحك الإهتمام كأستاذ يتوجب عليه ذلك.
    - لكنك تفعل أكثر من الواجب؟.
    - ((وأنت ستبذل أكثر مما يبذله أي طالب.. سوف تبذل جهداً يستحق المكافأة، لعلك لا تدرك العناء الذي ينتظرك عندما ستعمل معي.. لن أرضى منك أقل من أربع ساعات من العمل المتواصل بالرغم من كل مشاغلك والتزاماتك الأخرى، فلا أقل من أن تأخذ ثمنا لبعض الجهد الذي تقدمه.. صدقني سأعتمد عليك كثيرا في عملي)).
    - أرجوك أن تعفيني من هذا الأمر.
    - هل تضيفون في شقتي دون أجر؟
    - هذا أمر وذاك غيره..
    - أبداً، إنها المعاملة بالمثل.
    كابد عصام حيرة شديدة لاحت معالمها على وجهه فقال وهو يداري ارتباكه:
    - أجد صعوبة في القبول بشروطك.
    - هل لديك حل آخر؟
    - في الحقيقة لا أدري ماذا أقول؟؟
    - لنقل على بركة الله الوقت جداً قصير والفكرة تشكل أنسب صيغة للتعامل بيننا دون حرج.. ماذا قلت؟
    تردد عصام قائلا ثم همس بنبرة مستسلمة:
    - على بركة الله..
    - قال الدكتور إياد محاولا تخفيف وطأة الإرتباك والحياء اللذين سيطرا على عصام:
    - ((لا عليك يا بني.. عما قريب بإذن الله ستقدم لي أعظم مكافأة عندما أرى فيك شبابي الغابر الذي طواه المشيب.. عندما كنت في مثل سنك كانت لي طموحاتي الكبيرة وآمالي العريضة، لكني لم أجد من يشجعني ويوظف طاقاتي ويطورها كما أنوي أن أفعل معك من خلال تجربتنا هذه.. عملت جهدي حتى وصلت إلى ما ترى والحمدلله، لكنَّ ما وصلت إليه لا يساوي شيئاً أمام ما كنت أحلم به، لكنك أنت ستصل إلى أبعد مما وصلت إليه أنا. إنِّي واثق من ذلك لأنني سوف أقدم أقدم لك تجرتبي الكاملة,, سأدلك على مواطن الضعف فيها لتتجنبها، وسألفت نظرك إلى معالم النجاح فيها لتتمثلها.. لنسمِّ هذا عملية تواصل بين جيلي وجيلك، فلا بد للأجيال من تبادل التجارب وتناقلها.. هذا أمر مهم لعملية التنمية ولو أن كل جيل مدَّ الذي يليه بمعارفه وخبراته، إذن لقرأنا في حركة أمتنا قصة المد الصاعد نحو العلاء.. عصام.. إنني أبني عليك الآمال.. )).
    نقلت كلمات الدكتور إياد عصاماً إلى عالم آخر بعد أن جردته من ارتباكه وخجله فهام في خواطره، وتراءى له المستقبل بكل ما يحمله من ازدهار، وتحركت في أعماقه أشواق غامضة هي أقرب إلى النشوة، وأحس في كيانه نشاطاً يدفعه للعمل والكفاح، وهمّ أن يمضي من لحضته ليقوم بما تمليه عليه طاقته الكامنة التي تحفزت للعمل، لكنه تذكر فكرة المستشفى الذي خالطت خياله منذ قليل فقال:
    - دكتور، هل فكرتم بإنشاء مستشفى متخصص بمعالجة السرطان في البلد؟
    ابتسم الدكتور وقال:
    - لا أكتمك بأني فكرت بهذا الأمر –أنا وبعض أصدقائي- إنها أمنية تداعب خيالنا منذ زمن بعيد ولكن الوقت ما زال مبكراً لتحقيقها، لأن كوادرنا الطبية المهتمة بالسرطان قليلة، كما أن تكاليف هذا المشروع باهضة جداً.. إنها تتطلب إمكانيات هائلة.
    - ولكن الدولة لديها إمكانيات تفي بالغرض..
    - ((ليس بالضبط.. لقد بحثت الأمر مع وزير الصحة بالذات، فأخبرني بأن ميزانية الدولة في الوقت الحالي لا تسمح بذلك وتكتفي الحكومة في الوقت الحاضر بافتتاح فروع في المستشفيات الكبرى لتشخيص ومعالجة السرطان، لكنها لا تكفي.. إننا فعلا بحاجة إلى مستشفى مجهَّز بأحدث التجهيزات الطبية الشعاعية والنووية والجراحية إضافة إلى مخابر الأبحاث الحديثة والكفاءات الطبية الفنية الماهرة..)).
    قال عصام وقد شعر بالأسف:
    - الضعف الإقتصادي يقف دائماً عقبة في طريق تطورنا!.
    - ماذا تفعل؟.. ومع ذلك ترى مجتمعنا متهافتا على الكماليات ومستهتراً بالأهم.
    - شئ مؤسف. الأمر على ما يبدو أصعب مما تخيلت!..
    - لا عليك.. لدي إحساس بأن مثل هذا المشروع سيقوم يوماً.. لعله يقوم على أيديكم...
    وقطع حديثهما قرع خفيف على الباب وأطلت منه الممرضة قائلة:
    - لقد جاء المريض في موعده فهل أدعه ينتظر؟
    - ((بل دعيه يدخل. هذا حقه والدكتور عصام سيعذرنا بلا شك)).
    قال عصام وهو يهم بالنهوض:
    - طبعاً.. طبعاً، أستأذنك الآن بالإنصراف..
    - تفضل، ولكن لا تنسَ.. سيبدأ مشروعنا منذ الغد فلتوطن نفسك على دأب طويل. أما بالنسبة لموضوع السكن فالشقة في انتظاركم ولا مناص لك من الموافقة؟..
    - إن شاء الله.. والآن وداعاً..
    - بل إلى اللقاء...
    * * *










    الفصل التاسع
    في حديقة الجامعة يحلو اللقاء، لا سيما في فصل الربيع الذي يحفها بهالة من الروعة والجمال، تفتن الناظر، وتشده إليها ليستمتع بخضرتها الخلابة، ويغرف من عبقها الفواح فيغسل به روحه المتعبة من أدران الحياة...
    وبين أزهارها المتألقة، وفي ظلال أشجارها الباسقة، وعلى بساط سندسي ممتد من الحشائش الخضراء كان الطلبة يتحلقون في مجموعات منسجمة، غارقين في أحاديث شتى.. عن الجامعة.. وعن المستقبل.. وعن الحياة بكل ما فيها، يطرحون المشاكل ويتبادلون الآراء، وتند عنهم الصيحات والضحكات التي تضفي على جو الحديقة حياة فريدة، تبعثها أرواح شابة تخفق بأعذب الأحلام والآمال وهي تتلمس طريقها إلى غدها الواعد ومستقبلها المنشود...
    وفي ركن هادئ من أركان الحديقة الفسيحة، كان عصام يجلس على كرسي منعزل، منهمكاً في مطالعة مجلة طبية كان قد استعارها من مكتبة الدكتور إياد، وبين الحين والآخر كان يرمي بنظراته الهادئة إلى خضرة الحديقة الموشاة بالأزهار والرياحين، فتشف روحه وتحلق في عالم من الصفاء المريح، فتقبس منه قبسات لذيذة تغرق كيانه بالسعادة، وتبعث في ذهنه النشاط، فيعود إلى المجلة في شوق، ليلتهم سطورها في شهية للمعرفة لا تقاوم لا يزعجه إلا تلك الهمهمة الغامضة التي تصدر عن أحاديث الطلبة المختلطة القادمة من بعيد، يتخللها فاصل متقطع من وقع الأقدام العابرة، وهي تقطع الطريق إلى غايتها عبر الأرصفة التي تخترق الحديقة الغناء..
    وانساب إلى سمعه صوت هادئ يلقي عليه السلام، فرفع إلى صاحب الصوت عينين تشعان وداً واحتراماً، ونهض إليه في لهفة وشوق وهو يمد له يد الترحيب:
    - وعليكم السلام.. أهلاً سعد..
    قال سعد بعد أن تصافحا بحرارة الأصدقاء وقد احتفظ كل منهما بيد الآخر في كفه وهو يشد عليها في مودة ظاهرة وكأنه لا يريد أن يفارق صاحبه:
    - كيف أنت يا عصام؟
    - في شوق إليك يا صديقي.. ألا تجلس معي؟
    - بودي أن أجلس، لكني أراك مشغولاً.. ما الذي تقرأه؟...
    - مجلة طبية صادرة عن الجمعية الأمريكية للسرطان.. اقرأها إن أحببت.
    - لا بد وأنها تحوي أبحاثاً قيمة...
    - فيها بحث طويل عن التدخين وعلاقته بسرطانات الرئة، اجلس معي فأنا في شوق لأحاديثك الممتعة.
    - قلب سعد صفحات المجلة بسرعة وقال وهو يهم بالجلوس:
    - لو تعلم كم سررت عندما رأيتك جالساً هنا..
    - لم نجلس معاً منذ زمن!.
    - لقد أصبحت صيداً ثميناً في هذه الأيام. لم يعد أحد يراك خارج أوقات الدوام.. تأتي مسرعاً وتخرج مسرعاً وكأنك لا تعيش معنا في كلية واحدة!!.
    - ماذا أفعل يا صديقي.. الواجبات أكثر من الأوقات كما يقول الدكتور إياد، ولولا هذا التعديل الذي طرأ على برنامج اليوم بتأخير موعد المحاضرة مقدار ساعة لما صادفتني هنا.
    هتف سعد كمن تذكر:
    - آه .. صحيح ما أخبارك مع الدكتور إياد؟؟
    - أخبار طيبة.. علم غزير، وخبرة متنامية، وصحبة كريمة لرجل عظيم وأستاذ جليل، يمدك دوماً بملاحظاته الدقيقة ونصائحه العميقة وتجاربه الثرية..
    همس سعد وهو يرمق صديقه في إعجاب:
    - عصام.. إنك تدهشني.. كيف تستطيع أن توفق بين دراستك وملازمتك للدكتور إياد وأمورك الأخرى؟
    زفر عصام زفرة عميقة وشت بما يعانيه من إجهاد وعناء وقال:
    - لا أكتمك يا سعد، إني أعاني من كثافة المشاغل وضيق الوقت وضغط الأعباء، لكن تشجيع الدكتور إياد وإصراري على تحقيق طموحي، هما اللذان يدفعاني للمتابعة ولولاهما لكنت تراجعت منذ زمن.. هل تعلم؟.. لقد خفَّ وزني خلال الأشهر القليلة الماضية سبعة كيلو جرامات.
    - وكم تنام في اليوم ؟
    - خمس ساعات تقريباً. الوالدة تنهرني، فأمنيها بالمستقبل فترضخ لإرادتي على مضض، علماً بأنَّ سكني الجديد في عمارة الدكتور إياد قد وفّر علي الكثير من الوقت والجهد فهو – كم تعلم – قريب من الجامعة وقريب من عيادة الدكتور إياد في آن واحد..
    - وبيتكم القديم.. ماذا فعلتم به؟
    - لقد أجرناه لنستفيد من أجرته.. سعد.. لماذا لا تنضم إلينا.. لقد حدثتني كثيراً فيما مضى عن اهتمامك بالسرطان وميلك للاختصاص فيه، كما أن الدكتور إياد سيرحب بانضمامك فهو يمدح دائماً تفوقك وسلوكك الممتاز.
    - حقاً؟.. هذه نظرة أعتز بها.. كان بودي الانضمام إليكما لكني بصراحة لا أملك جلدك ودأبك.. سأكتفي بزيادة مطالعاتي حول السرطان ريثما أتخرج ثم..
    وقطع حديثهما صوت بعيد يلقي التحية فرد عليه سعد:
    - أهلا ((عرفان)).. هلم إلينا..
    وأردف عصام:
    - تعال إلى هنا يا عرفان، لم نرك منذ زمن..
    مضت برهة ريثما انضم اليهما عرفان وقد بدا سعيداً بلقائهما وابتسامته المعهودة تتوج ثغره الضاحك وما إن وصل حتى ارتمى بينهما على الكرسي الخشبي الطويل قائلاً لعصام:
    - لتتكلم عن نفسك يا عصام، أنت الذي لم تعد تظهر بيننا. لقد استغرقتك مشاغلك الكثيرة وأبعدتك عنا.. يجب أن تعترف بذلك يا أستاذ...
    ثم وهو يلتفت بحديثه إلى سعد:
    لقد أصبح الأخ كالبدر.. يظهر كل شهر مرة، وقد لا يظهر...
    ثم التفت إلى عصام ثانية وقال:
    - أصبحنا لا نراك إلاّ مسرعاً.. تأتي إلى المحاضرات وهي توشك على البداية وما إن تنتهي حتى تطوي كراستك وتمضي.. تصور يا سعد.. ((عصام السعيد)) أصبح يجلس في الصفوف الأخيرة من المدرج، وهو الذي لم يتنازل عن مكانه في الصف الأول منه منذ السنة الأولى. هل تذكر كيف كان يحجز لنا المقاعد الأمامية؟
    ثم أردف ضاحكاً:
    - كان الطلبة يندهشون لوجودي في الصف الأول وأنا المشهور بالتأخر المزمن عن المحاضرات... (( ها.. ها.. ها)).
    ضحك الثلاثة في ود ثم ما لبث عرفان أن استأنف حديثه قائلاً:
    - أنت السبب يا عصام فلا تسألن عن قلة رؤيتنا لك.. أنت الذي لم تعد تسعى للقائنا، أما نحن فإننا نلتقي دائماً.. أنا وسعد ومجدي وبهاء وعثمان و.. على فكرة.. نحن مدعوون مساء الثلاثاء القادم على مأدبة عشاء فاخرة عند عثمان، ولن ندعوك طبعا.
    تساءل عصام في مرح:
    - ولماذا؟
    - لأنك يا عزيزي أصبحت تنتمي إلى طبقة جديدة.. طبقة العلماء والباحثين والحفلة معدة لطبقة الطلبة المساكين، فأين نحن منك يا صديقي؟.. أين الثرى من الثريا؟!
    ضحك عصام طويلاً ثم قال:
    - سامحك الله يا عرفان.. منذ متى لم أضحك هذا الضحك!
    - جميل أن تجد وقتاً لتضحك.. بودي لو كان بحوزتي آلة تصوير..
    - لماذا؟!..
    - لأجمد هذه اللحضات وأحصل على صورة لك وأنت تضحك قبل أن تنقرض الضحكة من على شفتيك.
    ثم نهض عرفان وهو يقول:
    - ائذنا لي الآن.. لدي ((مشوار)) مهم قبل أن يحين موعد المحاضرة.
    هتف عصام في توسل وهو يشده من يده ليجلس :
    - ابق معنا يا عرفان.. حديثك يمتعني.. لتؤجل ((مشوارك)) هذا.
    صاح عرفان:
    - إلا هذا ((المشوار))...
    - يبدو أنه على درجة من الأهمية!.
    مال عرفان على عصام وهمس:د
    - لقد صدقت فأنا على موعد مع القمر.
    - القمر؟!..
    قال سعد وقد سمع تحاورهما:
    - يقصد خطيبته.. إنها طالبة في كلية الآداب، وهو ينتهز الأوقات لرؤيتها...
    - حقاً؟.. مبروك.. ألف مبروك يا عرفان.. لماذا لم تخبرني بذلك؟.
    - ومتى رأيتك حتى أخبرك؟
    - كفاك يا عرفان.. لقد أوغلت في المبالغة!
    قال عرفان وقد انحنى فيما يشبه الركوع ويداه تستندان على فخذيه:
    - قد أكون مبالغاً، لكن صدقني أنك أصبحت وكأنك تنتمي إلى عالم آخر...
    - عالم آخر!..
    - أجل... عالم آخر.
    ثم قهقه قائلاً وهو يمضي:
    - إنه عالم السرطان...
    * * *
    هبت نسمات الربيع هادئة لطيفة فداعبت الوجوه الشابة وأنعشت النفوس الحالمة، وبعثت في الحديثة حياة جديدة فتمايلت الأشجار الفارعة في جلال، وخطرت الورود والأزهار في دلال تختال بفتنتها الخلابة وترسل بأريجها العطر ليلفت إليها القلوب والأنظار...
    قال عصام وهو يرنو إلى زهرة جميلة:
    - لشد ما يستهويني منظر الورود والأزهار!
    - كلنا ذاك الرجل...
    - عندما أنظر إليها تسربلني، طمأنينة غامرة، وتشعر نفسي بالارتواء، وكأنها تغرف من بحر الأمان الخالد.
    - نفس الشعور ينبثق في نفسي، لكن ثمة شعور آخر يهزني من الأعماق...
    - الشعور بعظمة الله، أليس هذا ما تريد قوله؟
    أرسل سعد تنهيدة عميقة وشت بانفعاله وقال وقد لمعت عيناه بأنداء من الدمع:
    - هذا ما أردته فعلاً.. عندما أرمق الزهور تحلق روحي في عالم من الصفاء الخالص.. صفاء يقودني إلى خشوع غامر عميق إزاء عظمة الله وقدرته الخالدة..
    همس عصام وقد اهتزت نفسه لكلمات سعد المؤمنة الندية:
    - إنك شاب شديد الإيمان يا سعد. لكم يسدني حديثك عن الله...
    الله... هو الحقيقة التي انحسرت من حياتنا فغابت بغيابها كل القيم النبيلة وأصبحت الحياة أشبه بغابة!..
    ثم أردف بنبرة آسفة:
    - يا للجحود.. ترى الواحد منا إن قدم له أحد معروفاً أو خدمة شكره عليها وتحين الفرص ليرد له الجميل والله... الله الذي خلقنا في أروع صورة وأبدع تصميم وأنعم علينا بما لا نحصيه من النعم التي نستمتع بها ليل نهار... الله الذي بيده نهايتنا ومصيرنا الأخير، ترانا غافلين عنه.. ناسين لفضله السابغ.. منشغلين عنه بما وهبنا من الطيبات.. نلهث وراء غرائزنا وشهواتنا.. لا نكاد نذكره إلا في الملمات والمناسبات، وإن ذكرناه كان ذكره باهتاً ميتاً.. لا ينبض فيه حس أو تخفق فيه روح، وبعد كل هذا الجحود والنكران يفتح لنا أبواب العودة ليدلفها التائبون الصادقون، فيستقبلهم بحلمه الواسع، ويرحم ضعفهم، ويبدل سيئاتهم حسنات!!!
    تسربت كلمات سعد إلى أعماق عصام فمسّت ضميره المرهف فأحس بالندم وقال وهو يكابد شعوراً بالذنب:
    - لقد أشعرتني كلماتك بتقصيري وتفاهتي.. إنني قليلاً ما أذكر الله!!.
    قال سعد وهو يشد على كتفه في ود:
    - إنك تبخس نفسك حقها بهذا الكلام فأنت تنطوي على إيمان عميق ونفس نقية يعكسها سلوكك الرفيع. إن مجرد إحساسك بالتقصير هو نوع من التوبة.. إنه بداية الطريق إلى الله، ولكن.. ينبغي أن لا نكتفي بهذا الشعور، إذاً لتلبد واستحال إلى تبرير للإهمال والتقصير، بدل أن يكون حافزاً للتغيير.
    - لا أكتمك يا سعد.. إن نفسي كثيراً ما تهفو إلى التدين، لكن مشاغل الحياة سرعان ما تستغرقني فتذوب عزيمتي في زحمتها، لكني واثق من أني سأتجه إلى الدين يوماً..
    - ومتى يكون هذا اليوم؟
    باغت السؤال عصاماً فقال وهو يداري عجزه عن الإجابة:
    - في الحقيقة لا أدري!!.
    - لكن الأمر على درجة من الأهمية، لذا يتوجب التحديد.
    - هل تريد مني أن أحدد يوماً في مستقبل مجهول؟
    - المستقبل المجهول.. هذا ما رمت الوصول إليه. نحن جميعا نقف على عتبة مستقبل مجهول المعالم نجهل أحواله وأحداثه ونهايته، فلا ندري متى سيسدل الموت ستارته السوداء على حياتنا الزاخرة، ولا ندري متى يأزف الرحيل.. نحن لا نملك إلا للحضات الحاضرة لنقرر فيها، أما الماضي والمستقبل فلا نملك من أمرهما شيئاً.. ذلك أن عجلة الحياة تدور باتجاه واحد، وأنّ الموت لم يحدث أن استأذن أحداً بالقدوم..
    تساءل عصام في نبرات حزينة وشت بالضيق:
    - الموت؟؟.
    ­ - أجل الموت إنه أوضح حقيقة في الوجود، لكنّ الحياة كثيراً ما تخدعنا وتجذبنا إليها فنتوهم أنّا باقون إلى ما لا نهاية!.
    - هل تريد الجدّ؟.. إني أخاف الموت وأخشاه!؟
    ابتسم سعد وقال:
    - من منا لا يخاف الموت.. كلنا نخشاه.. هذه طبيعة الإنسان.. لقد جبل على حب الحياة والنزوع إلى البقاء.
    - كثيرا ما فكرت فيه.. آه ما أقساه.. إنّه المطرقة الفضيعة التي ستهوي يوماً على آمالنا وأحلامنا لتعصف بها، وتحيلها إلى سراب.. إنه وحش مخيف.. ينهش الأرواح بأنياب نافذة لا تخطئ.. يختطف من نحب أو لا نحب.. يخلف الضحايا.. ويزرع دنيانا بالأحزان..
    - إنه قدرنا الذي لا مفر منه. لعل وفاة والدك رحِمه الله زادت من قتامة تصورك عن الموت؟
    - هي عامل بلا شك، ولكن تفكيري بالموت ازداد أيام كنا ندرس مادة التشريح.. عندما كنا نعالج الأجساد الميتة بأيدينا ونعمل فيها المشارط والأدوات، لا شك أن فكرت مثلي.
    - هذا صحيح.. لطالما فكرت فيه آنذاك.
    - كان الموت يوحي لي بعجز الإنسان وضعفه، فأعظم إنسان وأقوى إنسان وأغنى إنسان يتحول بموته إلى كومة تافهة من العظم واللحم الذي سرعان ما تنبعث منه رائحة النتن، ويعبث فيه الدود.. الموت يا سعد شئ فضيع.. لقد كنت أحس بتفاهة الحياة عندما أرى نهايتها البئيسة.
    وآذت سمعهما ضحكات خافتة وهمسات ماجنة، فانتبها إلى مصدرها، ففوجئا بـ ((صفوان)) و ((منى)) وهما مستغرقان في وضع فاضح مريب وقد ظنا أنَّ هذا المكان الهادئ البعيد خال من الطلبة والرقباء وأثار المشهد اشمئزاز ((سعد)) و ((عصام)) فغادرا المكان في ضيق وانزعاج بالغ..
    هتف عصام بنبرات ثائرة وهو يلوح بقبضته في الهواء:
    - أنا لا أفهم كيف يتجرأ هذان العابثان على حرمة الجامعة!!.. ألا من إدارة حازمة توقف هذه المهازل؟!..
    قال سعد وقد تلونت ملاحمه بحمرة الغضب:
    - قد تحمي الإدارة الحازمة الجامعة من مظاهر العبث والفجور. لكنَّها لن تستطيع أن تسيطر على تيار الانحلال الجارف الذي يجتاح الوطن، أو توقف التردي والانحدار الذي يقود مجتمعنا إلى الهاوية.. نحن في حاجة ماسة إلى عملية تغيير عميقة داخل المواطن.. إلى إدارة حازمة واعية داخل الإنسان..
    نحن في حاجة إلى ضمير.
    - وما الحل لأزمة الضمير هذه؟.. يجب أن يكون هناك حل ما يحمي الأمة من الضياع!.
    - الحل موجود.. لكنه يحتاج قبل كل شئ إلى إرادة قوية للتغيير.. إرادة تنبثق من قناعة الناسب الأذى والدمار الذي يحمله تيار الميوعة واللامبالاة لمجتمعنا ونهضتنا، وحتى تتولد هذه القناعة نحتاج إلى قراءة واعية عميقة في التجربة الأوروبية والأمريكية التي يحصد الغرب الآن نتائجها المأساوية المريرة بسبب تمرده على الأخلاق والمثل العليا.. الناس في بلادنا مبهورون بالحضارة الغربية ويعتقدون أن التقدم المذهل الذي وصلت إليه أوربا وهو نتيجة لتفلتها من الأخلاق والقيم الإنسانية الفاضلة، بينهما الحقيقة الصارخة التي يقرها كل عقلاء العالم ويتنادون إليها هي أن الإباحية التي تغرق أوربا وأمريكا الآن هي جرثومة الفناء التي تهدد الحضارة الفتية هناك.
    قال عصام وهو يجوب أرجاء الحديقة باحثاً عن مكان هادئ يجلسان فيه:
    - هذه مهمة وسائل الإعلام.. وسائل الإعلام هي المسئولة عن نقل مساوئ التجربة الغربية وثغراتها إلى الجماهير ومع هذا فإني أعتقد أنه لا مفر من الردع.. من الحزم في مكافحة هذا الوباء..
    - الردع حلّ، لكنه آخر الحلول.. علينا قبله بالتربية.. تربية الأجيال على القيم الأخلاقية والحضارية الأصيلة.. تربية مدروسة تسلك أنجح الطرق العلمية والنفسية.. تربية شاملة منسجمة في البيت والمدرسة والمجتمع.. تدعمها حملة اجتماعية منظمة تكرس القيم الأخلاقية والمفاهيم الحضارية البالية عبر وسائل الإعلام المؤثرة من صحافة و ((راديو)) و ((سينما)) و ((تلفزيون)).. ((التلفزيون)) بات الآن أخطر وسيلة إعلامية في حياتنا فهو يعيش مع الناس جزءاً كبيراً من أوقاتهم.
    قاطعه عصام بقوله:
    - إنه يقاسم الناس ثلث حياتهم الواعية تقريباً..
    - الأخطر من ذلك أنه يعيش مع الطفل أكثر من أهله في البيت ومعلميه في المدرسة وهو يجلس أمامه في أقصى حالات الوعي والتركيز، يتلقف كل ما يبثه من أفكار ومفاهيم وهو الصفحة النقية البيضاء الجاهزة للإملاء، فإذا لم يكن ((التلفزيون)) تربوياً هادفاً، كان خرباً هداماً يدمر الأجيال تلو الأجيال..
    تساءل عصام:
    وماذا بعد التربية؟.. ما الخطوة التي تليها؟..
    - لا بد لنا من حل المشاكل الاجتماعية التي مهدت لهذا الفساد.. مجتمعنا ليس شرا محضاً.. ثمة عوامل كثيرة تدفعه إلى أتون الشر.. الفقر مثلا.. الحرمان الفظيع الذي يدفع الكثيرين إلى هاوية الانحراف.. ((منى)) هذه التي رأيتها منذ قليل بهذا الوضع المخجل، ما الذي دفعها لهذا السلوك؟.. إنه الفقر والحرمان.. فتاة ناضجة تفيض أنوثة وجمالاً تتراقص في أعماقها أحلام وأشواق شتى.. فتاة فقيرة لم تذق يوماً طعم الحياة الهانئة السعيدة، تجد فجأة من يعدها بتحقيق كل أحلامها دفعة واحدة مستغلاً اندفاعاتها العاطفية العارمة فتنساق وراءه مبهورة، وتتدرج معه في مجاهل الضياع.. ثم مشاكل وأمراض أخرى تساهم في صنع المأساة.. الجهل.. التخلف.. الرشوة.. ((الواسطة))، لكن التربية الفاسدة تقف دائماً على رأس هذه السلسلة الرهيبة من الأمراض التي تكبل نهضتنا.. والد صفوان مثلاً.. رجل واسع الثراء والنفوذ، ربى ابنه تربية مائعة مدللة.. صفوان هذا لم يسمع من أبيه كلمة (لا) واحدة في حياته.. دائماً يجيبه لكل ما يطلب، ويضع بين يديه الأموال الطائلة ليبعثرها على أهوائه ورغباته، فيزيده المال طغياناً على طغيان.. وكلما تورط ابنه في خطأ أو انحراف سارع أبوه لإنقاذه بما يملك من مال ونفوذ.. أنقذه من تهمة تهريب مخدرات.. أنقذه من تهمة أخلاقية في أحد بيوت الدعارة منذ سنتين، فما تنتظر من شاب هذا شأنه؟
    زوى عصام ما بين حاجبيه دهشة وقال:
    - وكيف توصلت إلى كل هذه المعلومات؟
    - هذه المعلومات ليست سراً.. إنه يتصرف في تبجح ووقاحة.. لعلك فوجئت بها لأنك لا تهتم بهذه الأمور، لكني مهتم بالقضية الاجتماعية وصفوان نموذج من نماذج الانحراف في مجتمعنا يحلو لي أن أراقب تصرفاته وأتتبع أخباره وأحلل سلوكه.
    ولاحت لهما خميلة خضراء فلجآ إلى أفيائها، وجلسا على بساط الأرض السندسي الممتد، ثم ما لبث عصام أن قال في محاولة ليصل ما انقطع من حديثهما حول الموت:
    - سعد.. بماذا كان الموت يوحي إليك عندما كنت تقوم بتشريح الأجساد في المشرحة؟
    أجابه سعد وقد تذكر الحوار الذي كان قبل هذا الحادث العابر:
    - عندما كنت أتأمل الأجساد الميتة الممدة أمامي على طاولات التشريح كان تفكيري يمتد إلى ما بعد الموت.. إلى اليوم الآخر. فيبدو لي الموت أنه البداية.. حقيقة أنه نهاية حياتنا على الأرض، لكنه البداية لمرحلة جديدة يتحدد فيها مصيرنا الخالد، تقرره العدالة الإلهية الرحيمة التي لا تظلم أو تتعسف، فتفرز البشر حسب أعمالهم وبواعثهم..
    - إنني موقن بذلك، لكن قليلاً ما يراودني التفكير فيه!.
    - كلنا نقتنع باليوم الآخر، لكن الكثير من قناعاتنا تظل في أذهاننا فحسب، وكأنها معادلة رياضية مجردة أقنعتنا بها قواعد المنطق، بيد أنها لا تتجاوز العقل في الشعور، لتتحول إلى حس داخلي ننظر من خلاله للحياة لذلك ترانا نقتنع عقلاً بأن الموت ليس هو النهاية، ونشعر حساً بأنه النهاية لكل شئ ونشفق على آمالنا ومنجزاتنا ونخاف عليها على الرغم من أننا أبقى منها...
    قال عصام:
    - تحليل مقنع ودقيق، ولكن لا يمكن للإنسان إلا أن يحلم ويطمح ويحيا على أمل...
    - أنا معك في هذا. فالحياة بلا طموح وأمل تافهة لا معنى لها، لكن النقطة الأهم في آمالنا وأحلامنا ونشاطنا على هذه الأرض هو الغاية التي من أجلها نحيا ونعمل ونحلم.. إنّها الحلقة المفقودة التي نحتاج إليها ليستقيم تصورنا للكون والحياة والإنسان...
    - الغاية؟!..
    - أجل.. لماذا نعيش؟.. لماذا نحلم؟.. لماذا تعيش أنت مثلاً؟
    أجاب عصام بلهجة حائرة وقد باغته السؤال وكأنه يسمعه للوهلة الأولى:
    - أنا أحيا.. أحيا من أجل أن أصبح طبيباً ناجحاً مفيداً.. ومن أجل أن أساعد والدتي وأوفر لها حياة سعيدة وعندي طموحات علمية وشخصية لا تخفى عليك و.. وفقط!..
    - لكن الموت سوف يطوي معه كل هذه الغايات والآمال...
    صدمت هذه الحقيقة عصاماً فوجم ولاذ بالصمت بينما تابع سعد:
    - كل هذه الغايات التي طرحتها غايات جزئية.. غايات مرحلة ينبغي أن تكون في إطار غاية أساسية جامعة. لا بد أن يكون لوجودنا الإنساني غاية كبرى توجه نشاطنا وأعمالنا.. غاية شاملة لحياتنا على الأرض وحياتنا فيما بعد الموت.
    قال عصام وقد تحمس للنقاش الذي أثار فضوله:
    - ما هي غاية وجودنا الإنساني في رأيك أنت؟
    - إنها في كلمة واحدة ((العبودية لله)).
    - العبودية لله؟! لعلك تريد الصلاة والصيام؟..
    ابتسم سعد وقال بنبراته الهادئة الرزينة:
    الصلاة والصيام وغيرهما من العبادات والشعائر ليست هي العبودية التي أعنيها بل هي مظهر من مظاهرها... العبودية في حد ذاتها أكثر من صوم وصلاة... العبودية هي أن نعيش حياتنا كلها لله.
    - كيف؟.. كيف يمكن ذلك؟
    - بأن نوظف كل ألوان نشاطنا الإنساني وكل أعمالنا وكل طموحاتنا لتحقيق دين الله الذي ارتضاه لنا منهجاً ونظام حياة.
    - ولكن هناك أمور لا علاقة للدين بها!!...
    هتف سعد في حماس:
    - هنا تكمن النقطة الحاسمة في الموضوع.. إنها فهمنا للإسلام... نحن - في الحقيقة - لا نفهم إسلامنا الفهم السليم.
    أرجو أن تعذرني بهذا الكلام، فأنا لا أقصد الإساءة أو الادعاء.
    قال عصام وهو في شغف لمتابعة الحوار:
    - أستمر أرجوك.. إني أفهمك، ثم إني مقر بجهلي حول الكثير من قضايا الدين.
    - أنا لا أقصد التفاصيل، فلا يمكن لإنسان مهما أوغل في العلوم والمعارف الإسلامية أن يحيط بكل التفاصيل، ما أريده هو المبادئ.. فهمنا لمبادئ الإسلام.. إدراكنا لروحة وخصائصه العامة بحيث يتكون لدينا حس إسلامي دقيق.. نتحسس به الحقائق.. ونتلمس الصواب.. ونصنع المواقف.. ونرصد الأحداث.. المهم يا عصام أن تستقر في حسنا أبجدية إسلامية واضحة.. تصيغ بأحرفها فهمنا للإسلام. فينطق بها سلوكنا، وتعبر عنها حركتنا في الحياة.. هذا أضعف الإيمان.
    قال عصام وقد تصاعد اهتمامه بالحديث:
    - ما هي الأبجدية التي كونتها أنت عن الإسلام؟.. أعطني فكرة عنها؟
    - سأقول لك.. الإسلام قبل كل شئ منهج رباني صادر عن الله سبحانه، والله الذي خلقنا هو الأعلم بطبيعتنا وتركيبنا الجسدي والفكري والنفسي، لذلك فإن دينه الذي ارتضاه لنا هو الأولى بالإتباع والتطبيق، لأنه منهج صمم للإنسان بيد خالق الإنسان.. هذه نقطة مهمة تقوم عليها أمور كثيرة...
    قاطعه عصام قائلا:
    - هذه نقطة جوهرية أؤيدك فيها.. فعلى صعيد حياتنا المادية مثلاً، لا يوجد عاقل يرضى أن يتلقى تعليمات آلة أو جهاز ما إلا من المهندس الذي صممه، أو العالم الذي اخترعه، فما بالك بالإنسان.. هذا الكائن المعقد الذي ما زال العلم والطب تائهاً في بحر أسراره وألغازه؟..
    سرّ سعد لهذا التفاعل الذي أبداه عصام فعقب على كلامه قائلاً:
    - لهذا تُصدر الشركات الصناعية ((كتالوج)) أو دليل استعمال لمنتجاتها يعده المهندسون الذين صمموا أو اخترعوا هذه المنتجات. وما الإسلام إلا دليل لحركة الإنسان السليمة وفق تصميمه وطاقته وطبيعته.وما التخبط والتيه الذي تضرب فيه
    البشرية اليوم إلا نتيجة منطقية لاستغنائها عن المنهج الأصيل واستبداله بمناهج مشوهة من صنع الإنسان ووضعه وهو الكائن الضعيف القاصر بقدراته ومعارفه وإزاء هذا الكون الواسع الرحيب..الكائن المرهف الحساس المتأثر بعواطفه وانفعالاته.. الكائن اللغز الذي مازال يجهل نفسه..
    سأل عصام وهو يرمق صديقه في إعجاب:

    -سعيد ..ما الأمور التي تريد أن تبنيها على هذه النقطة؟
    -أمور كثيرة ..منها أن الإسلام منهج متوازن أعطى لكل جانب من الشخصية الإنسانية حقه وأشبع بتوازنه الروح والعقل والجسد.ففيه تروي الروح أشواقها إلي القيم والمثل والأخلاق، وتخفق بأنبل المشاعر والعواطف وأطهرها ،وفيه ينطلق العقل ليقتحم آفاق القلم والبحث والتجريب ويمخر عباب المعرفة، لا يضره إن يلتقطها من أي إناء أو منهل مادامت معرفة إنسانية مفيدة لا تفضي إلي شرّ ، وفيه تجد غرائز الجسد طريقها الطبيعي النظيف للإشباع دون إفراط أو تفريط ،بما لا يتعارض بين حرية الفرد والمجتمع.
    - جميل ..
    - والإسلام نظام واقعي يدرك واقع الإنسان وطاقته، ويرحم نقاط ضعفه التي جبل عليها فيراعيها ويعذره فيها ، لذالك نراه قد فتح له أبواب التوبة على مصراعيها ولم يحمله
    مالا يطيق، كما راعى الإسلام نقاط الضعف في الإنسان فقد شجع فيه نقاط القوة ورباه على البذل والعطاء ، ودفعه إلي الارتقاء وما استطاع الارتقاء .
    - وأيضاً... أفكارك تدهشني ...
    - وأجمل ما في الإسلام شموله.. فهو منهج حياة كامل يستغرق كل ألوان النشاط الإنساني، فينظمها، ويطلقها ضمن أطر واسعة رحيبة تسمح للناس بممارستها في مرونة عجيبة تتلاءم مع كل مجتمع وعصر دون أن تتجاوز الأصول الثابتة التي قررها الإسلام.
    تساءل عصام مفكراً:

    - لكن الحياة تتطور باستمرار.، فلماذا تستبعدُ أن يصطدم تطورها المطرد مع الأصول الثابتة التي طرحها الإسلام ؟
    - سأقول لك.
    - تفضل ..
    - لان الإسلام استمد ثبات تلك الأصول من ثبات الخصائص الأساسية للشخصية الإنسانية ، فالعربي الذي كان يطوي الصحراء على جمل ،والأمريكي الذي وطئت أقدامه سطح القمر، يملكان نفس الجهاز الجسدي والفكري والنفسي، وتخفق بين جوانحهما فطرة واحدة. الذي أختلف وتبدل هو الوسائل والظروف والمعارف أما الجوهر الإنساني الذي يتعامل مع المعطيات المتبدلة فهوا ثابت لا يتغير. نعود لحديثنا.. عم كنتُ أتحدث ؟
    - عن الشمول في الإسلام.
    - أجل.. لقد حول الإسلام حياة الإنسان بتفاصيلها الكبيرة والصغيرة.. بجوانبها المتعددة.. بنشاطاتها المختلفة الغريزية والفكرية والروحية.. الضرورية منها والثانوية.. الفردية منها والجماعية، حولها جميعاً إلى عبادة متصلة بالله، فطعامك عبادة وشرابك عبادة ونزهتك عبادة ونومك عبادة وزواجك عبادة ودراستك عبادة وتخصصك عبادة وعملك عبادة.. حتى التلذذ بالطيبات.. حتى الإبتسامة تبذلها للآخرين عبادة لله تثاب عليها وترفك في ميزان الله درجة.. وحتى تحول كل هذه الأعمال إلى عبادة لله ما عليك إلا أن تنوي بها إرضاء الله، وأن تتجنب كل ما يغضبه، أو يؤذي الآخرين. الإسلام يا عصام منهج حياة متكامل.. إنه دين ودنيا.. سياسة واقتصاد.. فن واجتماع.. حياة طاهرة فريدة لا تدانيها حياة.
    - والصلاة والصيام وما إلى ذلك من شعائر؟...
    - إنها محطات للتزود بالطاقة، واستذكار للمبادئ، وصقل للنفوس، واعتذار إلى الله عما قد سلف من أخطاء، وعهد متجدد على الصبر والثبات على الدرب الطويل..
    أعجب عصام بأفكار سعد أيما إعجاب، فقال وهو هائم مع أفكاره:
    - هل تريد الحق؟.. لقد فتحت أمامي آفاقاً جديدة كنت أجهلها تماماً.
    أجاب سعد وهو ينظر إلى ساعته:
    - كان بودي لو استمرينا بالحديث، لكن موعد المحاضرة قد اقترب، وعلينا أن نمضي لنحجز مكاننا في الصفوف الأولى من المدرج، اسمع.. لماذا لا نلتقي ثانيةً لنتابع الحوار؟..
    - سيسعدني ذلك، رغم كل مشاغلي.. سنلتقي السادسة... ما رأيك؟
    - إن شاء الله.. هيا بنا...
    مضى الصديقان جنباً إلى جنب عبر أرصفة الحديقة الخضراء، يلفهما تأمل صامت عميق... كان سعد فرحاً مسروراً بهذا التجاوب الرائع الذي أبداه عصام.. أما عصام فقد كانت أفكاره تبحر نحو عالم جديد...
    * * *
    غادر عصام الكلية وفي أعماقه ثمة أسئلة حيارى تبحث عن جواب.. إنه لم يتعود أن يتقبل الأفكار دون أن يخضعها للدرس والتمحيص،فكيف استقرت في ذهنه تلك التصورات الخاطئة عن الإسلام؟..
    لماذا لم يحظَ هذا الدين الذي ينتمي إليه باهتمامه وهو الذي لا ينجو من فضوله شئ؟.. كيف تسرب إلى ذهنه أن الإسلام مجرد صوم وصلاة؟.. كيف غابت عنه هذه الآفاق الرحيبة التي نقله إليها صديقه سعد؟.. تساؤلات عاصفة شتى تهز ضميره بقوة فينفض عنه ركام الأوهام والمفاهيم المزيفة الدخيلة، ويتهيأ للانطلاق نحو الحقيقة الخالدة في رحلة بحث طويلة.. لشد ما يعشق الحقيقة ويهواها وفي سبيلها سيقطع كل الدروب وسيجتاز كل صحاري الضياع والغموض ليحط رحاله في واحتها الخضراء ويرتاح في ظلالها الوارفة، ويروي روحه العطشى من مائها الزلال.
    وفي الحافلة التي استقلها إلى منزله الجديد في عمارة الدكتور إياد كان عصام يجلس واجماً.. ساهم النظرات.. ذاهلاً عن كل شيء.. إن قضية انتمائه للإسلام والتزامه به لتستولي على تفكيره، فهي قضية لا تقبل التمييع والتأجيل فالموت يأتي بغتة دون سابق علم أو إنذار، والله سوف يسأله عما قدمت يداه على هذه الأرض، فبماذا يجيب؟.
    وأفاق من خواطره على بكاء طفل صعدت أمه لتوها إلى الحافلة، فنهض وقدم لها مكانه فشكرته وجلست وهي تهدهد طفلها الذي ما لبث أن هدأ وراح يجول بنظراته بين وجوه الركاب في براءة وقد أفتر ثغره عن ابتسامة مشرقة دفعت عصام للابتسام وبعثت في نفسه السرور.
    وفي الطريق مرت الحافلة بمكتبة((دار المعرفة)) التي اعتاد عصام أن يبتاع كتبه منها فخطرت له فكرة طارئة سرعان ما استجاب لها فنزل عند أول محطة توقفت عندها الحافلة وقفل راجعاً باتجاه المكتبة.. وهناك طلب من صاحبها أن يرشده إلى مجموعة من الكتب الإسلامية العصرية التي توضح مبادئ الإسلام وتصوراته عن الوجود والحياة والإنسان، فأجابه إلى طلبه وزوده بمجموعة نفيسة منها فتناولها باهتمام وراح يتأمل عناوينها في شغف وهو في شوق لقراءتها وسبر أفكارها ليشبع أشواقه إلى الحقيقة التي أزمع البحث عنها.
    وبعد أن أتم شراء كتبه ودع صاحب المكتبة ومضى.. ولدى الباب ألقى نظره إلى ساعته فوجد عقاربها تقترب من موعد عمله في عيادة الدكتور إياد فغذ السير في الطريق إلى البيت، علّه يستطيع أن يتناول غداءه مع أمه التي لابد وأنها الآن بانتظاره...
    - آه.. لكم أتعبتك معي يا أماه... يا لقلبك الكبير الذي ينبض مع أنفاسي ويخفق على إيقاع خطواتي.. ما علينا.. عما قريب ستنتهي رحلة عذابك الطويل، ونحط الرحال في واحة الأمل... عما قريب يا أماه سيبدأ حصاد الأماني، وتتحقق الأحلام.. إيه.. في أعماقي ينابيع من الوفاء تروم الانبثاق، لتروي أيامك القادمة بالسعادة والبشر، وتسربلها بالأفراح..
    * * *

    الفصل العاشر
    وصلت منى إلى شقة صفوان وهي غاضبة مضطربة، فضغطت على زر الجرس في عصبية ثم انهالت على الباب بقرع عنيف ....
    وانتظرت الرد بفارغ الصبر، لكن أحداً لم يفتح، فعاودت القرع وقد اجتاحت أعصابها شحنات هائلة من الثورة... وتفاقم غضبها حيال الباب الموصد بوجهها فهدرت في أعماقها أصوات غاضبة تهتف وتصيح:
    ((افتح.. افتح يا كلب.. افتح لأريك من هي ((منى))... افتح لأريك كيف تتحول الظبية الوداعة إلى لبوة مفترسة.. افتح لألقنك درساً في الوفاء.. أتخدعني بعد كل هذا الحبّ.. أتخونني بعد كل هذا الإخلاص.. أتضحك على يا صفوان..افتح يا سافل.. افتح يا حقير.. افتح.. لماذا لا يفتح؟!.. إن أنوار الغرفة المطلة على الشارع مضاءة فأين ذهب هذا الوغد؟..))
    وأدنت منى أذنها من الباب فتناهى إلى سمعها صوت بعيد ((لموسيقا)) تعرفها جيداً، فانتابها تيار جديد من الغضب والتهبت ثورتها العارمة وازداد قرعها للباب حدة وعنفاً...
    ((هذا السافل.. لا بّد وأنّه مشغول بجلسة معربدة.. أنني أعرفه.. لا يريق له سماع هذه ((الموسيقا)) إلا في المناسبات الداعرة.. افتح يا سافل.. يا قذر.. افتح لأريك غضبة المقهورين.. هذا الباب.. إنه بوابة الجحيم التي دلفت منها إلى العذاب!!.. إنّه النفق المظلم الذي نقلني من حياة الفضيلة إلى وحل الخطيئة ودنيا الضياع.. إنّه جسر الشيطان.. ترى من هي ضحيتك الجديدة؟!..لا بدّ أنها ميادة.. أجل إنها ميادة.. ومن غيرها ((حبيبة القلب وبلسم الحياة)) كما يسميها هذا المخادع الجبان؟!)) وتناولت ((منى)) الرسالة التي اكتشفتها اليوم صدفة في ((الكتاب)) الذي استعارته من صفوان ففضتها في مرارة وجعلت تعيد قراءتها في سخرية صامتة:
    ((حبيبتي ميادة.. يا فتاة الأحلام الوردية.. يا حبيبة القلب وبلسم الحياة.. إن حياتي بدونك جحيم وعذاب.. لماذا هذه القسوة عليّ وأنت الوديعة الرقيقة؟.. ولماذا هذا الجفاف وأنت اللطيفة الحنونة؟.. متى سترفعين أيتها الحبيبة سياط الصدّ والهجران عن قلبي الحزين ؟..متى سيصدر قلبك الكبير العفو عنّي؟.. أخبرتك ألف مرة بأنك الوحيدة في حياتي،وأنك الحب الأول والأخير.. قلت لك مراراً إن هؤلاء الفتيات اللواتي تسمعين بهن من بنات الجامعة ما هنّ إلا صديقات فحسب..
    زميلات دراسة لا بد أن تنشأ بيني وبينهنَّ علاقات عفوية بحكم الدوام الجامعي الطويل.. علاقات بريئة لا تحمل أي معنى آخر.. فإلى متى تتركين الشك يفرق بيننا ويفسد سعادتنا؟..
    حبيبتي ميادة.. أيها الخصم والحكم.. يا أحلى خصم وأرقّ حكم.. أرجوك أن تفهميني.. أيها القاضي الحبيب الذي كلما ازداد علي ّقسوة ازدادت له حباً.. أيها القاضي الجميل الرقيق.. افتح لي قلبك مرّة واحدة وامنحني فرصة للدفاع.. فرصة واحدة وستعلم بعدها أنني بريء من كلّ ما توهمك به الغيرة.. إني بريء يا حبيبي فلا تسجنيني وراء قضبان الحرمان)).
    ويبلغ الاشمئزاز بمنى منتهاه فتطوي أصابعها على الرسالة في غيظ وتبصق في احتقار ثم تنهال على الباب بكلتا يديها وقد حرق أعصابها الانتظار المّر وراء بوابة الخطايا والآثام.. ((افتح أيها الوغد الغادر السافل.. علاقات عفوية بريئة أليس كذالك؟.. أيها الماكر الماجن الغارق في الوحل من رأسه حتى قدميه!. لن يفتح.. إني أعرف.. هذا الوغد.. رغبته القذرة أهمّ عنده من كلّ شيء.. عندما تسيطر عليه ينسى نفسه ويذهل عن كلّ ما حوله.. ليتني أصغيت لنصائحك يا سامية.. ليتني لم أثق بهذا الحيوان.. ماذا ينفع الندم..آه....)).
    وتتراخى يدها على الباب في يأس فيعتري طرقاتها ضعف متدرج وشعرت بقواها تخور فاستندت على الباب في تهالك وانهيار وأصغت إلى صوت يعلو في داخلها وسط عواصف الغضب ليذكرها بالطريقة التي اعتزمت معاملة صفوان بها عندما اصطدمت بحقيقته المفجعة:
    -((ليس من الحكمة أن تواجهيه بالحقيقة.. إن المواجهة ستؤزم العلاقة بينك وبينه.. ستجعله ضعيفاً مكشوفاً أمامك، وهو لا يحب أن يظهر ضعفه ويرفض أن يعترف به، لذلك فإن محاصرته بالحقيقة ستدفعه للمكابرة والعناد.. سيعترف اعتراف المتحدي..سيصفعك ببجاحته ووقاحته وإصراره على الخيانة.. سيقول بأنك أنت التي استسلمت له، وسينفي عنه أي مسؤولية عما حدث.. إن مواجهته تعني القطيعة.. تعني نسف آخر جسر يربطك به تستطيعين من خلاله التأثير عليه.. ليس من الحكمة أن تواجهيه بالحقيقة فما زال هناك بقية من رجاء.. أوهميه بأنك مازلت واثقة به.. أشعريه بحرارة حبك وحنانك وعمق إخلاصك..حاولي دائماً أن تديري رأسه إليك..عساه يفيء إليك..عساه يبصر الفرق بينك وبين الأخريات.. أنت بحاجة إليه يا منى فلا تتسرعي.. لا تتسرعي فقد تستطيعين استنقاذ ما قد ضاع...))
    وكبحت منى تيارات الثورة والغضب التي تعصف بها، استسلمت لصوت العقل فاسترخت بكامل جسدها على الباب وأجهشت بالبكاء..
    ونما إلى سمعها صوت أقدام ترقى في الدرج،فلملمت نفسها المنهارة ومسحت دموعها بظاهر كفها ومضت تجرّ خيبتها وأحزانها..
    وعندما خرجت من باب العمارة خطر لها أن تراقب الشقة لترى من هي ((ميادة)) هذه الفتاة الجديدة التي اقتحمت حياة صفوان ونافستها على قلبه، فراحت تذرع الشارع جيئة وذهاباً متظاهرة برؤية واجهات المحلات الأنيقة المجاورة لشقة صفوان..
    مضت ساعة..وساعتان.. وهي ترابط قرب الشقة غير عابئة بالأنظار المتطفلة التي ترتاب في وجودها يعتريها فضول جارف لمعرفة هذه الفتاة التي انتزعت منها صفوان، لكنّ أحدا لم يظهر وملّت الانتظار وكادت أن تمضي،بيد أن حركة الأنوار في الشقة استوقفتها فانتظرت خروج((ميادة)) لكنها فوجئت بخروج فتاة أخرى تعرفها جيداً.. إنها ((رشا)).. ((رشا)) زميلتها في الكلية.. وانتبهت منى إلى صفوان وهو يلوح(( لرشا)) بيده من وراء زجاج النافذة مودعا ًفهالها أن تكتشف خيانتين في يوم واحد.
    ولمحت تلك الابتسامة الخبيثة التي ردت بها ((رشا)) على وداع صفوان فشعرت بالغيرة تمزق فؤادها، وثارت في أعماقها من جديد عواصف عاتية من الغضب.

    * * *








    الفصل الحادي عشر
    قال سعد وهو يقود عصاماً عبر حديقة بيته الجميلة:
    - أهلاً بك يا عصام.. لقد أعددت لك جلسة شاعرية هادئة لن تنساها أبداً.. جلسة حالمة بين الورود والأزهار التي تحبّها وتعشقها .
    قال عصام وهو يستنشق نفساً عميقاً قد أفعم بشذا الياسمين:
    - الله.. ما هذه الروائح العطرة التي تنعش القلوب والأرواح.. وهذه النسمات الندية.. إنها تملأ نفسي سروراً وانشراحاً، إن حديقتكم تزداد سحراً وجمالاً مع الأيام..
    - هذا حق، فأختي طالبة في كلية الزراعة وهي تتخذ من الحديقة حقلاً لعلومها وتجاربها، لاسيما وأنها مهتمة بنباتات الزينة وتطمح للاختصاص فيها.. دعنا نجلس في ظلال شجرة الصنوبر، فقد رتبت تحتها الكراسي... هي ليست كراسي.. إنها جذوع أشجار ضخمة، قطعت وصممت للجلوس.. تفضل هنا إذا سمحت.. قال عصام وهو يتحسس أحد هذه المقاعد الطريفة:
    - إنها مقاعد بديعة فعلاً!.
    ثم أضاف وهو يجلس عليها في سرور:
    - ما أجمل الجلوس في أحضان الطبيعة، لا سيما في صحبة الأصدقاء.
    علق سعد وهو يجلس قبالته:
    - نحن أكثر من أصدقاء يا عصام.. نحن أخوة..
    - لكم يسعدني أن تكون علاقتنا بمثل هذا الصفاء، على فكرة.. ما تعريفك لعلاقة الأخوة؟
    أجاب سعد وهو يفرك إبهامه بسبابته وكأنه يتحسس شيئاً رقيقاً:
    - الأخوة هي انسجام وتآلف بين الأرواح المتحابة حتى تغدو روحاً واحدة تسري في أجساد المتآخين وتجعل منهم جسداً واحداً له قلب واحد وفكر واحد وشعور واحد.. إنها إحساس عميق بالتلاحم والاندماج والإيثار الرفيع.
    - ((تعريف جميل حقاً، لكن.. هل تتصور أن تقوم أخوة بين الأصدقاء دون حدوث مشاكل أو أخطاء؟.. أعتقد أن هذا غير ممكن!..)).
    - (( اعتقادك في محله، فالبعض يتصور الأخوة تصوراً مثالياً بعيداً عن الواقع، وينسى أنًّ الأخوة إنًّما هي علاقة بين بشر.. بشر لهم أخطاؤهم ونقاط ضعفهم وأمزجتهم المختلفة وطرقهم المتباينة في الحياة.. الأخوة الحقيقة ليست هي الأخوة المجردة من الأخطاء، بل هي الأخوة المجردة من الأنانية والكبر والحقد والحسد.. الأخوة القائمة على التفاهم والتسامح.. القائمة على الرضوخ للحق والتراجع عن الخطأ.. القائمة على الرفق بأخطاء الآخرين والتماس الأعذار لهفواتهم والثقة بنواياهم ومن منّا لا يخطىء!؟
    قال عصام:
    - في أحاديثك يا سعد أجد متعة كبيرة.. إنك تتقن عرض الحقائق!.. هل تذكر ذاك الحديث؟
    - في حديقة الجامعة؟
    - هو ذاك. لقد أحدث في نفسي شوقاً كبيراً عارماً لفهم الإسلام والتعمق في أفكاره ومبادئه، فما كان مني إلا أن ذهبت في ذلك اليوم إلى مكتبة ((دار المعرفة)) واشتريت مجموعة من الكتب الإسلامية القيمة، وقد قرأت منها حتى الآن أربعة، ولولا مشاغلي لأتيت عليها جميعاً.. لا أكتمك يا سعد.. لقد شعرت بجهلي وتقصيري نحو عقيدتي وقد عزمت على التوبة.
    قال سعد في فرح غامر:
    -كلنا مقصرون. ولن نتجاوز التقصير إلاّ بالمزيد من الوعي والعمل، إني أهنئك يا عصام على هذا الشعور فهو دليل على إيمانك العميق.
    وانتبه سعد إلي والدته وهي تشير له من النافذة فغاب برهة ثم عاد يحمل عصير البرتقال وقال وهو يقدم كأساً مثلجة منه إلى عصام:
    - تجاوبك الرائع يا عصام مع أفكاري يملأني غبطة وسعادة.. كم هو جميل أن تجد من يفهمك ويلتقي معك في تصورك للحياة.. هنا تكمن السعادة الحقيقية.
    - لو أن كل الناس بإيجابيتك وإصغائك لصوت الحق لقطعنا رحلة التغيير المنشود في سنوات.
    صمت عصام ملياً وهو يتفكر ثم تساءل قائلاً:
    - سعد.. ألا ترى معي أن عملية التغيير هذه عملية صعبة؟!.
    أرسل سعد تنهيدة عميقة وقال:
    - هي صعبة فعلاً.. وقد تبدو مستحيلة عندما يري المرء العقبات الكؤود التي تعترض طريق العودة إلى الإسلام، لكني أعتقد أن المستقبل لهذا الدين...
    - كيف؟.. ما الذي يدفعك لهذا الاعتقاد؟
    - ((سأقول لك: لقد جربت البشرية كل المذاهب والفلسفات فلم تجنِِ منها إلاّ التمزق والضياع. لقد أخفقت كل الأنظمة الأرضية في تأمين السعادة الحقيقية للإنسان.. في أيجاد التصور الذي ينسجم مع إنسانيته بجوانبها المختلفة.. التصور المتوازن الذي يشبع جسم الإنسان وعقله وروحه.
    لقد استطاعت حضارة اليوم أن تشبع جسد الإنسان وأن تقدم له كل ما يحتاجه من وسائل المتعة والراحة، واستطاعت أن تشبع عقله بالتقدم العلمي المذهل الذي أوصله إلى القمر، وحلّ له الكثير من أسرار الكون وألغاز الحياة. لكن روحه بقيت خاوية عطشى يعذبها الظمأ إلى القيم العليا، ويقلقل كيانها الضياع، فلا هي تدري لماذا وجدت ولا إلى أين تسير؟.، تجهل غاية وجودها ومعناه.. ويلف مصيرها الغموض)).
    وافقه عصام رأيه قائلاً:
    - هذا حق. إن انتشار الشذوذ والجريمة، وشيوع الأمراض العصبية والنفسية وارتفاع معدلات الانتحار دليل واضح على ما تقول .
    قال سعد وهو يخض كأس العصير ليزداد برودة:
    - لعلك قرأت أن أعلى نسبة للانتحار في العالم توجد في الدول (( الاسكندنافية)) التي تعتبر من أرقى دول العالم، حيث يبلغ فيها دخل الفرد أعلى مستوى.. ومنذ أيام سمعت من ((الراديو)) لدى متابعتي لأحد البرامج الثقافية خبراً طريفاً يدلك إلى أي مدى استبد الشقاء بإنسان قرننا هذا!..
    - ما هو؟..
    - لقد قامت في بريطانيا جمعية تضم المؤمنين بفكرة الانتحار وأطلقت على نفسها اسم ((جمعية الموت من أجل الرحمة)) كما أصدرت مرشداً خاصاً بأعضائها، سمته ((المرشد الخاص للتحرير الذاتي ))وفيه تشرخ الجمعية طرق الانتحار بدون ألم، وقد قدم للكاتب الكتاب الإِنجليزي المعروف ((آرثر كسلر)) ثم انتحر بالطريقة المعتمدة لدى الجمعية، كما انتحر كثيرون من أعضاء الجمعية الذين بلغ عددهم عشرة آلاف منتم في غضون أشهر.....
    قال عصام وابتسامة داهشة تحف بكلماته:
    - لقد أصبح للانتحار عندهم فلسفة ودعاة!..
    - إنًّها حقائق تستحق التأمل.. إنها صدى ليأس الإنسان وفشله وضياعه..
    تساءل عصام في حيرة:
    - لكن كيف نقنع البشرية بالإسلام كبديل ؟
    أجاب سعد:
    - لن تؤمن البشرية بالإسلام كبديل فيما لو عرضناه عليها في قوالب نظرية وفكرية بحتة.. لقد ملّت النظريات والأفكار، وأصبحت تنظر إليها في شك وحذر بعد أن فقدت ثقتها بجدارتها في عالم الواقع وبعد أن حصدت منها الفشل المرير، البشرية اليوم تبحث عن مثل حي متحرك، وتتطلع إلى تجربة ناجحة تحظى بأيمانها وثقتها، وتجد فيها الإخلاص...
    - ولكن، ألم يكن الإسلام تجربة ناجحة في التاريخ؟..
    - ((لقد كان، ليس تجربة ناجحة فحسب، بل وفريدة في نجاحها. لكن الإنسانية اليوم تشك في تكرار هذا التجربة، بعد التطور المذهل الذي طرأ على حياة الناس في العصر الحاضر. وعلى المسلمين أن يبددوا شكوكها بصناعة التجربة من جديد، وإخراجها عصرية ناجحة.. وبذالك تتحقق القفزة الحاسمة إلى الحياة الإِسلامية المنشودة..)).
    - لكن.. ألا تشك معي يا سعد في قدرة المجتمعات الإسلامية على تقديم الصورة الصحيحة الناصعة للإسلام؟..
    - ((أنا متأكد من أنها لن تستطيع، لأن الإِسلام الحق قد انحسر من حياتنا منذ زمن، وذوت شعلته اللاهبة التي كانت تبعث فيها الحياة، وتنير لها دروب الحرية والتطور والحضارة.. الإسلام اليوم في أذهان المسلمين أجزاء ناقصة مبتورة.. وأفكار مشوهة مغلوطة وصور ساذجة بسيطة.. ومظاهر فارغة منفردة. ليس للمسلمين اليوم من إسلامهم إلا الاسم والعنوان.. تحمله أمة متخلفة ممزقة مقهورة.. المسلمون اليوم يا صديقي يسيئون للإسلام وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!!))
    تمتم عصام بعد أن تناول رشفة من عصيره:
    - تبدو متشائماً إلى أبعد الحدود!!
    - أبداً، فأنا شديد التفاؤل. إن بذور الخير موجودة رغم ما تراه.. إ ني أراهن على هذا.. فقط تحتاج لمن يصل إليها بوعي وروية، فينزع عنها قشرت التبلد، وينفض عنها غبار الضياع، ثم يغرسها في القلوب من جديد.
    - الحل؟..
    - الحل يكمن في مجموعة من الناس تؤمن بالإسلام بشموله وعمقه ونصاعته وتفهم العصر بظروفه ومعطياته.. بسلبياته وإيجابياته، وتعيش الإسلام في حياتها العصرية الواقعية، فترسم بسلوكها الوضعي وتعاملها النظيف، وتحركها الإيجابي المفيد في المجتمع صورة الإسلام الصافي الأصيل كما أنزل الله.
    ثم تبني هذه المجموعة المؤمنة جسور المحبة والتفاهم مع الآخرين، وتنقل إليهم على متنها تصوراتها وأفكارها في حكمة وهدوء، فتأخذهم باللين وترحم ضعفهم وحداثة عهدهم بالإسلام، وتشجعهم على الارتقاء فلا تحملهم ملا يطيقون، وتستمر في رعايتهم وتستمر في رعايتهم وتشجيعهم حتى يصبحون مسلمين صادقين.. الإسلام اليوم قضيتهم الأولى، ومنهجهم الوحيد في الحياة، ومع الأيام ستزداد بقعة النور حتى تبدد الظلام.. وسينمو المجتمع الوليد حتى يشب على أنقاض المجتمع القديم المتهافت الذي نخره سوس الضياع والانحراف والطغيان.
    همس عصام:
    - لكنّ هذا طريق طويل!!.
    وأطول مما قد نتصور، لكنه الطريق.. الطريق الصحيح الذي مرت به التجربة الإسلامية الأولى فوصلت إلى ذروة النجاح.. الطريق الذي يرسمه المنطق وتؤيده التجارب الفاشلة التي سلكت غيره فأخفقت...
    - على هذا فقد نغادر الحياة دون أن نحقق واقعنا في التغيير الإسلامي المنشود!..
    - قد يتحقق وقد لا يتحقق، المهم أن نضئ على دربه المشاعل الهادية، وأن نضع في بنيانه بضع لبنات لتأتي الأجيال القادمة فتكمل البنيان..
    - إذن فقد تستغرق رحلة التغيير أجيالاً طويلة.
    - المهم أن نبدأ...
    - والبداية؟.. ما البداية؟
    صمت سعد ملياً ثم قال:
    - البداية تنطلق من أنفسنا. ما لم يقم الإسلام في نفوسنا فلن يقوم في الأرض.
    - ثم؟
    - ثم علينا أن نتعاون ونتكامل ونتكافل حتى تنمو الجهود المخلصة وتتجمع في تيار واحد..تيار قوى فعال.. يطوي حياة الفساد والضياع والتخلف التي نحياها، ويبعث في ظلمة عصرنا الرديء تباشير فجر مشرق جديد.
    أطرق عصام مفكراً وأخذته سَنة من الشرود ثم همس:
    - سعد.. إن كلامك هذا ينقلني إلى عوالم جديدة كانت محجوبة عني. لا أكتمك ، فأنا الآن إنسان جديد..صاحب قضية في الحياة.. قضية مقدسة سوف تلون تفكري وطموحي وتوجه خطاي إلى المستقبل...
    - يسرّني أن أسمع هذا.. عصام.. أنت دليل جديد على ثقتي ببذور الخير التي ينطوي عليها مجتمعنا.. مجتمعنا يا عزيزي يزخر بالنفوس النقية المؤمنة، لكنها حائرة ضائعة لا تجد من يأخذ بيدها إلى شاطىء الحقيقة وبَّر الأَمان. لنتعاون معاً على إيصال الحقيقة إلى عشاقها... لنبدأ رحلة التغيير في دأب وأناة ولنتعاهد على ذلك.
    - إني أعاهدك على ذلك، وبعد التخرج سنتفرغ لإِنجاز الكثير....
    وران صمت قصير ما لبث أن قطعه عصام:
    - سعد.. لماذا لم تطرح علي أفكارك هذه قبل الآن، بالرغم من أن علاقتنا قد توطدت منذ سنوات؟!..
    ابتسم سعد وأجاب:
    - سأقول لك.. أنا أكره الاندفاع، ولا أميل إلى التسرع، كان لا بد من التمهيد الهادئ.. لا بد من بناء جسور المودة والصراحة والتفاهم بيننا، حتى يتم عبرها تبادل الأفكار والآراء في يسر وتقبل وقناعة...
    - لكم يروقني هذا الأسلوب الحكيم.
    - الدعوة يا صديقي فنّ.. عليك حتى تتقنها أن تفهم النفوس وتدرك طبائعها.. أن تختار اللحظة المناسبة التي تلقي فيها فكرتك.. أن تختار المكان المناسب.. أن لا تثقل عليها.. فللنفس طاقة محدودة للاستقبال إذا ما نفذت حلّ مكانها الضجر والملل وسقطت الكلمات على أرض عقيمة لا تنبت إلا الرفض والضيق، لذا لا بد من التدرج، فالقناعة لا تتولد من كثافة الأفكار بل من وضوحها وترابطها، ومع ذلك فليست كل النفوس مهيأة لاستقبال الحقيقة إلاّ أن تكون نفوساً إيجابية طيبة.
    ثم أردف سعد وهو مطرق:
    - عصام.. هناك أمر هام.
    - تفضل.. قل ما عندك.
    - هل نتكلم بصراحة؟
    - الصراحة مذهبي...
    - إن الالتزام بالإسلام يتطلب خطوات عملية.. خطوات سريعة حاسمة.
    قاطعه عصام:
    - إني أفهم ما ترمي إليه.. لكم يعذبني تقصيري.
    - الندم شرط من شروط التوبة الصادقة، لكنه ينبغي أن لا يتحول إلى عقدة الذنب.. فالله تواب رحيم
    - أستغفر الله وأتوب إليه.. سعد.. هل أجد عندك كتاباً مفصلا عن كيفية الصلاة؟
    ذهب سعد ليحضر الكتاب، بينما شغل عصام بالمناظر الخلابة التي تحيط به من كل جانب وقد بهره هذا اللقاء الساحر بين الليل الهادئ والطبيعة الخلابة، وشدته الورود من حوله فقام يتجول بينها متأملاً ألوانها الزاهية مستنشقاً عبيرها المنتشر عبر الهواء الرطب، ومع النسمات العليلة تحركت خواطره الدفينة وحفت به الأطياف تحاوره وتناجيه، واستأثر به طيف سامية فتساءل في نفسه عن موقفها من تحوله الجديد وما إن عاد سعد حتى سأله وهو يتناول منه كتاب الصلاة:
    - سعد.. ما هي نظرة الإسلام للحب؟
    أجاب سعد وهو لا يخفي دهشته من هذا السؤال المفاجئ:
    - الحب؟.. الحب عاطفة إنسانية نبيلة أودعها الله في قلب الرجل والمرأة ليكون الشرارة المقدسة التي تولد الحياة وتضمن استمرارها على الأرض.
    - بعضهم يدّعي بأنه حرام!.
    - الحب في حدّ ذاته ليس حراماً.. لكن الإسلام يرفض أن يكون الحب ذريعة للانحراف والفساد ووسيلة لتحقيق مآرب رخيصة، فباسم الحب ترتكب الآن أرذل الجرائم وتخدع نفوس طاهرة بريئة خفقت في فؤادها تلك العاطفة الفطرية النبيلة، فاستغلها آخرون من أصحاب الأهواء المريضة وقادوها إلى مواطن الرذيلة والفساد وجردوها من أخلاقها وعفتها وحطموا سمعتها ومستقبلها لعلك تذكر حديثنا حول ((منى وصفوان))..
    - أجل أذكر.. وماذا يفعل المسلم إذا خفقت في نفسه هذه العاطفة نحو فتاة ما؟
    - يسلك الطريق الطاهر النظيف ويتجنب الطرق الملتوية الآثمة، فيخطبها من أهلها بعد أن يدرس الموضوع من كل جوانبه ويتأكد من ملاءمة هذه الفتاة لحياته وطبعه وتفكيره، فإن وافقت الفتاة كان الالتقاء الحلال بينهما في ظلال الحب والتفاهم وإن رفضت لسبب أو لآخر فعليه أن يحترم رغبتها ويصون سمعتها وينسحب من طريقها حتى لا يكون سبباً في تعاسة إنسانة بريئة لم يقع اختيارها عليه.
    قال عصام وهو يرمي بنظراته إلى الأفق البعيد:
    - الإسلام منهج رائع حقاً...
    ضحك سعد وقال مداعباً:
    - عصام.. أرجو أن نسمع عما قريب أخبارك السعيدة...
    * * *
    بعد سهرة ثرية بالأحاديث والأفكار، ودع عصام سعداً ومضى.. كان القمر يتألق في كبد السماء الصافية بدراً منيراً ويلقي بأشعته الفضية على أشجار الطريق، فتضئ خضرتها الداكنة وتخلع عليها فتنة تسر الناظر وتشد العابر ليقضي الليل في ظلالها المزدانة ببقع النور المتسلل عبر الأغصان. وبهرته روعة المساء، وأغراه جمال الطريق بالمسير، فأطلق العنان لقدميه، فراحت تذرع الطريق بخطاً بطيئة كان وقعها يتردد إيقاعاً رتيباً يقطع الصمت الذي يلف الشارع الهادئ.
    هذا الصمت الشامل.. لكم يثير في نفسه الشجن!.. إنه يستجيش المشاعر، ويستدعي الخواطر فتتزاحم في وجدانه.
    إنه اليوم على أعتاب تحول جديد وحياة جديدة، فقد استيقظ في أعماقه إيمان عارم يلح عليه بالتغيير ويدفعه للعمل وينعطف به إلى عالم متميز.. وتحلق روحه مع الله.. فتشعر بين يديه بتقصيرها، وتدرك حقيقتها، وتتذكر مهمتها، وتعاهده على الالتزام بمنهجه الذي ارتضى.. ويتذكر عصام تصوراته السابقة عن الإسلام والتي تسربت إلى نفسه من البيئة المحيطة الجاهلة بأصول الإسلام ومبادئه العظيمة والتي ألصقت بالإسلام الكثير من عاداتها المنحرفة وتقاليدها الممجوجة وجهلها المريع.. يتذكر عصام كل ذلك، فيؤلمه ذلك التيه الذي كان ضارباً فيه.
    لقد وجد الآن تفسيراً شافياً لهذا الفهم الخاطئ الذي تحمله الأجيال الجديدة للإسلام والنفور الذي تبديه نحوه أحياناً.. إنه يكمن في أنها تلقت أفكارها وتصوراتها من البيئة، بدل أن تتلقاها من النبع الصافي الأصيل.
    ليس من المعقول أن تؤمن هذه الأجيال بإسلام مشوه مشوب بمفاهيم وعادات وتقاليد خاطئة متخلفة، وهي التي تفتح وعيها على حضارة العلم والاختراع وتشبع بمنهج البحث العلمي القائم على العقل والمنطق. لكم تؤلمه هذه الهوَّة السحيقة التي تفصل بين الإسلام الحق والمسلمين المتخلفين عنه فهماً واقعاً وسلوكاً!.
    ويزيده الواقع المؤلم اندفاعاً وحماساً، فيمنو شعوره بالندم ويحس بسياطه وهي تلهب ضميره التائب فتنتفض عنه الأدران والخطايا ويصغي لحديث نفسه اللوامة وهي تحاسبه وتعاتبه.. ((كيف ستقف أمام الله يوم القيامة.. يوم يسألك: أعطيتك الصحة فلأي شئ استعملتها؟ وأعطيتك العقل فكيف استخدمته؟ وأعطيتك العمر فكيف قضيته؟ أعطيتك وأعطيتك فماذا قدمت؟ حقاً ماذا قدمت حتى الآن؟))..
    وفاضت نفسه بالتأثر والانفعال، وانطلقت من جفونه دموع التوبة صادقة حرّى، فشعر ببرد السلام يمس شغاف قلبه، ويسكب في روعه الأمان، وتراءت له من بين الدموع مئذنة بعيدة تتلألأ بالأنوار، فهفت نفسه إلى الصلاة وآلمه أنه لم يدخل المسجد منذ أمد بعيد وتمتم في خشوع:
    - (( اللهم إني أتوب إليك من كل ذنب مضى وأسألك القبول.. اللهم إني قادم إليك فاغفر لي وارحمني واجعلني من الصالحين.. اللهم إني قد عزمت على التوبة فبارك خطواتي، وأعنِّي على مشقات الطريق)).
    * * *
    عندما اقترب عصام من البيت لاح له شبح أمه وقد وقفت تنتظر قدومه على الشرفة، متكئة بكلتا يديها على جدارها وهي تحتضن وجهها الحزين بين كفيها، وما إن رأته حتى دبت الحركة في شبحها الذي كان جامداً تحت وطأة الهم والقلق.
    وأدرك عصام ما عانته أمه بسببه من اضطراب وانزعاج، فحث خطاه ومضى يرقى السلم بسرعة وما إن وصل إلى الدور الثالث حتى وجدها تنتظر لدى الباب فابتدرته بالسؤال معاتبة:
    - لماذا تأخرت حتى الآن؟ لقد شغلتني عليك يا بني.
    قال عصام وهو يعتذر لها ويطيب خاطرها:
    - اعذريني يا أماه.. لقد امتدت بنا السهرة ثم آثرت القدوم سيراً على الأقدام فتأخرت..
    - ما كان ينبغي أن تتركني هكذا.. كدت أجن من الخوف والقلق..
    قال لها عصام بعد أن دلفا إلى الداخل:
    أماه أنت دائماً هكذا.. تستسلمين للقلق بلا مبرر وتندلع في نفسك المخاوف لأدنى سبب..
    قالت الأم باسمة وقد هدأ روعها:
    - ماذا أفعل؟!.. إنه قلب الأم..
    - قلب الأم هذا يحيرني.. لا يقنعه منطق، ولا يكبح اضطرابه كابحّ...
    ضحكت الأم وقالت:
    - لا تقل لي بأنك غاضب.. إني أعرفك.. ما كان ليغضبك مني شئ.. هل أعد لك العشاء؟
    - لا شهية لي للطعام.
    - بل سأعده لك.. يجب أن تتعشى.
    * * *
    كان عصام يتناول عشاءه في صمت.. شارد اللب.. ساهم النظرة.. مشغول الوجدان بهذا الانقلاب الجديد الذي أزمع على تحقيقه في حياته، ولم يخف هذا الذي يعتمل في صدره عن والدته التي كانت ترقبه بفراسة الأم، وقد أحست بما يعانيه من هم وتفكير، وزاد من قلقها عليه تلك الأنداء من الدمع التي كانت تلوح في عينيه الساهمتين بين الحين والآخر فسألته في إشفاق:
    - عصام.. ما الذي يشغل فكرك يا بني.. تبدو مهموماً شارد البال..
    - أماه.. لقد قررت أن أصلي.
    - الحمدلله.. هذه بشارة خير، ولكن ما الذي أهمك هكذا.. وهذه الدموع التي تلوح في عينيك؟.. أخبرني ما الأمر؟
    - لا شئ.. كل ما في الأمر أني نادم على تقصيري وأرجو من الله أن يقبل توبتي.
    هتفت الأم وهي تنظر إليه بدهشة واستغراب:
    - التوبة؟.. التوبة من ماذا؟.. إنك لم تفعل في حياتك ناقصة أو رذيلة.. أنت ولدي وأنا أعرف الناس بك...
    قال عصام واللقمة جامدة حبيسة في فمه:
    - إنها التوبة من التقصير والإهمال، والندم على الأيام الماضية التي قضيتها بعيداً عن الله كان ينبغي أن تنبهيني يا أماه...
    قالت الأم وهي تصب لابنها كوبا من الشاي:
    - لا عليك يا بني.. إن الله تواب رحيم، ثم إنك ما زلت شاباً وأمامك متسع من الوقت لتصلي وتصوم وتحج...
    قاطعها عصام موضحاً:
    من قال بأنك هناك متسعاً.. ليس هناك أي متسع، فالموت يتربص بنا، والله سوف يحاسبنا على الدقائق والثواني كيف قضيناها؟..
    - الموت؟!.. ما الذي يجعلك تفكر فيه الآن؟
    - الموت حق يا أماه.
    هتفت الأم في ضيق تريد إنهاء الحديث:
    - حسناً.. حسناً.. تناول الشاي فقد كان أن يبرد.
    * * *
    أنهى عصام طعام ثم مضى فاغتسل وتوضأ وعاد إلى الصالة فاستقبلته أمه بنظرات ملؤها الود والإكبار.. إنه في نظرها ملاك كريم يدب على الأرض.. كتلة من الطهر والنقاء.. شعلة من الأمل الواعد تتألق في دنياها المظلمة لتنير لها الدروب إلى مستقبل باسم سعيد.. إنه روحها التي تخفق في صدرها، وفؤادها الذي ينبض بالحياة.
    قام عصام يؤدي صلاة العشاء، ثم جلس يدعو الله في خشوع ضارع عميق، وبعد أن أنهى دعاءه اتجه إلى المصحف المعلق في صدر الصالة، فتناوله في لهفة، ثم نفض عنه الغبار في حياء، وحرره من بيته المخملي الأخضر، وفتحه في رفق وأراد أن يقرأ، لكنه انتبه إلى أمه وهي ترقبه في سرور باسم فلمح في عينيها الحب والحنان، وأراد أن يزيد سعادتها فقال لهم وهو يبتسم في حبور:
    - أماه.. نسيت أن أقول لك شيئاً مهماً.
    - يبدو أن هذه الليلة مليئة بالمفاجآت.. ماذا تريد أن تقول؟...
    - أرجو أن تستعدي لتخطبي لي سامية.. هذا قراري الأخير.
    * * *

















    الفصل الثاني عشر
    (( اللهم إن كنت تعلم أن زواجي من سامية خير لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، فاقدره لي، ويسره لي، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن زواجي منها شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري فاصرفه عني، واصرفني عنه، اقدر لي الخير حيث كان، ثم رضّني به.. آمين، والحمد لله رب العالمين)).
    لم يخفف هذا الدعاء الضارع الذي استخار عصام به الله في أمر زواجه من قلقه واضطرابه أو يحد من خفقان قلبه الشديد، الذي كان يتلاطم بين ضلوعه، ويرجّ رجاً عنيفا، فتتسارع نبضاته كلما اقتربت عقارب الساعة من السادسة مساء، حيث يأزف موعد زيارته وأمه لمنزل الدكتور إياد ليخطب منه ابنته سامية.
    إنّه لم يتوقع أن يحدث هذا الأمر في نفسه كل هذا الاضطراب، فمنذ الصباح الباكر، وهو يكابده بأعصاب مرهفة وخيال شارد، حتى خطبة الجمعة التي كان يصغي إليه بعمق وتركيز أفلتت من إدراكه، عندما بدأ الخطيب يتحدث عن واجب الأمة في إحصان شبابها وفتياتها، وتأمين الضروف الملائمة للالتقاء الحلال بينهم، ومحاصرة أسباب الغواية والفساد في المجتمع فانطلق خياله ليحدثه عن سامية، والخطوة الحاسمة المنتظرة، لتحديد موقعها في حياته ومستقبله، ولم يستيقظ من شروده إلّا عندما رأى المصلين ينهضون لتأدية الصلاة...
    ودخلت الأم على عصام، وقد ارتدت ملابسها وتهيأت للخروج فوجدته يطوي سجادة الصلاة فقالت بنبرات ضاحكة:
    - ما هذه الصلاة التي أديتها؟.. ألم نصلِّ المغرب معاً؟
    - إنًّها صلاة الاستخارة.. ركعتان يصليهما المرء ثم يدعو الله عقبهما بدعاء خاص يسأل الله فيه التوفيق والتسديد بعد أن يعد للأمر عدته ويدرس الخطوات التي سيقدم عليها بدقة وروية، ثم يمضي لما ينشرح له صدره وترتاح إليه نفسه.
    سألته أمه وهي تمازحه:
    - وكيف تجد نفسك الآن؟
    - أمّاه.. لقد عزمت، وتوكلت على الله، هيا بنا الآن..
    * * *
    بين الدور الثالث حيث تقيم أم عصام، والدور الثاني حيث تقيم عائلة الدكتور إياد، مسافة قصيرة لا تحتاج لقطعها أكثر من لحضات قليلة، لكن أم عصام قطعت في خيالها خلال هذه اللحضات ربع قرن من الزمان، حافل بالذكريات والأحداث، وكلما هبطت في السلم درجة تراجعت في خضم السنين عاماً أو أكثر.. تذكرت خطبتها وزفافها.. تذكرت حملها وولادتها.. وتذكرت عصاماً من الميلاد حتى الشباب.. تذكرته وليداً يبكي، وتذكرته طفلاً يحبو.. تذكرته صبياً يلعب وتذكرته فتى ينمو، وتذكرته شابا يافعاً يسمو بأخلاقه وذكائه ونبوغه.. وعندما وصلت إلى الدور الثاني كانت نفسها قد تخففت من كل الهموم والأحزان، وتهيأت لتستقبل الفرحة الجديدة بكل ما أوتيت حواسها من إرهاف، وتخيلت ابنها عريساً وسيماً يزف إلى عروسه الجميلة ففاضت نفسها بالبشر والسرور، وطفح قلبها بالسعادة، ورفت على شفتيها ابتسامة طاغية لم تجد لإخفائها سبيلاً.
    وتقدم عصام من الباب فقرع الجرس ثم تنحى ليقف خلف أمه.. وفُتح الباب فأطل منه الدكتور إياد وزوجته وقد تأهبا لهذه الزيارة الموعودة، ولسانهما يلهج بكلمات الترحيب الحار، ونظراتهما تشع بالحب والاحترام العميق.
    واستقر بهم المجلس.. وتشعبت بهم الأحاديث.. فتبادلوا عبارات المودة وأشادوا بعلاقة الجوار الجديدة التي جمعتهم وشرعوا يتكلمون عن الماضي والحاضر، فذكروا الراحلين ومآثرهم وتحدثوا عن الآباء ونوادرهم ووقفوا طويلا عند حديث الأبناء ومشاكلهم، وكلما أوغلوا في السمر شعروا بالألفة تزداد وتتوطد بينهم. وحانت برهة صمت طارئة فانتهزتها أم عصام قائلة:
    - ليتكم تسمحون لي بكلمة...
    شعر عصام بأن اللحضات الفاصلة قد أزفت فتعالى وجيب قلبه، وتململ من شدة الارتباك، بينما قال الدكتور إياد وقد لاحظ ارتباكه:
    - أنت سيدة المجلس يا أم عصام، فكيف نعطيك الإذن بالحديث؟
    - قالت أم عصام وملامحها تنطق بالسرور:
    - الله يبارك فيك يا حضرة الدكتور..
    ثم تابعت في تدفق وحماس:
    - ((تعلمون أنه ليس لي في الدنيا أعز من ولدي عصام، ولن تكتمل سعادتي إلا بتمام سعادته وعما قريب سوف يتخرج –بإذن الله- ولم يبق أمامه إلا الزواج وقد فكرت في الأمر فلم أجد له خيراً من ابنتكم المصونة سامية التي لن أجد فتاة بمثل تربيتها وأخلاقها، لذلك فإني أتشرف بخطبتها بابني لما علمت من ارتياحه لها، وإعجابه بسلوكها المحتشم وخلقها الأصيل.. هذا كل ما عندي، فلا أدري ما هو الرأي عندكم؟..)).
    ابتسم الدكتور إياد ابتسامته المألوفة، وقال دون أن يفاجئه الكلام:
    - أشكرك بالنيابة عنا جميعاً على مدحك لابنتنا سامية وتربيتها، واعلمي أنها ابنتك كما هي ابنتنا، وإذا أردت رأيي بالموضوع فإني ألخصه لك في كلمة واحدة. إنني أنا الذي أخطب ابنك عصام لابنتي سامية، لأنني أكون بذلك قد توخيت الرجولة والأخلاق والشرف، ولا أطلب لابنتي أكثر من ذلك.
    وأردفت زوجة الدكتور إياد:
    - قد تكون معرفتي بعصام قليلة، لكنني بعد ما سمعته عنه وعن أخلاقه، وبعد أن تعرفت بأختي ((أم عصام)) وخبرت أخلاقها ومعاملتها الكريمة، فإني أتشرف أن يكون الدكتور عصام زوجاً لابنتي أأتمنه عليها.
    قال عصام بنبرات مرتجفة خنقها الانفعال:
    - أرجو أن أكون عند حسن ظنكم جميعاً.
    قالت أم عصام:
    - هل نفهم...؟
    لكن الدكتور إياد سرعان ما التقط الحديث منها ليزيد موقفه إيضاحاً وتفصيلاً:
    - ((أرجو أن يكون الأمر كما يتمنى الجميع، لكن رأينا يبقى ثانويا بالنسبة لرأي الفتاة، فهي صاحبة الشأن في هذا الأمر، وتبقى الكلمة الأخيرة الحاسمة لأنها حرَّة في حياتها وفيمن تختاره شريكاً لها وليس لنا إلا أن ننصحها ونوجهها.. أليس كذلك يا عصام؟.. تبدو خجولاً هذه الليلة!)).
    ضحك الجميع لهذه الدعابة بينما أرسل عصام ابتسامة عريضة فضحت ما يجول في داخله من سرور وارتياح لهذا المنحى الذي يسلكه الحديث، وقال وهو يفرك يديه ليداري انفعالاته:
    - ((إني أوافقك على ما تقول، فاستشارة الفتاة في أمر الزواج مبدأ أصيل من مبادئ الإسلام)).
    وأضافت أم عصام:
    - هل نؤجل الموضوع يوماً أو أكثر حتى تعرفوا رأي الفتاة؟
    أجاب الدكتور بعد أن تبادل مع زوجته نظرة تفاهم:
    - (( لا داعي للتأجيل.. سنسألها عن رأيها الآن، فأنا واثق من قدرة ابنتي على اتخاذ قراراتها بشجاعة ووضوح، وإذا ما أرادت مهلة لتحديد موقفها أمهلناها،.. عن إذنكم... )).
    ثم أومأ لزوجته فلحقت به..
    كانت غرفة سامية قريبة من الصالة بحيث كانت تستمع لكل ما يقال، ورغم أنّها كانت تتوقع هذا الحدث وتترقبه، إلاّ أنّ الأمر أربكها تماماً، ووضعها فجأة في مواجهة حلم لذيذ. وسرت الفرحة في أوصالها، فاجتاحتها موجة من السعادة والحبور. وأرادت أن تستعلي على مشاعرها المتدفقة لتبدو في تماسك طبيبة رصينة توشك أن تحتل موقعها المميز في المجتمع، لكن الفرحة كانت أقوى منها، فأطلّت من عينيها، ورفرفت فوق شفتيها، وعندما سمعت وقع أقدام أبويها وهي تقترب من حجرتها، حاولت عبثاً إخفاء الفرح والسعادة التي أشرق بها وجهها، لكنها لم تستطع، فتضرجت وجنتاها بحمرة الحياء وخشيت أن تفضح ملامحها مشاعرها، فتناولت كتاباً وتظاهرت بأنها منهمكة في قراءته.. وسمعت طرقاً خفيفاً على الباب فاضطربت له، وماتت الكلمات على شفتيها فلم تنبس. وفتح الباب فخفق قلبها بعنف وانتشرت أمواج الانفعال في أغوارها وراحت تضغط على صدرها فأرسلت تنهيدة لتنفس بها عن جيشان مشاعرها المستبدة العارمة.
    أغلقت أمها الباب، وقالت مداعبة:
    - لا تقولي بأنك منهمكة في القراءة، لا بد أنك سمعت حديثنا مع عصام وأمه.
    لم تجرأ سامية أن ترفع رأسها من شدة الحياء، فلاذت بالصمت والإطراق، وازدادت ابتسامتها اتساعاً: ووجنتاها احمراراً، وأحاسيسها اضطراماً.
    قال الأب وقد فهم موقف ابنته الذي خمنه منذ مدة:
    - هل أفهم أنك موافقة؟.. فالسكوت علامة الرضا.
    أردفت الأم :
    - يجب أن تحددي موقفك، فالجماعة بانتظار جوابك.. عصام شاب ممتاز تعرفين عنه أكثر مما أعرف، وأمه سيدة طيبة.. إنكما لائقان ببعضكما فلا داعي للتردد. هل أفهم اعتصامك بالصمت على أنه الجواب؟
    صمت الأبوان بانتظار جواب ابنتهما غير أنها داومت الصمت والإطراق وأخذ الحياء منها كل مأخذ فمدّ الأب يده إلى وجهها المورد ورفعه من ذقنها فأمالت رأسها في دلال وأسبلت جفنيها في وداعة، وقد أشرق وجهها بابتسامة تشي بالرضا والقبول، وأذاعت ملامحها الباسمة السعيدة السر المكنون، ونطقت بالقرار.. فامتلأت نفس الدكتور إياد بالغبطة وقال وهو يطبع على جبينها قبلة حانية:
    - مبروك يا ابنتي.. مبروك.. وفقك الله وكتب لكما السعادة والهناء.
    بينما مالت الأم على ابنتها وراحت تمطرها بالقبلات.
    * * *
    كان قلب عصام يخفق بشدة رغم أنه كان موقناً بالموافقة، أم الأم فقد كانت تنتظر الجواب على أحر من الجمر، فلقد أحبّت سامية وشعرت نحوها بارتياح عجيب إنها تشفق أن تفلت هذه الفتاة من يدها، لأنها أنسب من رأت لابنها الحبيب الذي باتت تشعر بأحاسيسه وتفكر بعقله وتنطق بلسانه وتنظر إلى الوجود بعينيه، وما إن عاد الدكتور إياد حتى تعلقت العيون بشفتيه الباسمتين أن تنفرج عن القرار الأخير.
    - ((مبروك يا بني.. على بركة الله...)).
    هكذا هتف الدكتور إياد وهو يتجه إلى عصام.. وتصافح الرجلان، وشد كل منهما على يد الآخر في ود وحرارة وقال عصام بنبرات منفعلة:
    - بارك الله فيك يا عماه.. أطمئنك بأني سأضع سامية في عيني هاتين، وسأسعى لإسعادها السعادة التي تليق بها، ليس لأنها ستكون زوجتي الغالية فحسب، ولكن لأنها إبنة الرجل الذي هو في مقام والدي – رحمه الله - .
    - رحمهُ الله رحمهُ الله .. أنا واثق من أن سامية قد أحسنت الإختيار.. بارك الله لكما في زواجكما ومد في عمركما حتى تفرحا بأولادكما وأحفادكما يا.. يا صهري العزيز.
    ولم تستطع الأم أن تلجم فرحتها فأرسلت لسانها بالزغاريد، وعندما حاولت أن تبارك لابنها خانها لسانها، فهبت دموع الفرح لتكون ابلغ تهنئة في هذه المناسبة السعيدة.
    ودخلت زوجة الدكتور إياد والفرحة تطل في عينيها وهتفت في نبرات تضج بالسرور:
    - مبروك يا عصام.. لكم يسعدني أن تكون زوجاً لابنتي سامية.
    وصاح الدكتور إياد في إنكار تصنع ليداعب القلوب الفرحة:
    - ألا تجلسون؟.. لستم أول من خطب وتزوج!!.
    ثم وهو يرفع صوته أكثر:
    - سامية.. أين الشاي يا سامية؟
    وقالت زوجته ترجوه:
    - بالله عليك لا تحرجها هكذا..
    ثم وهي تتجه بالحديث إلى أم عصام:
    - لو ترين وجهها ونحن نسألها عن رأيها.. إنه بحمرة الورد من شدة الحياء..
    قالت أم عصام:
    - لأنها فتاة أصيلة ومرباة. لو تعلمين كم أحببتها.. لقد دخلت إلى قلبي منذ أن رأيتها أول مرة.
    ثم وقد جلست بجانب ابنها الذي كان يعاني من الارتباك والخجل:
    - والآن ما رأيكما لو نتحدث عن المهر والذهب وكتب الكتاب وغير ذلك من الأمور؟...
    قال الدكتور إياد بعد أن تبادل مع زوجته نظرة فهمت مرماها فوافقته بإيماءة من رأسها:
    - ((أرجو أن تسمعا رأيي في هذه الأمور.. أنا لا أحب الوقوف عن المسائل المادية كثيرا، لا سيما مع من أحبهم واحترمهم وأثق بمعاملتهم.. مهر هذه الفتاة خاتم من الذهب، هذا المقدم، أما المتأخر فأترك تقديره لعصام، على أن لا يتجاوز المقدار المتوسط الذي اعتاد عليه الناس في مجتمعنا، وبعد ذلك فإن عصاماً حر فيما يقدمه لبيته وزوجته، أما بالنسبة لكتب الكتاب فأرجو أن يتم في أسرع وقت ممكن، حتى يتاح للعريسين حرية الالتقاء في ظلال الشرع والحلال، أما العرس فيتم حسب اتفاق العروسين.. بقي شئ آخر.. هديتي لابنتي سامية بمناسبة زواجها ستكون الشقة المقابلة للشقة التي تقيمان بها، وسأكتبها باسمها في أقرب وقت.. هذه شروط لا أتنازل عنها بحال.. ثمة رجاء أخير.. أرجو من عصام وسامية أن لا تلهيهما الخطبة والزواج عند دراستهما وطموحاتهما الكبيرة، التي تحتاج إلى جهد كبير، هذا كل ما عندي بصراحة وإصرار)).
    رفعت أم عصام حاجبيها دهشة وهمست:
    - لكن هذا كثير يا دكتور.. لقد غمرتنا بكرمك.
    اعترض الدكتور على كلامها بإشارة من يده وقال:
    - أستغفر الله يا أم عصام، هذا ليس كرما.. هذه واقعية، فأنا واثق من زوج ابنتي، ومتأكد من أنه لو كان يملك الملايين لفرشها لسامية، فلماذا أضع له شروطا تحرجه وتكبله؟. إن أخلاقه العالية هي خير ضمان لمستقبل ابنتي، وأمام الثقة والأخلاق تصبح المادة تافهة لا قيمة لها.
    كان عصام ينظر إلى الدكتور إياد في إكبار وإعجاب شديدين.. كان يشعر أنه جالس في حضرة عملاق، تحفه هالة من النبل والشهامة، وينبض قلبه بأرفع المشاعر وقال بنبرات تضح رجولة وقوة:
    - دكتور إياد.. بعد إذن والدتي، أنا موافق على كل شروطك، وأرجو أن أكون عند حسن ظنك بي، وسوف تخبرك عن وفائي الأيام...
    - على بركة الله يا بني.. أتمنى لكما السعادة والهناء والتوفيق.
    ودخلت سامية وهي تحمل الشاي، وقد تألقت في ثوبها الأزرق السابغ الجميل، وبدا وجهها الذي توردت وجنتاه كزهرة ساحرة تقطر حسنا وروعة وصفاء، ورفع إليها عصام نظرات تفيض حباً وإعجاباً وخفق قلبه لمرآها الذي حرك عواطفه المكبوتة فراحت تتلاطم في أعماقه تريد أن تنبثق، فأشرق وجهه بابتسامةٍ وضيئة زادته جاذبية ووسامة، وأصاخ إلى صوتها العذب وهو ينسكب في أذنيه هامسا دافئا رقيقا:
    - تفضل ...
    فشكرها بنبرة هامسة خنقها الانفعال، واشتبكت نظراتهما للحظة، فومضت عيناها ببريق الحب، وأثار الموقف ذكريات الحاضرين، فانفجروا ضاحكين، فبددت الضحكات ارتباك العروسين، وطوحت خجلهما، وحطمت بينهما حواجز التكلف. فهدأ روعهما وانطلقت أساريرهما وسكنت روحاهما، وقد فردت أجنحة الشوق والحنين، فتعانقت في حب وامتزجت في نشوة وحلقت في دنيا فريدة من السعادة والطمأنينة والسلام.
    * * *


















    الفصل الثالث عشر
    - إني أعترف لك بأنك طاهية ماهرةً يا أم عصام!.. هل تريدون الحق ؟ لقد بدات أحسد أبنتي على ما سوف تستمتع به من طعام حماتها الشهي اللذيذ ...الله أكبر .. هذا عشاء لن أنساه... تنحنحت زوجت الدكتور إياد تنبه زوجها إلي وجودها وقالت بلهجة متوعدة تصنعتها:
    _ (( أصبح طعامي الآن لا يعجبك يا دكتور!.. أليس كذالك)) ثم وهي تتجه بالحديث إلي إبنتها:
    _ هؤلاء هم الرجال يا ابنتي...دائما ينكرون الجميل وينسون المعروف..طبخة لذيذة صنعتها له حماتك ، أنسته كل ما أقدمه له من الأطباق الفاخرة الشهية.
    قال عصام وهو يرمي حماته بنظرة ودودة فيها دعابة وعتاب:
    _ سامحك الله يا حماتي .. إني أشم في كلامك لسامية دعوة إلي التمرد ؟؟...أخشى أن المعركة بيننا قد بدأت !
    ضحك الجميع في سعادة بينها قالت سامية بلهجة تتراوح بين الجرأة والحياء:
    _ اطمئني يا أماه.. إن عصاماً رجل وفيّ لا كسائر الرجال.
    هتف عصام بنبرات مرحة:
    _ يحيا العدل .. هكذا النساء أو فلا ...
    بينما قال الدكتور إياد في إنكار:
    _ هكذا إذن.. يعني أنا رجل بلا وفاء .. أو كما قال الأوائل: (ربوا واتعبوا .. ))!.
    ضحك الجميع فى مرح،بينما قالت سامية معتذرة:
    - سامحك الله يا أبت .. لم أقصد هذا ابداً..
    قالت أم عصام وهي فرحة بهدا الجوا العائلي المفعم بالسرور:
    - هنيئاً لكل من أكل .. بالصحة والعافية
    – إن شاء الله
    - والآن ما رايكم بكوب شاي ؟
    ولم تنتظر جوابهم فهمت بالنهوض إلا أن سامية سبقتها قائلة:
    - بل أنا التي ستصنع الشاي .. استريحي يا أماه..
    ابتسم الجميع لهذه المبادرة وقال الدكتور إياد:
    - يا لك من كنة وفية يا ابنتي!.
    أحرجت كلمات الأب سامية وكادت أن تتعثر في خطواتها ، بيد أن ملا محها كانت تنطق بالرضى والسرور، وأسرعت إلى المطبخ وسط سيل من الضحكات الودودة المشفقة ,وما هي إلا برهة حتى تململ عصام فى مكانه، ثم قام محاولاً الإنسحاب للحاق بسامية ،لكن الدكتور إياد فاجأه مداعباً:
    - إلي أين؟
    أجاب مرتبكاً:
    - ((سوف..سوف أذهب لأساعد سامية فى تحضير الشاي)) ثم أستدرك وهو يمضي :
    - أخشى أنها لن تعرف مكان الأكواب...
    - يعني لم تصبر على فراقها ....
    ضحك عصام وأسرع إلي المطبخ حيث كانت سامية منهمكة في إعداد الشاي، فأطل من الباب ،وقال بصوت هو أقرب للهمس :
    - مالي أرى القمر شارداً هذا المساء..
    - عصام؟ .. أهلاً...
    - بل أهلأ بك في بيتك .
    - كيف أنت ؟
    - بعدك يعذبني .
    ابتسمت سامية ولم تنبس بينما تابع عصام:
    - ((حتى أني لم أصبر على فراقك حتى تحضري الشاي)).
    ثم تقدم منها في لهفة، وقال وهو يتناول يديها بين راحتيه
    - سامية ...
    همست وهيا ترقب الباب في حذر :
    - أخشى أن يدخل علينا أحد...
    - وهل نرتكب حراماً .. أنت زوجتي أمام الله وأمام الناس وما هيا إلا أسابيع قليلة ونتزوج ونستقر في بيت واحد...
    - أعرف ولكن ..
    - ولكن ماذا؟
    - لن ننجو اليوم من ألسنتهم اللاذعة.. لا سيما ((أبي)).
    ابتسم عصام وقال:
    - لكم تسرني دعابات أبيك .. إنه ينسيني أنه أستاذي في الجامعة،ويشعرني بأبوة غامرة.
    قالت سامية كمن تذكرت:
    - علمت منه أنكما قد اتفقتما على ترك عملك معه في العيادة حتى تتفرغ للتحضير والاستعداد للتخرج.
    - هكذا كانت رغبته ، لكني سوف أعود إلي العمل معه فور انتهاء الامتحانات .
    - وكيف دراستك الآن
    - الحمد لله ، وأنت؟...
    - لقد أنهيت اليوم مقرر ((الجراحة)) وسوف ابدأ غداً بمراجعة مقرر ((الباطنية)) .
    - أما أنا فقد راجعت جميع المقررات تقريباً ، وسوف أعيد قرائتها مرة أخرى حتى أتمكن منها تماماً.
    - يا لدأبك وجلادتك !.. كيف تصبر على كل هذا؟.. إني أراجع المقررات في مشقة، فتكرار المعلومات يورثني السآمة والملل!.
    - لا أنكر أنني أعاني كما تعانين، لكني أجد في التكرار ترسيخاً للمعلومات وتثبيتاً للأفكار، مما يفتح أمامي آفاق جديدة من الفهم والتركيز ..دعينا من حديث الدراسة الآن ...
    - عم نتحدث إذاً؟.
    - عن القلوب ....
    - وماذا نقول ؟
    سألها عصام في عتاب رقيق :
    - حقاً؟.. أليس عندك شئ تقولينه؟!.
    قالت وقد تقصدت أن تخفف النار تحت الإبريق:
    - عندي الكثير...
    - حدثيني إذاً !.
    - لا أتقن التعبير .
    - قولي أي شئ.. أي شئ... المهم عندي أن أستمتع بنبراتك الدافئة العذبة وهي تنسكب في سمعي وتملأ مسارب نفسي.
    قالت في حياء وهي تتشاغل برصف الأكواب على الصينية :
    - كثيراً ما تنهال المعاني على نفسي فتفيض بي المشاعر وتتدفق تريد أن تنبثق وتفصح عن مكنونها ،فأكنوها في أعماقي لأبوح لك بها ، وعندما أراك يثقل الحياء لساني فلا ينطلق بها !
    - الحياء مني؟...
    ابتسمت وأجابت وكأنها تدافع عن نفسها :
    - كلانا على أبواب تجربة جديدة!.
    رمقها عصام بنظرة حانية،وقال وهو يتأمل عينيها الجميلتين وقد لاذتا بزاويتي محجريها من فرط الحياء:
    - أدرك هذا يا عزيزتي .. يكفيني حديث عينيك فحدثيهما أبلغ وأحلى...لقد باحتا لي بكل ما يخفق به قلبك من مشاعر وعواطف ، وأخبرتني بكل ما يمور في صدرك العامر بالحب والحنان.
    سألته في دلال :
    - هل تتحدث العيون ؟
    - ولحديثهما الساحر همس لذيذ لا يتطرق إليه النسيان .
    - ماذا قالت لك؟
    - قالت لي الكثير ، لكن اللسان يعجز أن ينطق بلغة العيون ، فحديث العيون لا تتقنه إلا العيون ....
    وقطع الحديث عليهما صوت الدكتور إياد وهو ينادي:
    - أين الشاي يا أولاد ؟
    فضحك عصام وقال:
    - لقد بدأ أبوك هجومه.
    - الويل لنا من تعليقاته اللاذعة.
    - إسمعي ... سنقدم لهم الشاى ونستأذنهم لنجلس وحدنا على الشرفة , فالجو فيها هادئ لطيف.
    همست وهي راضية سعيدة :
    - ((كما تشاء))
    حملت سامية الشاي فقدمته للحاضرين ، ثم مضت مع خطيبها إلي الشرفة الهادئة وكان أول لقاء منفرد بين الحبيبين في ظلال الحلال .. وتوالت بعده اللقاءات السعيدة اللذيذة فشهدت تلك الشرفة أجمل وأروع قصة حب بين قلبين عاشقين جمعت بينها الأقدار........
    * * *



















    الفصل الرابع عشر
    خرجت منى من ((قاعة المطالعة)) ومضت إلى مطعم الكلية فطلبت فنجاناً من القهوة ثم اختارت ركناً هادئاً معزولاً وجلست تحتسي قهوتها في صمت وشرود... ورآها صفوان فتقدم منها وألقى التحية بلهجته المائعة المعروفة فرمقته منى بطرف عينيها وترددت برهة ثم قالت بنبرة جافّة تخلو من الترحيب :
    - أهلاً...
    - كيفك؟
    - لست سعيدة ...
    قال وهو يجلس قبالتها..
    - لعلك تشعرين بالوحشة...لماذا لم أعد أراك؟
    أجابت وهي تحدجه بنظرة ذات معنى :
    - أنتظر دوري...
    - دورك؟...دورك في ماذا ؟!
    - صفوان ما رأيك ((برشا))؟
    فاجأ السؤال صفوان فأجابها متجاهلاً وقد ساوره القلق:
    - رشا ... رشا زميلتنا في الكلية؟
    قالت منى في سخرية :
    - نعم زميلتنا في الكلية ..أم أنك لا تعرفها ؟
    - أعرفها .
    - ماذا تعرف عنها ؟
    - ماذا أعرف عنها ؟!... منى ..عمّ ًتتحدثين؟!!
    سألته في حزم وتحدًًّ:
    - وميادة؟..
    ساءل صفوان وقد ارتاب في أسئلة منى وشعر بأن أوراقه بدأت تنكشف:
    - ميادة ؟!!
    - نعم ميادة ..ميادة التي ليست زميلتنا في الكلية:
    تضاحك صفوان في فتور وقال متظاهراً بالمرح:
    - منى.... ما بالك اليوم تتحدثين بالأحاجي والرموز؟!!
    - هل تجد كلامي غامضاً إلي هذا الحدّ؟
    - منى ... ماذا تقصدين بهذه الأسئلة الغريبة...ثم ...ثم
    من هذه التي تدعى ((ميادة))..؟

    قالت وهي ترميه بنظرة ثاقبة:
    - صفوان... متى نتزوج؟
    - نتزوج !... وهل هذا وقت زواج؟...
    - وقت ماذا إذن ؟!
    - وقت تعب وسهر ودراسة .. هل نسيت أننا على أبواب التخرج.. على فكرة ..لم تعودين تذاكرين عندي!
    - لم تجب على سؤالي.
    - زوريني اليوم وسأجيبك.
    - لن أزورك حتى تحدد موقفك منى .
    - موقفي؟.. أنت تشكين في موقفي منك يا منى ؟.
    - أريد ضماناً لمستقبلي .
    - ((وعد الحرًّ دَين)).
    أثارت كلمات صفوان سخرية منى لكنًّها تابعت قائلة:
    - صفوان ..يحب أن تفهمني .. مستقبلي بات في يديك وأنا أريد أن أطمئن عليه .. أريدك أن تخطبني من أهلي، أما الزواج فأجله ما شئت...
    - كلامك يدل على أنك تشكين بي وبنواياي نحوك .. أنا أحبك يا منى ..والله أحبك ..صدًّقيني.
    - قدم دليلاًّ واحداً..
    قال صفوان في جدّ وامتعاض وقد بدأ يشعر أن منى بدأت تتمرد عليه:
    - هذا المكان ليس مناسباً لبحث هذه لأمر..تعالي إلي شقتي اليوم وسنناقشه بروية وهدوء.
    - لن أزور شقتك غير اليوم.
    - لماذا؟
    - لأني أرفض أن أكون لك مجرد عشيقة.
    - قلت لك سنتزوج ...سنتزوج..صدًّقيني...
    - أريد الدليل ..
    قال صفوان في هدوء عاصف:
    - تتكلمين بنبرة جديدة..
    - هذا حقي ..
    - هذه اللهجة لا تروقني.
    - أنت حرّ.
    - أبتسم صفوان في تحدٍّ وقال:
    - منى ..أنا لا أرحم من يتحداني .
    - تهددني؟
    - بل أذكرك..أنت تعرفينني جيداً ولا أرغب في أن تسوء علاقتي بك.. تعالي اليوم وسنتحدث في هدوء..
    وقفت منى غاضبة وقالت بلهجة حاسمة:
    - لن أدخل شقتك بعد اليوم حتى تقدم الدليل على إخلاصك فتخطبني من أهلي خطبة شرعية تكون لي ضماناً في المستقبل فإن أردتني زوجة كنت لك أخلص زوجة، أما إذا أردتني مجرد عشيقة تتسلًّى بها فأنا أرفض ذالك ..هل سمعت ؟..إني أرفض ذلك...
    ومضت منى وهي تشعر لأول مرة بأنها تضع قدمها على الطريق الصواب، لكنها ما كادت تمضي خطوات حتى خطر لها أنها تسرعت كثيراً في إعلان ثورتها !..
    * * *



    الفصل الخامس عشر
    الربيع يزداد قرب الحبيب ربيعاً..والليل الساكن الجميل يزداد روعة وسحراً، والنسيم العليل المفعم بأريج الياسمين يتسلل إلى النفس فينعشها ويزيدها بهجة وسعادة، والسماء الصافية البديعة ترمق العاشقين بعيون تتلألأ بالنور، والهلال الفضي يتألق في القبة الزرقاء كثغر ضاحك يشع بابتسامة السماء، وكأنها تشارك الأحبة فرحة القرب وأنس اللقاء ...
    وضاقت الشرفة بعصام فلم تعد تسعه من فرط السعادة وفيض الحبور ، فالقلب اليوم هانئ مسرور، والنفس مترعة بأعذب الأحاسيس وأحلاها، والروح ترفرف حول الحبيب في فرح .. تناجي روحه اللطيف، وتبثه لوا عج الشوق والهيام، والعين ترنو إليه في حنان، فيبهرها هذا الجمال الباسم الماثل أمامها، فترسل نظراتها الوالهة المتولعة، لتتأمل القسمات الوسيمة، وتجوب الملامح الحسناء، وتسافر عبر القد الأهيف الممشوق، ثم تعود بعد طول تجوال لترتاح في عينيه الذابلتين، فيأسرها اللحظ الوداع في حياء، وتتيه في بحر من البراءة والصفاء...
    وتتأجج مشاعر عصام وتتوهج أحاسيسه وتتألق عواطفه فيسطع ألقها من نظراته الأسيرة، وينطلق بها لسانه فيهمس في وجد وهيام:
    - سامية ..على عتبة قربك الحبيب أخلع كل همومي وأحزاني ليسربلني حبك الكبير، وفي واحة حنانك الوارف يحيط قلبي المكدود رحاله، فينفض عنه أتراحه وأشجانه ويروي أشواقه ولهفاته، فتخضوضرُ فيها الآمال، وتزهر الأماني، وتبسم الأحلام، ويحل في أعماقي المقفرة ربيع ساحر عامر بالأفراح.
    همست سامية في دلال:
    - عصام...
    تابع عصام في توسل :
    - دعيني أتكلم ..دعيني أبوح بكل ما في صدري ..لقد آن للعواطف الحبيسة أن تنبثق، وآن للقلوب الظامئة أن ترتوي، وآن للحب الصامت العفيف أن يصدح ويشدوا.. .. إنك الآن زوجتي وشريكة عمري ..أنت الإنسانة التي خلقت لي وخلقت لها.. أنت النصف الأخر الأجمل والأحلى من نفسي والذي يمدني دوماً بالآمال والثقة والتفاؤل، فدعي الأرواح في أفراحها سعيدة بهذا اللقاء بعد أن أضناها الشوق وأوجعها الحنين.
    هيجت كلمات عصام مشاعر سامية، وألهبت عواطفها، عصام.. قد لا أتقن مثلك حلو الكلام، لكني أبادلك كل المشاعر والأحاسيس التي تحملها نحوي، ولو أصغيت إلى حديث نفسي لسمعتها تتحدث بلسانك وتحس بعواطفك، وكأن خواطرها رجع الصدى لما يأتلق في نفسك من خواطر..
    وصمتت للحظة، ريثما استوعبت أمواج الانفعال التي فاضت بها نفسها، ثم تنهدت وهمست بنبرات مرتعشة ندتها دمعتان تألقتا في صفاء عينيها الفاتنتين :
    - عصام.. أنا أحبك يا عصام.. أحبك كما لم تحب فتاة من قبل ..أني أحسّ نحوك بميل جارف عميق.. ميل عارم عجيب.. ميل أكبر من ميل فتاة لشاب.. لكأن روحينا كانتا على موعد قد ضرب منذ الأزل...
    نفذت كلمات سامية إلى أعماق عصام بكل صدقها وحرارتها فطرب لسماعها، وخفق قلبه وهو يستقبل ذلك البريق العجيب الذي سطع من عينيها الساجيتين، وقال وهو يرنو إليها في حبّ ووله :
    - لو تعلمين كم أنا سعيد بك اليوم .. أنت ملاك طاهر حطّ في دربي فآنس وحشته وبدد غربته.. أنت الماء الروحي لعطشى.. أنت البلسم الشافي لكل جروحي وأدوائي.. أنت الأمل الذي يشحذ همتي ويلهم خطواتي .
    ثم تناول يدها بين راحتيه وطبع قبلة طويلة سرت حرارتها في دماء سامية، فأطرقت في حياء وقد تضرجت وجنتاها وسكنت مقلتاها واسترخت الأهداب الطويلة المنسابة كالأشعة حول منبع النور، فنامت فوق العينين الوادعتين في حنان ولاح وجهها المورد الفاتن من تحت غرتها المتدلية الشقراء كمملكة من الجمال الباهر تلوح من خلال أفق حالم يتوهج بالإشراق، وهمست وهي تسحب يدها في رفق :
    - عصام ... قد يدخل أحدهم في أي لحظة !...
    قال عصام وهو يرمي بنظراته الحالمة إلى نجمة بعيدة:
    - عمّا قريب سيكون لنا عش دافئ جميل ..تتفجر فيه ينابيع السعادة والهناء ، وتجري خلاله أنهار النعيم، وفي فردوسنا الصغير سيخرج إلى النور وليدنا المنشود الذي سيضفي عليه حياة رائعة جميلة، تبعثها الطفولة الوادعة البريئة.
    هتفت سامية في لهفة وفرح :
    - أريد طفلاً.. طفلاً جميلاً تلوح في وجهه ملامحك الوسيمة وتنطق نظراته بذكائك المتقد وكلما ارتقى في سلم الزمان درجة، ظهرت في سلوكه طباع أبيه وأخلاقه، سأسميه عصام ((عصام الصغير)) فاسم ((عصام)) من أحب الأسماء إلى قلبي وأحلاها.
    - هتف عصام وهو يرنو إليها بنظرة ودودة حالمة:
    - بل أريدها طفلة.. طفلة وديعة جميلة.. طفلة هادئة رزينة، فيها من روحك اللطيفة قبس يشرق به شكلها وطبعها وسلوكها، فألمحك من خلالها في طفولتك وصباك وأراك في نضحك وشبابك، وسوف أستمد اسمها من صفاتك العظيمة.. سأسميها ((صفاء)).. بل ((براءة)).. فأنت البراءة مجسدة في فتاة.
    - حسناً.. سأنجب لك طفلاً وطفلة...
    - بل أطفال.. سنربيهم أحسن تربية، ونعدّهم أروع إعداد، وسوف تنمو براعمنا الجميلة وتتفتح، فتزداد حياتنا نضارة وسعادة، ويزداد حبنا توطداً وثباتاً، وتتألق في أعماقنا أزهار المحبة والوئام..
    - تبدو مغرماً جداً بالأطفال!..
    - في أعماقي أبوة جائعة عطشى تهفو للري والإشباع.
    - ترى أيهما أقوى؟.. عاطفة الأبوة أم عاطفة الأمومة؟
    - اسألي نفسك؟
    - يتملكني شعور طاغ بأنه لا يوجد في الكون كله فتاة تحب الأطفال مثلي.
    - لعلنا جميعاً يراودنا نفس الشعور.
    ثم قالت سامية وهي تسرح بخيالها في وجدانها الخصيب:
    - عندما أرى طفلاً يبتسم أرى الوجود من حولي باسماً سعيداً وأحس به مفعما بالبهجة والفرح وتلح عليّ رغبة جارفة لأن أضم ذلك الطفل إلى صدري، وأودعه في قلبي إلى الأبد..
    قال عصام وهو يشملها بنظراته المتولعة:
    - عندما أنظر إلى وجهك الجميل أراه بريئاً صافياً، وعندما تتحدثين أجد الداخل أصفى وأحلى.. إن نفسي الآن تنعم بالسعادة والارتياح، فبالأمس اطمأنت بمبادئ الإسلام الأصيلة الصافية واليوم تسكن إلى الإنسانة الحبيبة التي شُغفت بها.. ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا!..
    قالت سامية في حماس:
    - نسيت أن أخبرك.. لقد بدأت أصلي.
    - هذا خبر رائع.. كنت على يقين من أن إيمانك الكبير ومعدنك الطيب سيقودك إلى الصلاة.
    - عندما أديت صلاة الصبح اليوم، انتابني شعور عذب مريح، وشعرت بنفسي وقد اطمأنت وسمت. وألقي في روعي أني إنسانة جديدة، قد طهرتها الصلاة من كل أدران الدنيا وهمومها ومشاكلها.
    صمت عصام ملياً ثم سألها ( بعد تفكر) وهو يرمقها بإعجاب:
    - لو كان بحوزتك جوهرة نادرة.. جوهرة ثمينة عزيزة على نفسك، فماذا تفعلين بها؟
    - أحفظها وأصونها من العيون والأيدي وأتعهدها بالحماية والرعاية والحرص والاهتمام.
    - وأنت يا سامية جوهرتي الغالية، ودرتي النفيسة التي أحبها وأغار عليها.. لكم أتمنى أن أصونك في قلبي فأحميك من كل عين جائعة وكل نظرة مريضة.. عندما كنت ألمح شاباً في الجامعة أو في الشارع ينظر إليك أو يتأملك، كان يغلي في صدري مرجل من الغيظ، وتنطلق في دمائي أمواج عاتية من الغضب، وتلهب أعصابي شحنات ثائرة مجنونة.. إني أخاف عليك من النسمة إذا هبت، فكيف أصبر على عين جائعة تلتهمك بنظراتها الخائنة الخبيثة.
    هزت مشاعر الغيرة التي أبداها عصام نفس سامية، فطربت لها، وشعرت بحرارة الحب الذي يكنه نحوها وهي تمس قلبها وتسري في دمها، فسألته تستزيد من عواطفه الثرة الغنية:
    - هل أفهم أن الحب عندك يعني التملك؟
    ابتسم عصام وأجاب:
    - الميل المتبادل إلى التملك بين الزوجين من مقتضيات الحب الصادق العميق.. ينبغي أن يشعر كل منا بأنه ملك للآخر، بل جزء من الآخر.. إنَّه نتيجة منطقية لاتصال المشاعر ووحدتها وانصهارها في شعور واحد، فكما أغار عليك وأحب أن تكوني لي وحدي، أنت أيضا تغارين علي وتحبين أن أكون لك وحدك، أم أنك لا تغارين علي؟...
    ضحكت وتساءلت في عتاب:
    - أنا؟.. إنِّي لأتمنى لو أكبلك بقيود من حديد، فلا تخرج من مملكتي إلى الأبد.
    حبك الطاهر الذي يكبلني أقوى من كل قيود الدنيا وأغلالها.
    - يقولونا بأن التملك في الحب أنانية!.
    - هذا إذا كان التملك شيئا مفروضاً من طرف واحد.. إنه منتهى الأنانية، فترين الرجل مثلاً يغار على زوجته أشد الغيرة، ويحاصرها بأوامره ونواهيه، ويفرض عليها قيوداً مبالغاً فيها في اللباس والحركة، ويعتقل البسمة إذا رفًّت على شفتيها، ثم يبيح لنفسه كل ما يحرمه عليها، وينجرف وراء شهواته وملذاته وغرائزه دون احترام لمشاعر زوجته المسكينة وحقها في أن يكون لها وحدها. هذا النوع من الرجال ينظر إلى المرأة على أنها مجرد متاع شخصي دون اعتبار لشخصيتها وحقوقها وعواطفها وفي هذا احتقار لها وإيذاء.
    سألت سامية في حيرة:
    - وكيف لي أن أملك نظرات العابثين والفضوليين، لقد اعتدت هذا الإزعاج المتكرر كل يوم.
    - لا تقولي اعتدت.. أرجوك.
    - لا أقصد بالاعتياد أني مرتاحة لهذا، فالفتاة التي يسرها أن تلتهمها العيون الجائعة الخبيثة فتاة في سلوكها مرض.. ما أقصده هو أني لا أملك حيال نظرات هؤلاء شيئاً.
    - بل تملكين.
    - كيف ؟
    - بأن تغلقي نوافذ الفتنة والإغراء.
    - لعلك تقصد...
    - الحجاب.. هذا ما أردته فعلاً.. حجاب الرأس والجسد فلا يبدو منك إلا الوجه والكفّان.
    قالت وهي تتفكر:
    - فكرت بارتدائه كثيراً، لكن التردد كان يوهن عزمي، ويثنيني.
    - ولماذا التردد؟.. إنه أمر من الله يجب تنفيذه، والله يا عزيزتي هو الأعلم بتركيبنا الجسدي والفكري والنفسي وهو الخبير بطبائعنا وغرائزنا وميولنا، لذا فإن منهجه هو الأولى بالإتباع.
    - إني أدرك هذا، لكني - في الحقيقة – لم أتعود عليه، ثم إن زميلاتي سوف يحرجنني بكلماتهن اللاذعة، ويحاصرنني بسخرياتهن السخيفة، ويكبلنني بنظراتهن المتطفلة.
    - قال عصام معترضاً:
    - لست أنت بالتي تقول هذا!.. يجب أن تكون شخصيتك أقوى من ذلك.. ينبغي أن نتحرر من ضغط المجتمع الفاسد.. أن نتصرف بوحي من مبادئنا وقناعاتنا.. أن نكون فاعلين في المجتمع لا منفعلين به.
    - كلامك حق، لكن ما يزيدني تردداً وجود بعض الفتيات اللواتي يسئن للحجاب.. يرتدين الحجاب ويسلكن سلوكاً شنيعاً لا ينسجم مع ما يرمز إليه هذا اللباس من طهر وتعفف!
    - لا أنكر وجود هؤلاء، لكن هذا ليس مبرراً لأن ننفر من الحجاب ونتخلى عنه، أليس هناك أطباء يحملون الطب دون أن يتقنوه؟
    - بلى..
    - لكن ذلك لم يدفع أحداً لأن يتخلَّى عن دراسة الطب وممارسته، واستطاع الأطباء الناجحون أن يحطموا بإخلاصهم وإتقانهم ومهاراتهم أولئك الذين ليس لهم من الطب إلا اللقب الأجوف.
    - هذا صحيح.
    - إذن لماذا لا تكون الفتيات اللواتي ينسجم حجابهن مع سلوكهن هن الأوضح والأبرز في المجتمع، حتى يسطّرن بأخلاقهن الرائدة ومعاملتهن النظيفة الناصعة مثلاً رائعاً للفتاة المسلمة الأصيلة.
    قالت سامية وهي مشدودة إلى الحوار:
    - لماذا أمرنا الله بالحجاب؟.. ما الحكمة من تشريعه؟
    - لأنه يريد أن يحاصر عوامل الفتنة في المجتمعات، فالنظرة المقصودة للمرأة، ورؤية مواطن الفتنة والإغراء فيها، والاختلاط الفوضوي بها يثير غرائز الرجال، ويفقدهم على أعصابهم، ويدفعهم للتهافت على اللذات والرغبات، فتطغى مشاعر الجنس عندهم على آلاف المشاعر المهمة للحياة، مما يدفعهم لتجاوز حدود الأخلاق والآداب، فينحدر المجتمع نحو الفساد، وتصاب الأمة بالضعف والانهيار.
    - وهذا ما يعاني منه مجتمعنا فعلاً.
    - لقد رفض الإسلام أن ينظر الرجل إلى المرأة كجسد فحسب، لأن في ذلك غضاّ من مكانتها الرفيعة السامية وإهانة لكرامتها الإنسانية، فالمرأة نصف المجتمع، وشقه المكمل للرجل، وبها تناط مهمات إنسانية نبيلة يعجز الرجل عن أدائها، ولا تقوم الحياة بدونها.. لقد أراد الإسلام أن يثير منظر المرأة أثناء حركتها في المجتمع المشاعر الطاهرة النظيفة المفعمة بالاحترام والتقدير.. المشاعر النبيلة التي تليق بمكانتها العظيمة في الحياة، أمّا المشاعر الجنسية والجسدية فقد دعا الإسلام إلى إطلاقها ضمن إطار الحياة الزوجية حيث يتحول التبرج والإغراء إلى واجب مقدس تبذله المرأة لزوجها ويتحول الإرضاء الجنسي إلى واجب مقدس يبذله الرجل لزوجته، وعندما يقوم الزوجان بواجبهما في حبّ واحترام وإيثار يتحقق لهما السكن النفسي والاستقرار الروحي، وتمضي سفينة الأسرة في أمان دون أن تعصف بها رياح الرغبة أو الخلاف..
    قالت سامية وهي تتفكر:
    - كلامك هذا يذكرني بـ ((منى))..
    - منى؟.. ما شأنها؟..
    - لقد عادت تتقرب مني من جديد، وقد لمَّحت لي أمس بأني كنت على حقّ حينما حذرتها من صفوان، وعندما حاولت أن أعرف منها سبب هذه الصحوة المتأخرة دمعت عيناها وقالت لي بأنه سيأتي يوم تحدثني فيه بكل ما حدث.
    قال عصام في شرود:
    - يبدو أنَّ أحداثاً خطيرة قد وقعت!! أخشى أن...
    ودخلت أم عصام الشرفة لتقدم الفواكه لابنها وخطيبته، وما إن رأتهما حتى خفق قلبها لهذا المنظر الرائع، والتمعت الفرحة في عينيها.. فها هو ابنها الغالي يسكن إلى زوجته الجميلة الفاتنة، وها هو الأمل الرائع العذب يتحقق، وشعرت بالسعادة العارمة تكتسح أغوارها وتطهرها من كل رواسب الماضي وذكرياته الأليمة، وأحست بسحب الحزن القاتمة السوداء وهي تنقشع رويداً...رويداً من نفسها الملبدة بالكآبة لتسطع من خلالها شمس التفاؤل والسرور فتذيب فتذيب بأشعهتا الدافئة صقيع الأيام الباردة التي شغلت سنوات شبابها المهدور، وتفجرت في أعماقها ينابيع الأحلام السعيدة،فرات نفسها في لوحة الخيال جدّة طيبة يحف بها أحفادها الأحبة الذين يملؤون لها حياتها بهجة وأنساً ومتعة،فذاك يشدّها من يدها لتقوده الى مكان الحلوى،وتلك تهرع إليها فتعطيها المشط لتسرح لها شعرها الأشقر الطويل، وذلك يدس يده في جيبها باحثاً عن القروش، وهذه تبكي في دلال وترمقها في توسل فتدعوها بنظراتها البريئة وأنينها المفتعل لأن تحملها وتعطيها حظها من الرعاية والعطف والاهتمام أسوة بأخوتها، وقد أوهمها تفكيرها الطفولي الغض بأن أخوتها الكبار قد استولوا على جدتها الحبيبة، واستحوذوا عليها، وهي المدللة الأثيرة لديها، فنشبت الغيرة في قلبها الصغير. وغلبتها ابتسامة فرحة مشرقة أضاءت ملامحها، فتهللت بالبشر وفاضت بالحبور وقالت وهي تبش في وجه كنتها العزيزة
    - الله يكتب لكما السعادة العمر كله.. تفضلي يا ابنتي..
    - لقد أتعبت نفسك يا أمّاه.. كان ينبغي أن أقوم بهذا بنفسي.
    - ((تعبك راحة يا حبيبتي)).. تفضلي.. لقد انتخبت لك هذه الفواكه بنفسي فلا تتركي منها شيئاً.
    - سلمت يداك.. ستكون ألذ فواكه آكلها لأنها من اختيارك أنت..
    هتف عصام في دعابة:
    - ((يا عيني)).. أراكما قد نسيتماني.. لقد بدأت أغار. ضحكت الأم وكنتها، بينما قال عصام في توسل :
    - اجلسي معنا يا أماه.
    قالت وهي ترميه بنظرة ذات معنى:
    - ((اعذروني يا ابني، لا يصح أن أترك حماتك وحدها)). ثم مضت ونفسها مترعة بالمشاعر اللذيذة، وقالت سامية:
    - لكم أنا محظوظة، زوج حبيب وحماة رؤوم.
    قال يمازحها:
    - هذا كلام تقولينه الآن، فقط.
    - الآن وغداً، وسوف ترى..
    - لا تقنعيني يا عزيزتي.. لن تنقضي الأيام الأولى للزواج حتى تنضمي إلى حلبة الصراع الأبدي بين الكنة والحماة!.
    - ومن قال لك أنه صراع أبدي معلوماتك خاطئة يا أستاذ.
    - ((دكتور)). إذا سمحتِ ...
    - الخلافات بين الكنة والحماة يا ((دكتور)).. لا تحدث إلا بين النفوس الأنانية المتسرعة الضيقة المهيأة للخلاف والشجار والخصام، أما حماتي فهي شيء آخر!.
    - أريد أن أعرف سر هذه المحبة التي بينكما.
    - الحب شعور روحي طليق لا يخضع لتفسيرات العقل وقوانينه.
    - لعلك تحبينها من أجلي!.
    - قد أجاملها من أجلك، أما المحبة فهي شيء صادق يولد في الأعماق، إما أن يكون أو لا يكون وأنا أحبها يا عصام لأني أحبها.. أمك امرأة عظيمة حقاً.. لقد بدأت أدرك مصدر شمائلك الرفيعة.
    ابتسم وقال بنبرات حالمة رقيقة:
    - المرأة كائن عظيم ينطوي على أسرار روحية عجيبة..كائن لطيف يملك كنوزاً من الحب والرحمة والحنان يفتقر إليها تلك المحاولات المستمرة لإثبات أنًّ المرأة تستطيع أن تكون مهندسة أو عاملة أو محامية أو.. من قال أنها لا تستطيع؟... إن المرأة لديها القدرة والاستطاعة لأن تحل مكان الرجل في الكثير من أعماله، بل وأن تتفوق عليه فيها، لكن جوهر القضية ليس هنا.. الأسرة الناجحة السعيدة يا عزيزتي تقوم على التخصص وتقاسم الأعباء.. ثمة حقيقة أخرى.. إن المراة تستطيع أن تحل مكان الرجل من المستحيل أن يحل مكان المرأة..
    قالت سامية في دعابة:
    - أنت تعترف إذن بتفوق الجنس اللطيف على الجنس الخشن!.
    ابتسم عصام وقال:
    - القضية ليست تنافساً وصراعاً.. إن العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة تكامل .. فما ينقص الرجل تكمله المرأة وما ينقص المرأة يكمله الرجل وباجتماعهما تتشكل الوحدة الإنسانية المستقرة الفاعلة في الحياة.. المرأة والرجل في الإسلام متساويان من حيث الإنسانية متكاملان من حيث الخصائص والوظائف.. من الإجحاف والغباء أن نضع المرأة مكان الرجل والرجل مكان المرأة.
    - ما خصائص المرأة برأيك؟...
    - المرأة روح شفاف رقيق مزودة بجهاز عاطفي فريد، هيأه الله ليقوم بأخطر مهمة في الوجود.
    - تريد التربية طبعاً.
    - أجل.. فتربية الطفل وإعداده لرحلة الحياة من أهم وأخطر المهمات التي تواجه الإنسان على هذه الأرض.. لأنها عملية إنضاج لأجيال، يتم بواسطتها غرس الصفات النفسية الفكرية والروحية التي تبلور شخصية الفرد وتؤهله ليحتل موقعه الفاعل في المجتمع والأم هي القادرة على القيام بهذه المهمة بما أوتيت من عطف وحنان وصبر على مشاكل الطفل وتفهم لها، مما يجعل الطفل أكثر تقبلاً واستجابة لعملية التربية.. طبعاً أنا لا ألغي دور الأب في التربية، لكن الدور الحاسم يبقى للأم بلا جدال.
    وافقته سامية بإيماءة وقالت وهي تقدم له قطعة من تفاحتها:
    - إنني أعزو الكثير من أمراضنا ومشاكلنا الاجتماعية لفشل التربية في البيت.. هذه ملاحظة واضحة جداً في حياتنا..
    - فعلاً قد يخطئ الرجل فلا يتعدى خطؤه إتلاف آلة أو خسارة صفقة، أما إذا أخلت المرأة بوظيفتها فإنها بذالك تحطم جيلاً وتدمر أمة. أن أكبر مأساة تعيشها البشرية اليوم هي غياب المرأة عن مسرح التربية، وتخليها عن وضيفتها الحساسة للخادمة أو دور الحضانة ووسائل الإعلام، مما أدى إلى فساد الأجيال الجديدة واضطراب شخصيتها، لأنها لم تتلق القدر الكافي من العطف والرعاية والاهتمام، ولم تتناول الجرعات الكافية من الحنان الذي لا بد منه لكل شخصية سوية، وقد بدأ المصلحون والمفكرون في الشرق والغرب يدركون خطورة هذه الظاهرة الاجتماعية المدمرة وأخذوا يهيبون بالمرأة أن تعود إلى عشّها لتمارس وظيفتها الإنسانية الطبيعية.
    - ليت المرأة في مجتمعنا تدرك هذا..
    - إن المرأة في مجتمعنا ما زالت مبهورة بتجربة المرأة الغربية وعليها أن تتحرر من البريق الخادع قبل أن نجني الحصاد المرّ الذي جنته حضارة الغرب...
    قالت سامية:
    - لكن الرجل في مجتمعنا ينظر إلى المرأة على أنها مخلوق قاصر أقل منه قيمة وشأناً. مما يضطرها لإثبات شخصيتها وكفاءتها من خلال منافسته والقيام بأعماله ووجباته!...
    أجابها عصام:
    - أنا لا أنكر أن الرجل يرتكب الكثير من الممارسات الخاطئة بحق المرأة، لكنّ ذلك لا يبرِّر لها أن تعالج الخطأ بالخطأ، فتدفعها رد الفعل على تصرفات الرجل لأن تتخلى عن وظيفتها وتخرج إلى الشارع والمعمل لتثبت له أنها قادرة على احتلال موقعه بجدارة.. على المرأة أن تكون أكثر ثقة بنفسها وأشدّ اعتزازاً بدورها في الوجود، فإذا كان الرجل يوفر متطلبات الأسرة ويحمي كيانها ويرسم لها مسيرتها، فأن المرأة تحمي روح الأسرة وجوهرها وتهندس عناصرها الإنسانية الصالحة المهيأة لحمل رسالة الحياة كما تنبغي الحياة.
    - على هذا فعمل المرأة خارج البيت مرفوض؟
    - الإسلام لم يرفض عمل المرأة يا عزيزتي، لكنه رفض أن تمارس المرأة أي نشاط مهني أو اجتماعي أو علمي أو ثقافي إذا كان سيتم على حساب تربية أبنائها التربية السليمة الكافية، فإذا ما قامت بواجبها نحو أطفالها كاملاً واطمأنت على سلامة أوضاعهم واستقرارها فلها أن تقوم بأي نشاط تهواه ما دام نشاط مفيداً بانياً شريفاً يراعي القيم الصحيحة ويحترمها.
    سألته في شرود:
    - هل هناك زيّ محدد يجب على الفتاة أن تتقيد به في حجابها
    - الحجاب ليس زيّاً من الأزياء أو نمط من أنماط اللباس، بل هو مبدأ وقناعة. اختاري في لباسك اللون الذي تريدينه أو الزيّ الذي ترتاحين إليه على أن يكون منافياً للحشمة أو مظهراًً للفتنة.. الحجاب الأكمل والأفضل هو الذي يجمع بين الحشمة والأناقة والجمال.
    - وهل تتوقع أن أبدو في حجابي أجمل من الآن؟
    - ستكونين أجمل بلا شك ، لأن جمال جوهرك سيسطع ويتألق من خلال سلوكك الجديد. بيد أني أريدك أن تتحجبي لله وحده، لا من أجل الجمال...
    سامحك الله، إنما أمزح.. إني مقتنعة بكل ما قلت، وقد فكرت فيه كثيراً قبل الآن، لكني لم أجد من يشجعني على ذلك.
    صمت عصام ملياً ثم قال وهو يمسك بيدها في ود:
    - سامية أنا لن أكرهك على شيء... أريدك أن تتخذي قراراتك بنفسك عن رضا وقناعة، لكن مالا أرضاه لزوجتي وحبيبتي هو أن تضطر لمخالفة قناعتها ومبادئها من أجل الناس فالحق أحق أن يتبع.
    قالت وهي تشد على يده في حنان:
    - عصام ...كلماتك دائماً تملؤني ثقة وارتياحاً، وقد اتخذت قراري منذ الآن ولن أتراجع عنه مهما كان تقبل المجتمع له، ولن يريحني أن أرضي الناس وأغضب الله، ولن أسمح لنفسي أن أتركك تتلوى تحت سياط الغيرة ولهيبها. إذا لم أرع مشاعرك وأحاسيسك فلن أكون جديرة بحبك.. إني أعاهدك أن ألتزم بالحجاب، وستكون أول من يراه..
    أثلج قرار سامية صدر عصام فرنا إليها في حب وإكبار وهو غارق في طمأنينة غامرة وأحس بروحة تحلق فرحة سعيدة في سماء من الود والتفاهم والانسجام، وبدت له سامية فيها ملاك طاهر جميل يحمله على أجنحة الأمل إلى دنيا الأحلام.
    * * *



    الفصل السادس عشر
    اليوم.. تثمر سنوات الدراسة والسهر والتعب والكفاح، ويحين موعد الحصاد الكبير، وترسو سفينة الأماني على شاطئ جديد وهي تمضي في رحلتها الطويلة إلى جزر الآمال الخضراء...
    واستيقظ طلبة الصف السادس من كلية الطب مبكرين على طرقات الشوق والترقب، وبدؤوا يستعدون لهذه المناسبة الفاصلة في خفة ومرح ونشاط، باليوم.. يتحول الحلم إلى حقيقة،وتدب الحياة في أمل كبير من الآمال العظيمة التي طالما داعبت خيالهم الشاب، ويرتقون درجة في سلم النجاح، ويقطعون خطوة جديدة إلى قمة المجد الذي يتطلعون إليه.
    ووقفت سامية أمام المرآة تتأمل حجابها الأنيق، وتحكم ترتيبه وهندامه، بانتظار قدوم عصام الذي سيصحبها إلى الكلية لمعرفة نتائج التخرج، وقد أرسلت ابتسامة عريضة شفّت عن بهجتها وسعادتها العميقة، فهي تقف الآن مع حبيبها على بوابة الأفراح، فاليوم التخرج وغداً الزفاف وبعده السفر والاختصاص ثم تمضي قافلة العمر الجميل من فوز إلى فوز ومن نجاح إلى نجاح على حداء الحب الخالص العميق ويزدهر المستقبل ثرياً بالمنجزات.
    وشعرت سامية بعقارب الانتظار وهي تلسعها، فلماذا تأخر عصام؟، لم تعد تطيق بعده عنها..لقد أمسى روحها وقلبها وحياتها فمتى تسكن الروح إلى الروح؟ ومتى ينصهر القلب في القلب وتبعث الحياة في عش الزوجية الدافئ السعيد فيرتاحا من أنين البعد وأوجاع الحنين وتنهدات الحرمان، وراحت ترقب الساعة في ضيق وملل...لقد أخبرها أنه سيمر لاصطحابها في الثامنة وها هو عقرب الساعة يتخطى الثامنة في رتابة مزعجة لم ترحم آلام الشوق والانتظار التي تمس أعصابها المرهفة. وهرعت إلى الباب تسترق السمع لوقع أقدامه على درجات السلم، وما هي إلا هنيهة حتى ملأ الهدوء والسلام أغوارها، وفاضت من نظراتها وملامحها، وتحفزت للقائه،وما إن قرع الجرس حتى فتحت الباب في لهفة، فأطل منه فتاها بسمته الهادئ، وابتسامته الوداعة العذبة، فخفق قلبها لمرآه، وشعرت بنظراته التي تلمع بالحب والإٍعجاب وهي تحاصرها، فلم تصمد لذالك البريق الساطع الذي أخترق قلبها وعطر دماءها بمعانيه الرائعة اللذيذة، فخفضت طرفها في حياء وقالت بصوت هامس رقيق:
    - تفضل...
    همس وهو ثابت مبهور:
    - لكم تبدين اليوم رائعة جميلة!...
    - هل ستبقى واقفاً هكذا على الباب؟
    - دعيني أتملى هذه اللوحة الفاتنة الماثلة أمامي!
    وشدته من يده في دعابة، فقال في مرح وهو يتقدم إلى الداخل خطوات:
    - أين حماتي؟..
    - إنها في المطبخ تستعد لمناسبة تخرجنا بصناعة الحلوى والمأكولات اللذيذة؟..
    وعمي؟..هل خرج؟..
    - منذ الصباح الباكر.
    - الحجاب يزيدك بهاءً وجمالاً.. لكأنكِ فيه ملاك تحفّه هالة من النور!
    - أنت تبالغ...
    - أبداً هذه صورتك في أعماقي.
    - لعل هالة النور قد سطعت من أعماقك تلك، فتوهمتها حولي!..
    همس في أذنها قائلاً:
    - بتُّ الآن متلهفاً أكثر للزفاف.
    ابتسمت وقالت في دلال :
    - إنْ هما إلا أسبوعان...
    - سيمران عليّ كسنة.
    - فليمرا كسنة.. ستنقضي بسرعة كما انقضت سنوات الكلية الست.
    - حقاً لقد مرت كالحلم.. من يصدق؟.. بالأمس دخلناها واليوم نتخرج منها..ما أعجب عجلة الزمان!، إنِّها تمضي بسرعة هائلة، فتطوي بدورانها الأيام والشهور والسنين، فيتلاشى الزمان،ويمحى ويتحول مهما طال إلى مجرد ذكرى، قلما تنجو من قبضة النسيان!!....
    - هي الحياة هكذا.. افتح عيناً وأغمض الأخرى، ترَ نفسك عجوزاً هرماً يتربع فوق التسعين.
    تساءل عصام مازحاً:
    - وأنت؟ هل تظنين بأنك ستبقين صبية؟
    - أنا؟.. وما أدراك؟.. لعلي أكون يومها في عداد الراحلين!.
    هتف كالملدوغ:
    - سامية.. ما هذا الكلام؟.. بالله لا تعيدي هذا على مسامعي
    - لكن الموت حق ..أنت تردد هذا كثيراً!!.
    - صحيح، ولكن... بالله عليك لا تذكري هذه السيرة الآن.
    ثم أردف في وله دامع:
    - لا أجرؤ أن أتخيَّل فراقنا على أية صورة!.. إني لأتمنّى أن نحيا معاً ونموت معاً حتى لا يلدغنا الفراق المرّ ويكوينا.
    نظرت إليه في حب ووجد، وقالت وهي تمسح دموعه بأناملها الحانية الجميلة:
    - كلما تخيَّلت مقدار حبك وإخلاصك فاجأتني بالمزيد..لكأنَّ نفسك الكبيرة بحر ممتد من الحنان بلا نهاية، وأنا تائهة في خضم أمواجه، عاجزة عن بلوغ آفاقه الرحيبة.
    - ولن تبلغيها، ذلك أن هذا البحر الذي تتيهين فيه إنما ينبع من قلبك العامر الفياض الذي يرفده دائماً بالمزيد، وسيَّتسع البحر ويَّتسع حتى يغمرنا كله بالسعادة والتفاهم والوئام.
    و رانت لحضات صامتة جميلة قد أفعمت بالانفعالات الصادقة اللذيذة، لكنها سرعان ما تلاشت على أعتاب الفرحة الوشيكة، وقال عصام في مرح:
    - لقد اقترب موعد النتائج، فهل أنت مستعدة
    - سيكون زوجي الأول...
    - وما أدراكِ أن تكون زوجتي هي الأولى؟
    - أنا؟.. أنا أتفوق عليك يا عصام؟..
    - ولماذا لا؟.. تعالي بنا الآن نودّعَ أمك قبل أن نمضي..
    * * *
    - ترى.. من سيكون الأول على الكلية هذا اليوم؟
    أجاب سعد
    - وهل هذا يحتاج إلى سؤال.. إنه عصام ولا أحد غيره.
    قال عرفان وقد دبت فيه روح الدعابة:
    - بل الأصح أن تقول عصام وقرينته.
    أثارت كلمات عرفان عاصفة من الضحك استرعت انتباه الطلبة الذين تحلقوا في مجموعات ينتظرون إعلان النتائج المرتقبة في لهفة وشوق، وقال مجدي:
    - سمعت أن زفافهما قد أصبح وشيكاً.
    أجاب سعد:
    - هذا صحيح، لكني لا أعرف موعده بالضبط.
    تدخل عرفان قائلاً:
    - اسألني أنا، فأنا يا صديقي مغرم بالأخبار السعيدة.. زفاف صاحبنا قد تقرَّر في الأول من الشهر القادم، أي بعد أسبوعين من الآن تقريباً.. ((عقبال عندي)).
    علق بهاء من بين الضحكات/
    - لقد سبقك عصام يا عرفان.
    فأجابه قائلا:
    - تصور يا بهاء.. لقد خطب وكتب كتابه وسيتزوج في أقل من ثلاثة أشهر.
    حدجه سعد بنظرة متسائلة، وقال يداعبه:
    - أتحسده على ما أنعم الله عليه؟
    أجاب عرفان:
    - بل أغبطه يا سعد.. أغبطه على هذا العم الواقعي المتساهل.
    قال له عثمان:
    - يبدو أنك وعمك على غير اتفاق.
    أجاب عرفان في غيظ:
    - إنه يكبلني بشروطه الكثيرة، ولكل شرط عنده فلسفة يستوحيها من تجاربه الخاصة، وكلما طالبته بالتعجيل بالزفاف شمخ بأنفه وقال بلهجة واعظة تثيرني:
    (( لماذا الاستعجال يا بني؟ في التأني السلامة.. انتظر حتى تتخرج وتؤمن مستقبلك وتهيئ الضروف المناسبة التي توفر لك عيشة هانئة ولائقة.. لا داعي للاستعجال يا بني، فهذه زوجتك بانتظارك، فأرِنا همتك يا دكتور)).
    ثم تابع عرفان وهو محتد حانق:
    - تصوروا يا جماعة.. كأني تزوجتها لأخزنها في بيته.
    ابتسم الأصدقاء مشفقين بينما قال سعد:
    - لا عليك يا عريس، إنه يشجعك ويشد من عزيمتك وما إن يرى نتائج تخرجك حتى يسهل لك كل الأمور.
    هتف عرفان وهو يرفع يديه إلى السماء في ضراعة:
    - الله يسمع منك يا ((أبو السعود))..
    وران على الأصدقاء صمت قصير ما لبث أن قطعه مجدي:
    - لقد تأخرت النتائج!
    - يقولون بعد دقائق..
    - تباً لها من دقائق ثقيلة!
    ومضت برهة من الزمن ما لبثت القلوب بعدها أن خفقت، وأطل الترقب من العيون وهي ترى الدكتور ماهر رئيس اللجنة الامتحانية يخرج من غرفته وفي يده رزمة من الأوراق، فهرع إليه الطلبة في لهفة وحماس، وتجمهروا حوله يسألون:
    - طمئنونا يا دكتور؟...
    - دكتور لم نعد نطيق الانتظار!
    - ما هي نسبة النجاح لهذا العام؟...
    كان الدكتور ((ماهر)) يشق طريقه بين جموع الطلبة الصاخبة بصعوبة بالغة، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة مشفقة، ولم يصمد للأسئلة الملحة التي انهالت عليه، فأجاب ليطمئن القلوب المضطربة التي قلقل كيانها الانتظار:
    - سنوزع النتائج بعد قليل.. لم يبقَ سوى توقيع العميد.. كلكم ناجحون – إن شاء الله – فلا داعي للقلق والاستعجال.. انتظرتم هذا اليوم كل هذه السنين، أفلا تصبرون دقائق؟!
    ولم يكد ينتهِ من كلامه حتى عادت الحناجر تضح بالأسئلة والاستفسارات، فما كان منه إلاّ أن حثّ الخطا حتى وصل إلى غرفة العميد، فدخلها بسرعة وغلق الباب وراءه، فخمدت الأسئلة وهدأت الضجة وعاد الطلبة إلى انتظارهم المحفوف بالملل والترقُّب، والتأم شمل الأصدقاء من جديد في حلقة واحدة، وقال سعد:
    - سمعت أن نسبة الرسوب لهذا العام لا تتجاوز الثلاثة بالمائة.
    علَّق بهاء:
    - يبدو أن دفعتنا من الدفعات الممتازة التي تخرجت من الكلية.
    قال عرفان وهو يشير إلى نفسه في فخر:
    - طبعاً ... لأنها تحوي كوكبة من العباقرة الأفذاذ.
    قال له مجدي مداعبا:
    - لا تستعجل يا عزيزي.. (( في الامتحان يكرم المرء أو يهان)).. بعد قليل سوف نعرف النتائج ونتبين موقعك من هذه الكوكبة المزعومة..
    قال عرفان في استسلام:
    - أريد النجاح فحسب، ولا يهمني بعده كنت الأول أو الأخير.. المهم عندي أن أتخرج وأستقر حتى أثبت لعمي المتسلّط القاسي أني جدير بحمل المسؤولية.
    ضحك الجميع في مرح وسرور بينما قال عثمان وهو يرمي بنظراته إلى مداخل الكلية:
    - ها هو عصام.. إنه قادم بصحبة سامية..
    همس عرفان:
    - انظروا إليه كيف يتقدّم بثقة وهدوء، وكأن النتيجة في جيبه!
    قال بهاء ونظراته تنطق بالرضى والاستحسان:
    - لكم أنا معجب بخطوة سامية الجريئة.. إن حجابها الذي ترتديه يخلع عليها هيبة ووقاراً يجبرك على احترامها.
    وأردف سعد:
    - إنا سامية فتاة ممتازة، تملك شخصية قوية وعقلاً راجحاً سرعان ما استجاب لنداء الله، فالتزمت بمنهجه.
    قال مجدي:
    - لا تنس يا صاحبي تأثير عصام.. لقد لعب دوراً كبيرا في إقناعها.
    قاطعه بهاء قائلاً:
    - لقد انضمت سامية إلى صديقاتها، وها هو عصام يبحث عنا...
    هتف عرفان ينادي عصاماً وهو يشرئب بعنقه بين جمهور الطلبة.
    - نحن هنا يا عصام.. هلمَّ إلينا..
    والتفت الأنظار في فضول ترقب الفتى الذي شغل كلية الطب بأخبار تفوقه ونبوغه، وسرت الهمهمات الخافتة تتحدث عنه وتروي أخباره، أما عصام، فقد تقدم من ثلة الأصدقاء في هدوء وقال وهو يأخذ مكانه في الحلقة التي انفرجت قليلا لتضمه:
    - السلام عليكم.. ما هي الأخبار؟...
    تلقفته كلمات الترحيب النابضة بالحب والتقدير، واستلمه عرفان مداعباً:
    - مبروك سلفا يا دكتور...


    - ولماذا سلفاً؟
    - لأن النتيجة معروفة، فالمقدمات السليمة تعطي نتائج سليمة.. إني أراهن على أنك الأول..
    - أخشى أن تخسر الرهان.
    - تدخل سعد إلى جانب عرفان قائلاً:
    - بل أراهن أنه سيربح، وسأدفع الرهان سلفاً.. أنتم جميعا مدعوون عندي مساء الخميس القادم على حفلة عشاء جميلة، سوف أقيمها لكم في الحديقة.. في أحضان الطبيعة الخلاّبة.
    هتف عرفان في مرح وحماس:
    - يا لك من شاب طيب يا سعد.. مواقفك النبيلة تعجبني.
    ضحك الأصدقاء لدعابة عرفان، ثم انخرطوا من جديد في دوامة الترقب والانتظار...
    * * *
    في هذا العالم نفوس مكلومة، لا تستطيع أعظم الأفراح وأسعدها أن تلأم جراحاتها أو تسكن آلامها، بل على العكس من ذلك، فإن مناسبات البهجة والفرح في الملح الذي يلهب جراحها ويوقظ آلامها فتزداد إحساساً بالتعاسة والشقاء، وهكذا كانت ((منى))...
    لقد تطورت علاقتها مع صفوان من سيء إلى أسوأ، بعد أن شعرت بالخديعة الماكرة التي حبكها لها، وأيقنت أنها ما كانت إلاّ دمية.. دمية ساذجة جميلة، استمتع بها ثم رماها، وها هو يستبدلها بدمية جديدة اسمها ((رشا)).
    وتنظر ((منى)) إلى ((رشا)) نظرة امتزجت فيها الغيرة بالرثاء، فهي ترثي لها لأنها شريكة مأساتها التي ستنتهي حتماُ إلى نهايتها الأسيفة، لكنها في الوقت نفسه تغار منها وتحقد عليها.. ليس لأنها احتلت مكانها في قلب ((صفوان))، ((فصفوان)) في نظرها إنسان بلا قلب أو عاطفة أو إحساس ، ولن يعرف الحب إلى قلبه سبيلاً، بل لأن رشا هي الأداة التي يستخدمها صفوان لإغاضتها وتحطيمها وإهانتها انتقاما منها، لأنها تمرَّدت على سيطرته وأنانيته ورغباته، وانتقدت مسلكه الشائن الوضيع.
    أما صفوان، فقد أوحت له ثعابين الحقد والغرور التي تعربد في دمه أن يلقِّن ((منى)) درساُ قاسياً لا تنساه جزاء تمردها عليه، وتحديها السافر له الذي وشت به كل تصرفاتها الأخيرة نحوه، مما جعله أضحوكة بين أفراد الشلة الفاسدة التي جمعها حوله، وصرف عليها بسخاء، ليرضي بها أنانيته وغروره وحبه للظهور. ولم يجد صفوان وسيلة للانتقام أنجح من تجاهلها وإغاضتها بتقرُّبه المقصود من رشا. واليوم، هو آخر يوم لهم في الكلية، وقد قرر أن يفسد على منى فرحة التخرج؟.. وأن يحول هذه المناسبة إلى حفلة وداع منكرة تتذكرها أبد الدهر، وتتذكر معها من هو ((صفوان الناعم)) الذي تجرأت فتحدته برفضها الاستمرار في تحقيق مطالبه السافلة، وطموحها لأن تكون له زوجة لا عشيقة.
    - ((زوجة؟!!..)).
    لا يستطيع صفوان أن يتصور نفسه زوجاً لمنى!.. كيف يتزوج من فتاة لا يصل دخل أبيها إلى دخل خادمة من خادمات أسرته الثرية؟!..
    - (( لقد شمخت بأنفها عالياُ جدا وغلي أن أمرغها لها في التراب...))
    وبدأ صفوان يتسقط كلماتها وتصرفاتها باحثا عن هفوة أو كلمة يتخذها مبرراً لإهانتها أمام من استخفت به بينهم، ثم أخذ يستفز مشاعرها فأمعن في تدليل رشا ومغازلتها، وتجاهل منى بشكل جارح، فكلما تكلَّم وجَّه كلامه للآخرين، وخصَّ به رشا، فإذا تكلمت منى أشاح بوجهه عنها أو رماها بنظرة هازئة تفيض بالاحتقار.
    وعندما قدمت سامية برفقة عصام رمقتها ((منى)) باحترام وهي تشعر بالحسرة والندم لأنها لم تصغي فيما مضى لنصائحها الأمينة المخلصة، أما صفوان، فقد هتف عندما رآها ساخراً مستهزئاَ:
    - انظروا لهذا الشبح القادم.. لقد استطاع عصام أن يلوث أفكار سامية، وأن يفرض عليها عقليته المتزمتة..
    أردف أحد أفراد الشلة قائلا:
    - هذه أفكار سعد.. سعد هو المسؤول عن هذا الوباء.
    قالت رشا:
    - كلهم متعصبون.. لقد سمعت سامية تدافع عن الحجاب بحماس منقطع النظير.
    علق صفوان على كلمات رشا قائلا:
    - يا للسخرية.. أمريكا وصلت إلى القمر، ونحن ما زلنا نتخلَّف إلى عصر الحريم، ترى؟.. كيف يهضم هؤلاء المتزمتين هذه التصرفات؟.. أنا لا أفهمهم!!
    قالت له منى وقد نفذ صبرها على هذا التجاهل المقصود الذي يبديه نحوها:
    - تحتاج إلى الكثير لتفهمهم.
    سألها في شك:
    - ماذا تعنين؟!
    - أنت تدرك ما أعني!
    ضايقت كلمات منى صفوان، لكنه تظاهر بالهدوء، ورفع كتفيه مظهرا عدم الاكتراث، وقال يستفزها وهو يرمق سامية بنظرة خبيثة:
    - لكنها جميلة.. جميلة جداً.. لكم تبدو في حجابها هذا فاتنة مثيرة!
    لكزته رشا في كتفه متظاهرة بالغيرة، بينما قالت له منى في نبرات هازئة تنطق بالتحدي:
    - أرى أن عدوى ((الرجعية)) والجمود قد انتقلت إليك، أتعجبك فتاة متزمتة قادمة من العصور الوسطى!!
    علق أحدهم وهو ممن يحب الاصطياد في الماء العكر:
    - هذه ليست ((رجعية)) يا ((منى)).. إن صفوان من أتباع المدرسة الكلاسيكية.. إنه مغرم (( بالأنتيكا))..
    أطلق أفراد الشلة ضحكات مجلجلة مدوية وشت بالشماتة والسخرية بينما أردف آخر:
    - والعطر الذي يستعمله ألا يوحي لك ((بالتقدمية)).. إنه يستحضره خصيصاً من ((باريس)).
    تعالت الضحكات من جديد طافحة بالشماتة والتشفي، فشعر صفوان بكبريائه الفارغة تهان وأحسَّ بأنه أصبح مثار سخرية من الجميع، وثار غروره المتحفز دائما للظهور، فخاطب ((منى)) قائلا في لهجة غاضبة وقحة:
    - إذا كانت سامية قادمة من العصور الوسطى، فأنت قادمة من عصور ما قبل التاريخ، حيث كانت المرأة مشاعا لكل رجل...
    صفعت كلمات صفوان البذيئة الفاضحة منى وصدمتها، وشعرت بالنظرات الخبيثة تحاصرها وتعريها، وأحست بالضحكات الماجنة الخليعة تمزق كرامتها وتهين كبرياءها، وزادت من غضبها تلك الابتسامة الهازئة الحاقدة الشامتة التي ارتسمت على شفتيه، فحملقت في وجهه ثائرة مجنونة.. أرادت أن ترد عليه، لكن لسانها خانها، فطفرت دموع القهر من عينيها وانفلتت هاربة لا تلوي على شئ، لكأن هذه المناسبة الكبيرة لا تعنيها... لكأنها لم تدرس الطب.. لكأنها لم تقضي في هذه الكلية ست سنوات من الدأب والتعب، فقد عصفت الفضيحة بكل آمالها وأحلامها وأحالت حياتها إلى جحيم لا يطاق ومضت في ذهول يشيعها صفوان بنظرة متشفية تشي بالانتصار.
    * * *
    قال سعد وقد رأى منى مندفعة بين جموع الطلبة والدموع الغزيرة تبلل وجهها:
    - انظروا إلى هذه.. ما دهاها؟... أتبكي في مثل هذا اليوم؟!
    أجابه بهاء:
    - لعلها علمت بنتيجتها فعلمت أنها راسبة!.
    قال عصام وهو ينظر إليها في دهشة:
    - لا أعتقد هذا.. من أين لها أن تعرف؟!.
    أجابه عرفان في سخرية ذات معنى:
    مثل هذه الفتاة تملك الكثير من النفوذ، لا بد أنها توصلت إلى النتيجة من أحد معارفها في الديوان.
    هتف سعد في إنكار غاضب:
    - عرفان.. لا تطلق لخيالك العنان.. لسمعة الناس حرمة لا يجوز انتهاكها.. تبين الأمر ثم أطلق الأحكام.
    قال عرفان معتذراً:
    - أستغفر الله، لقد سبقني لساني!.
    قال مجدي وهو يرقب عقارب ساعته في ضجر:
    - اتركونا من سيرتها الآن.. دعونا في الأهم.. لقد تأخرت النتائج كثيرا.
    وأردف عثمان:
    - لقد سئمت الانتظار...
    قال سعد:
    - يبدو أن أعصابنا قد تعبت فعلاً.. سأحضر بعض المرطبات...
    وما كاد سعد أن يمضي حتى اخترق فضاء الكلية صوت المذيع وهو يدعو طلاب الصف السادس عبر مكبر الصوت إلى الاجتماع في مدرج ((ابن سينا)) حيث سيتم إعلان النتائج، فانطلقوا إليه كالنسيم، وانهمروا عليه كالمطر وراحوا يتدافعون على أبوابه، ويتسابقون إلى مقاعده، وسادت المدرج جلبة وضوضاء، وأفقدت اللحضات الفاصلة الطلبة هدوءهم واتزانهم، وانبعثت في أعماقهم طفولتهم القديمة، فراحوا يهتفون ويصفقون ويصفرون، وما إن دخل العميد بصحبة اللجنة الامتحانية حتى ضج المدرج بعاصفة من التصفيق الحار، وانبرت مجموعة من الطلاب الذين عرفوا بالشغب تردد بإيقاع طفولي مألوف ((صباح الخير يا أستاذ)) فابتسم العميد لهذه الهفوة المغفورة ابتسامته الرزينة المألوفة، بينما تقدم الدكتور ماهر رئيس اللجة الامتحانية من المنصة وهو يضحك وتناول ((المايكرفون)) وقال وهو يدنيه من فمه:
    - أعزائي الطلبة.. بل زملائي الأطباء – كما يتوجب علينا أن نناديكم منذ الآن - ، إننا نعذركم على تصرفاتكم هذه، لأنكم الآن على عتبة منعطف جديد في حياتكم، فاليوم تطوون مرحلة الدراسة الجامعية الأولى لتنالوا أولى الشهادات العلمية العليا ألا وهي شهادة ((البكالوريوس)) في الطب والجراحة التي ستؤهلكم لممارسة مهنتكم الإنسانية المقدسة لخدمة الإنسان وحمايته من الأمراض والآلام...
    زملائي وأخوتي وأخواتي.. بعد ست سنوات من الدراسة والتعب والعمل المضني الدؤوب: قضيناها معا كأسرة واحدة يطيب لي – بصفتي رئيسا للجنة الامتحانية لهذا العام – أن أعلن لكم نتائج الدورة الثالثة والأربعين لكلية الطب مرتبة حسب تسلسل الدرجات ابتداء من صاحب الترتيب الأول مع تمنياتي لكم جميعا بالنجاح والتوفيق.
    وران على المدرج صمت عميق وخفقت القلوب حتى كادت أن تبلغ الحناجر، وتوترت الأعصاب من رهبة الانتظار، وسطع الترقب من العيون التي تعلقت نظراتها المتلهفة بشفتي الدكتور ((ماهر)) تستحثه بالكلام، فسرعان ما بدأ مستجيبا لنداءها المتوسل الصامت:
    - المتخرج الأول : الدكتور (( عصام السعيد )) ، وقد حقق معدلا فريدا قدره (( خمس وتسعون درجة وسبعة أعشار بالمائة )) وهو أعلى معدل تم تسجيله في تاريخ الكلية حتى الآن، ويسر عمادة الكلية أن تمنحه ((درجة الشرف)) على هذا التفوق الكبير.
    وضج المدير بالتصفيق الحار، واتجهت نظرات التقدير والإعجاب ترمق أبرز المتخرجين وأول المتفوقين وهو يمضي إلى المنصة لاستلام نتيجته بخطوات واثقة هادئة وقد انتشرت في أغواره السعيدة فرحة عظيمة لم يتسع لها صدره، فتكاثفت وتكاثفت حتى قطرت من عينيه دموع صامتة معبرة اهتز لها الجميع، وتأثروا بها، ووقف له العميد في إكبار واحترام، وقال له وهو يصافحه في ود وحرارة:
    - مبروك يا بني.. إنه لمما يشرفني أن تكون أحد طلابي وأن تصبح أحد زملائي، ومما يزيدني شرفا أن أقدم لك كل دعم ممكن لتتابع مسيرة نجاحك ونبوغك حتى تحقق كل ما تصبو إليه من آمال.
    وأراد عصام أن يشكر العميد لكن الموقف المؤثر أثقل لسانه فغرقت كلماته في خضم الانفعال، فشكره بإيماءة صامتة وعاد إلى مكانه في هدوء وتواضع، ووقع عيناه على سامية وقد ارتوت ملامحها الفخورة بدموع الفرح فحيته بابتسامة ودودة وادعة سرت معانيها إلى أعماق قلبه، فطرت لها وانتشى، وتلقفه عرفان، وكان يجلس على مقعد جانبي من المدرج فطبع على جبينه قبلة خاطفة، وعانقه في حب وحرارة غير عابئ بوجود العميد والأساتذة فضج المدرج بعاصفة مدوية من الضحك شملت العميد نفسه إذ صرحت ملامحه الجادة الوقورة ضحكة شديدة اهتز لها جسده، مما شجع الطلبة على التمادي في ضحكاتهم فانقلب المدرج إلى مهرجان صاخب أدخل السرور والمتعة إلى النفوس القلقة وخفف من اضطرابها، أما سعد فقد رنا إلى صديقه العظيم بنظرة باسمة معبرة أغنته عن أبلغ ما يمكن أن يقال في هذه المناسبة الكبيرة.
    وتتالت الأسماء...
    كان سعد هو الثاني على الكلية، وكانت سامية السابعة، وتبوأ بقية الأصدقاء أمكنتهم بين العشرين الأوائل وعندما علي اسم صفوان في ذيل القائمة المتخرجين أيقن الجميع أنه لم يكن ليتخرج لولا أنه اتبع كل وسائل الغش والخداع في الامتحان حتى انتزع هذا النجاح الذي لا يستحقه أما عندما تلي اسم منى فقد فوجئ الجميع بعدم وجودها في المدرج وهي التي كانت منذ قليل تنتظر معهم إعلان النتائج!!.
    وتبادل الأصدقاء نظرة متسائلة مستفسرة.. فمنى لم ترسب كما توقع أحدهم، فما هو سر بكائها الغامض وغيابها المفاجئ الغريب؟!!...
    * * *











    الفصل السابع عشر
    (( أيها الليل.. أما لك من آخر؟.. وأنت أيتها النجوم؟.. ما لك ثابتة في كبد السماء لا تريمين؟.. ألا تمضين في دروبك الرتيبة فتحملين معك هذا الليل الجاثم الطويل؟.. وأنت أيها النوم؟... ما بالك قد خاصمت أجفاني؟.. إلامَ تتركني نهباً للهواجس، وفريسة للهم والأرق؟.. أين أنت حتى أنسى في أحضانك خيبتي ويأسي؟.. ألا تأتي فتنقذني من آلام الوعي ومرارة الحقيقة؟.. وأنت أيها القمر؟.. آه لو ينطق القمر!.. لكان شاهدا على الضحية والجلاد.. على الظالم والمظلوم.. على الجريمة والمجرم.. الخائن.. ظننته فتى أحلامي.. بذلت له الحب والإخلاص.. منحته الثقة العمياء فاستسلمت لأهوائه ورغباته.. آه.. لكم أشمئز من تلك الأيام الماجنة اللعينة.. باسم الحب جردني من إرادتي.. باسم الحب ميع لي الأخلاق الفاضلة وقيم العفة والشرف.. باسم الحب استدرجني إلى حياته التافهة الحقيرة.. الحب!.. هذه العاطفة النبيلة باتت مشجباً نعلق عليه انحرافاتنا وأهوائنا.. أضحت قناعاً براقاً نخفي تحته بواعثنا الشريرة ودوافعنا المريضة .. الحب!.. عنوان خديعة كبرى عشتها سنوات طويلة وأنا أجري وراء فارس مزيف سرعان ما تعثر جواده الرديء على دروب التجربة المريرة.. باسم الحب أرقت أحلى أيام عمري لأروي بها زهرة سامة كنت أول ضحاياها.. وصدقته، فخلعت على أعتاب حبه كل الأخلاق التي تربيت عليها.. تحايلت على أمي الطيبة، وهزئت بنصائحها وتوجيهاتها، واتهمت أفكارها بالتخلف والرجعية والجمود.. خدعت والدي المسكين الذي يحترق كشمعة لينير لنا بتضحياته درب الحياة الكريمة المستورة، وهو يمضي وراء عربته الخشبية العتيقة، يدفعها عبر الأزقة والحارات.. يبيع عليها الخضار والفواكه.. يخرج منذ الفجر، ويعود عند المساء بعد كدح وجهاد طويل، فيتناول عشاءه وينام ليتزود بقسط من الراحة يعينه على متابعة رحلة الحياة اللاحبة الطويلة، وينام ملء جفنيه وهو مطمئن إلى زوجته وأولاده.. واثق بأننا سنقدر كفاحه وتضحياته فننتظم في حياتنا وسلوكنا وفق ما يحبه ويرضاه.. كان أشد ثقة واطمئنانا إلى سلوكي فخذلته دون أن يدري وخنت الأمانة. ماذا لو عرف الحقيقة؟.. حتماً سينهار.. أي جريمة ارتكبتها بحقه وهو الذي يحبني أكثر من كل أخوتي؟.. دائما يقدم لي كل ما أطلب.. دائما يهتم بي ويشجعني ليراني طبيبة يتباهى بها أمام الناس، فيقولوا ها هو ((أبو الدكتورة)).. ها قد أتى ((أبو الدكتورة)).. اشتروا خضاركم من ((أبي الدكتورة)).. الدكتورة؟.. أي لعنة حلت بهذا القلب؟.. خدّر أمي فرضخت لسلوكي الجديد.. خدّر أبي فأطلق العنان لتصرفاتي ومنحني الحرية دون تحفظ.. خدّر أخي الذي يشعر أمامي دائماً بالنقص وهو الذي أخفق في تحقيق طموحه بدخول كلية الطب.. خدّرهم جميعا فلم يرتابوا للحظة بسلوكي في الجامعة.. أولست ((الدكتورة))؟!.. أولست أعلى منهم علماً وثقافة ومكانة في المجتمع؟.. إذن فكل ما أفعله صواب. هذا اللقب المقيت كم بت أكرهه!.. لقد أورثني التعاسة والشقاء.. ليتني لم أدخل كلية الطب.. على الأقل لما كنت تعرفت بصفوان.. يا للسخرية!!.. صرت ألعن الظروف التي جمعتني به.. يا لها من نهاية تعيسة لقصة حب مزيفة.. حب؟!.. أي حب هذا؟!.. إنه ضياع.. عاطفة متوثبة عطشى تبحث عمن يرويها، فصادفت صفوان ليترعها بسمومه، فماتت بعد تخبط طويل، الإنسانة الوحيدة التي وقفت في وجه تهافتي المجنون على صفوان هي سامية.. هي الوحيدة التي قرعت في أعماقي أجراس الإنذار.. هزتني بعنف.. صدمتني بالحقائق، لكني كنت مندفعة بلا وعي فهزئت بنصائحها وتحذيراتها ووثقت بصفوان.. صفون!.. سرّ مأساتي المدمرة وتعاستي وشقائي.. ضحك علي.. أوهمني بحبه.. خدّرني بكلماته المعسولة...
    ((لكم أنت جميلة يا منى.. درت باريس من أقصاها إلى أقصاها فلم أرَ فتاة بفتنتك وجمالك!.. شاهدت حسناوات لندن فلم يفعلن في لبي ما فعلته أنت.. ذرعت إيطاليا من الشمال إلى الجنوب فلم تشدني فيها أنثى كما شددتني أنت.. درت وسافرت ورأيت ثم عدت إليك لتلقي روحي مراسيها على شاطئ حبك الكبير)).
    الخبيث!.. تصورت نفسي ملكة جمال العالم. شمخت بأنفي إلى السماء.. أغلقت سمعي أمام كل الأصوات إلا صوته.. كانت كلماته تدغدغ أعصابي وترضي عواطفي.. كانت تلين إرادتي لتسلس له القياد.. وانقدت إليه.. مفتونة بشبابه.. مبهورة بثرائه.. مسحورة بلسانه.
    ((- سوف نتزوج.. سأبني لك ((فيلا)) فخمة.. بل قصر.. قصر كبير يليق بك وبجمالك..
    - قلبك الكبير أعظم قصر أهفو إليه.. ما دمت أسكن قلبك فأنا أسعد فتاة في الوجود.
    - وسنسافر إلى أوربا لنقضي شهر العسل..
    - كم أتمنى أن أرى باريس.. لطالما سمعت عن باريس!.
    - سأريك باريس ولندن وروما وبرلين و...
    - رويدك.. رويدك.. كل ذلك في شهر؟!..
    - في شهر.. في سنة.. المهم أننا معاً.. في أفياء حبنا السعيد.
    - لماذا لا نتزوج الآن؟
    - نتزوج الآن؟!.. ليس الآن.. ووالدي لن يوافق على زواجي قبل أن أتخرج، ولماذا نستعجل بالزواج؟ ها نحن معاً...
    - معاً؟!.. أترضى من حبنا بهذا الفتات؟!.. لقاءات خاطفة، وجلسات قصيرة!!.. هل يرضيك هذا؟!!.
    - لا.. لا طبعاً.. لم أقصد.. اسمعي.. لماذا لا تأتين تذاكرين عندي.. عندي شقة فخمة.. تقوم في شارع هادئ، فيها كل أسباب الراحة والهدوء)).
    فاجأني بعرضه.. تجربتي معه تتطور بسرعة، فمن نظرات الإعجاب الجريئة، إلى ابتسامات الود والرضى، إلى كلمات المجاملة والغزل المستور التي تمخضت عن صداقة عميقة، سرعان ما تحولت إلى حب جارف سيطرت مشاعره وأحاسيسه على أحاديثنا ولقاءاتنا وسهراتنا الممتعة الجميلة، والآن تطور جديد!.. إنه يدعوني للقاء في شقة خاصة دون رقيب!.. ليتني أصغيت يومها لمخاوفي وهواجسي، لكنه شعر بترددي فلم يترك لي فرصة للتفكير وأخذ يحاصرني بأسلوبه الماكر الخبيث:
    ((- ((منى)).. يعني لم تجيبي على سؤالي.. أنت لا تثقين بي إذن.. الثقة أول دعائم الحب الصادق.. لقد رسبت في الامتحان يا ((منى)) وها هو حبنا يولد ميتاً فلنواريه النسيان.. لكن لا.. قد تنسينه أنت أما أنا فلن أنساه لأن قصته محفورة في قلبي، ضاربة في أعماقي وسوف أعيش على ذكرياته الحبيبة أبكي نهايته الأليمة)). الماكر!.. أشعرني بالذنب.. أصبحت أسعى إلى رضاه.. طفرت الدموع من عيني.. هتفت في توسل:
    ((- صفوان.. أرجوك.. ما هذا الكلام؟.. لست بالتي تنسى.. أنت لا تدرك عمق حبي وإخلاصي.. أنا أنسى؟!.. كيف سولت لك نفسك أنت تفكر في هذا؟!..)).
    - ما معنى خوفك من زيارتي إذن؟
    - صفوان.. أنا لست خائفة منك.. أنا خائفة من المجتمع.. من التقاليد.. من كلام الناس..
    - أنت لا تثقين بنفسك إذن.. تضحين بحبنا وسعادتنا من أجل الناس والتقاليد.. التقاليد يا عزيزتي والقيم والأخلاق كذبة كبرى اخترعها الناس وصدقوها.. صنعوا منها سجناً شاهق الأسوار وحبسوا فيه أرواحهم.. أنت لم تري أوروبا يا حبيبتي.. الناس هناك بلا عقد.. بلا تعصب.. بلا قيود.. حرية وانطلاق وسعادة ما بعدها سعادة.. يجب أن نعيش حياتنا يا منى.. قطار العمر يمضي، فلنملأ أيامه بالبهجة والمتعة والفرح.. ليس هناك وقت نضيعه.. لا بد من الجرأة في اقتحام الحياة وانتزاع سعادتنا من براثن الأخلاق والتقاليد، فلنتمرد على الحواجز والقيود.. منى.. عل تأتين لتذاكري عندي؟
    - سآتي، ولكن...
    - ((منى)).. لا تجرحيني.. ولكن ماذا؟..
    - لا أستطيع أن أتأخر.
    - لن أؤخرك.. تعالي واذهبي متى شئت، اعتبري الشقة بمثابة بيتك.
    - بيتي؟.. متى سيضمنا بيت واحد.. تتفجر في رحابه ينابيع حبنا العظيم لتملأ أيامنا القادمة بالسعادة والهناء.. بيت هادئ جميل لا يعكر صفوه إلا صخب أطفالنا الذين يملأون أرجاءه أنساً وبهجة، ويبعثون فيه حياة جميلة رائعة بصياحهم العذب، وضجيجهم المحبب وعبثهم البرئ. لكم أعشق الأطفال يا صفوان!!؟
    - الأطفال؟!.. الأطفال هموم ومتاعب ومسؤوليات ووجع قلب))..
    يا للسذاجة.. كيف لم أفطن يومها إلى حقيقة مشاعره وأفكاره؟.. إن تعليقه هذا يعكس تفكيره الشاذ الغريب ونفسيته الأنانية اللامبالية التي لا همّ لها إلا تحقيق الرغبات والأهواء، والتهافت على الملذات.. هل يوجد مخلوق عاقل لا يحب الأطفال؟!.. وعندما سألته عن سرّ موقفه من الأطفال استطاع –كعادته- أن يخرج من دائرة الشك بالكذب والمراوغة تحت ستار الثقة العمياء التي منحته إياها..
    ((- عجباً!.. ألا تحب الأطفال؟!..
    - أنا؟!.. آه.. نعم.. أحب الأطفال.. أحبهم جداً.. لكنك يا عزيزتي دائما تستعجلين الأحداث.. أخبرتك أن والدي لن يوافق على زواجنا قبل التخرج.. ستأتين لعندي غداً أليس كذلك؟..
    - سآتي...
    - سأنتظرك بعد انتهاء الدوام.. سأنتظرك على أحر من الجمر)).
    ما أخطر العواطف إذا اندفعت دون كابح من عقل أو إرادة.. ما أخطر أن يتحطم سد التعقل الذي ينظِّم تدفقها.. إنها تتحوَّل إلى طوفان مدمِّر يخلف وراءه المآسي والكوارث والأحزان.. تتحوَّل إلى جحيم يكوي بلظاه القلوب والأفئدة.. وأنا.. فتاة بسيطة أفتقر إلى الوعي والتجربة.. فتاة طيبة تعودت دائماً أن أنظر إلى الحياة من جانبها المشرق المضيء.. فتاة حالمة طموحة أبحث عن سعادتي تكافئ الحرمان الذي عشته طيلة حياتي.. لكني كنت غبية.. كنت مغرورة بعقلي وذكائي، والذكاء لم يعد يكفي لمواجهة الحياة، فالحياة اليوم تعجُّ بالثعالب والذئاب، وأنا فتاة غضة لا أعرف كيف تنسل الأفاعي أو تتلون الحرباء.. كل الناس عندي صادقون.. كل الرجال عندي طيبون.. تماماً كوالدي الحبيب، لذلك صدقته، وأغلقت مسامعي أمام تحذيرات سامية وهي الصديقة المخلصة التي كنت أسرُّ لها بأدق أسراري وأحترم رأيها ومشاعرها..
    لقد وقفت عواطفي الجارفة حاجزاً سميكاً بيني وبينها فلم أعد أسمع إلاّ صوت صفوان، وتصورته يتهمني بضعف الشخصية وعدم الثقة بالنفس، فخشيت أن يفسد ترددي وخوفي الحب القائم بيننا فذهبت إليه وكان ما كان...
    أي ضعف اعتراني أمامه.. أي جنون اجتاحني.. أي غباء ركبني حتى منحته مفتاح الحصن الذي أودعت فيه سمعني وشرفي وعفافي.
    وابتدأت رحلة الشيطان..
    وأوغلت في الأيام والشهور..
    وأنا مستسلمة لتأثيره الطاغي، غافلة عن الحقيقة الأليمة، وكلما سألته عن مصير هذه العلاقة الآثمة وعدني بالزواج، دون أن ينسى تحذيري من الحمل، ومن حسن حظي أني طالبة طبّ أدرك ما علي فعله.. كانت كلمات سامية تتردد في خاطري فلا ألقي لها بالاً، ولكنها ما لبثت أن وجدت في نفسي بعد الأصداء عندما بدأ الطلاء الكاذب يذوب والقناع الخادع يسقط وبدأت الحقائق تتكشَّف.. اكتشفت أنني لست الأولى في حياته، وأنني لست الأخيرة.. هناك أخرى وثالثة ورابعة وأخريات.. مجون.. وعبث وخمر ومخدرات.. ألاعيب وخدع ومؤامرات... اكتشفت أني بين أنياب وحش لا قلب له أو ذمة أو ضمير...
    وصبرت عليه، فمفتاح الحصن بين يديه.. التمست كل الطرق التي تؤدي إلى رضاه حتى لا يعصف بسمعتي ومستقبلي، وكلما رأيته يتقرَّب مني كان الأمل ينبثق في أعماقي وأقول: ها قد عاد إلى واحة حبه.. ها قد اقتنع بأني فتاته المميزة بإخلاصها وجمالها وحنانها وذكائها، بيد أن الحقائق البشعة لا تلبث أن تثقل أجنحة الأمل فيهوي إلى قرار سحيق من اليأس ويصدم بقاع صلد من الوقائع والتفاصيل المرة، فيتحطَّم فؤادي ويشتد ألمي ويزداد عذابي.
    وتتقلَّب ((مني)) في فراشها، وترسل نظراتها اليائسة الحزينة عبر النافذة، فتجد الليل ما زال حالكاً مقيماً والنجوم ما زالت لم تغادر والقمر ما زال ساطعاً منيراً وكأنه يرقبها في شماتة، فتنتفض في ضيق وتدفن وجهها بين ثنايا وسادتها فتغرقها بالدموع..
    (( اشهدي أيتها الوسادة على تعاستي وشقائي بعد أن كنت مسرحاً لأعذب آمالي وأحلاها.. هل تذكرين؟... آه لو تذكرين... كنت آوي إليك كل مساء وقلبي الفرح النشوان يخفق بالحب والسعادة.. كنت أسترجع في أحضانك أحداث اليوم الذي أفل وأستمتع بذكرياته اللذيذة وأحلق في سماء الأحلام. وها أنا اليوم آوي إليك لأفضي بآلامي وأمضغ هزيمتي وأجتر أحزاني.. أي إنسان هذا.. هزأ كبريائي ومرغ سمعتي في التراب.. آخر شئ كنت أتوقعه منه أن يشهر بي على الملأ ويجعلني عرضة لنظرات الشك والريبة وهدفا للألسنة تلوك سمعتي وتفضح غلطتي وتتداول قصتي في كل مكان.. ولماذا؟.. لمجرد انفعال طارئ.. لمجرد أني عاندته في رأيه بسامية.. لقد شعر بأني أتمرد على سيطرته وآرائه، أدرك بأني لم أعد ملكه فانتم لغروره بتلك الكلمة البذيئة الحقيرة.. آه من لؤمك وغدرك يا صفوان.. في آخر يوم من حياة الجامعة ترفع القناع في وقاحة وتكشف عن أنياب الغدر والخيانة.. ولماذا لا.. لقد انتهى دوري.. أخذ مني ما أراد ورماني.. سلّى نفسه بفتاة ساذجة، جميلة، وبعد أن رشف رحيقها ركلها وكأنها شئ تافه لا حس له أو كرامة أو شعور..
    لكأن آثام العالم وشروره قد أودعت قلب هذا الإنسان.. إنسان؟.. ومن أين له الإنسانية.. ليسه له منها إلاًّ الجسد الآثم والغرائز المحمومة.. ليس له من الإنسانية إلاَّ نقاط الالتقاء مع الحيوان.. آه ما أقساه.. ليتني لم أذهب إليه.. ليتني لم أسترحمه.. ماذا كنت أنتظر منه؟.. ولكن ماذا عساي أن أفعل؟.. فأنا غريقة أبحث عن قشة الخلاص.. ظننت أن الحب والصداقة قد يشفعان لي عنده فينقذني من محنتي الفظيعة...
    - ((أهلاً ((منى)).
    - مبروك.
    - على ماذا؟.. آه.. ((مرسي)).. مبروك لك أيضاً على التخرُّج.. إنها فرحة حقاً.
    - النفوس التعيسة المقهورة لا تتذوَّق الأفراح ولا تحس لها طعماً.
    - منى .. تبدين كئيبة هذا اليوم.. عمَّ تتحدثين؟..))
    اللئيم.. كأنه لم يفعل شيئاً!!.. تمنيت لو أن في يدي خنجراً لأنقضَّ عليه وأمزقه إرباً.. إرباً.. لكني لم أستطع أن أعلن ثورتي، فمفتاح الحصن بين أنياب الوحش ولا بد من ترويضه ريثما أستردها..
    - ((ألا تعلم عمًّ أتحدث؟!..
    - منى.. لعلك في ضائقة مالية.. اطلبي ما تريدين.. لا فرق بين الأصدقاء...)).
    كدت أنفجر.. إنه يمعن في إهانتي وتجاهل مشاعري، ولكن.. قشة الخلاص.. يجب أن أستخلصها من بين أنيابه..
    - ((صفوان.. تعرف أني لا أقصد هذا.. أنا عاتبة عليك..
    - عاتبة؟!.. آه، تذكرت.. تقصدين سوء الفهم الذي حصل عندما كنا بانتظار النتائج.. أنا آسف.. مجرد انفعال..
    - أيقودك انفعال بسيط لتفضح علاقتنا وتشهر بسمعتي أمام الجميع؟!!
    - لا تنسي أنك البادئة.. لقد سفهت رأيي أمام الشلة، وأنت تعرفين أكثر من غيرك أن هذا يثيرني جداً!
    - لدرجة أن تشهر بي على هذه الصورة!.
    - ما كنت لأرحم من يتحدّاني.. أنت تعرفين هذا، ومع ذلك عاندتني في رأيي فأثرت حفيظتي..
    - ((صفوان)).. لننسً الماضي.. لنعد إلى أيامنا الممتعة الجميلة.. لنعد إلى واحة حبنا القديم.. لنحقق ما اتفقنا عليه.. ها قد تخرَّجنا ولم يبقَ أي مبرر لتؤخر زواجنا.
    - زواجنا؟!.. أنا لا أنوي الزواج..
    - لكنك وعدتني!..
    - كثيراً ما يتراجع المرء عن وعوده وقراراته، وقد تراجعت..
    - لكنك اغتصبتني..!
    - وأنت راضية.
    - ما كنت لأرضى لولا إخلاصي لك وثقتي بوعودك.
    - ماذا تريدين الآن؟..))
    ماذا أريد؟ّ!.. صفعني بسؤاله.. أصبحت عبثاً عليه.. أصبحت عقبة في طريقه.. أصبحت في نظره لا شئ.. ماذا أريد؟.. الحقير!!..
    - أردي منك أن تفي بوعودك فتتزوجني وتستر سمعتي وتصون شرفي..
    - هذا محال.. اسمعي يا حضرة الدكتورة.. أنا لم أضربك على يدك.. لم أجرك إلى شقتي جراً.. جئت إليَّ بقدميك واستسلمت في بإرادتك، ولست مضطرا لأدفع ثمن رغبتك وسذاجتك وغبائك.
    في تلك اللحضات تذكرتً ((سامية)).. دوت كلماتها في أعماقي بقوة.. وبدا لي طيفها المضيء وسط فضاء مظلم..
    أذهلني الصدمة.. تقلَّصت ملامحي في ذعر وجحضت عيناي في غضب تريد لو تنقض عليه فتحرقه بنظراتها الثائرة..
    هدرت في وجهه: ((صفوان.. أنت وغد.. وغد.. وغد..))..
    آه.. ما أقساها من لحضات.. لحضات الصدمة والذهول.. إني لأتذكرها وكأني أعيشها الآن.. لقد انفلت هاربة لا ألوي على شئ.. كانت دموع القهر تنهمر من عيني الذاهلتين بغزارة.. وفي صدري كان يغلي مرجل من الغضب والثورة والغيظ المكتوم.. وتلاحقت أنفاسي متسارعة وبدأت أشعر بالاختناق.. الدنيا لم تعد تسعني.. الدنيا لم تعد لي.. الدنيا ليست للمقهورين والمعذبين.. ملعونة هذه الدنيا.. معلون هذا العالم. ملعونة هذه الحياة.. ماذا بقي لي فيها؟.. فلأغادرها بسرعة، والموت هو السبيل.. إنه أقوى طريقة للرفض.. أعلى صرخة في وجه هذا العالم التافه المجنون.. ولكن لا.. لن أغادر هذا العالم قبل أن أفضح الجريمة والمجرم.. يجب أن يكون لمودتي دوي هائل يهز حياة الطاغية، ويعلن النذير في صفوف الضائعين أمثالي، وينير أمامهم درب الفضيلة والعفاف)).
    وتتناول منى ورقة وقلماً وتخط رسالتها الأخيرة على أضواء القمر الوانية بيد مرتعشة، وقلب يائس، وعينين ذارفتين قرحهما البكاء:
    ((إلى كل فتاة غرر بها.. إلى كل عذراء اغتصبت قهراً أو خداعاً.. إلى كل مظلوم في هذا العالم القذر الملعون، أقد روحي البائسة رفضاً لهذا المجتمع الفاسد المريض، وقبل أن أغادره أريد أن أفضح وألعن سبب بؤسي وشقائي.. الدكتور ((صفوان الناعم)).. هذا الثعبان الماكر الذي لدغني في أعز ما أملك، وحطَّم سمعتي ومستقبلي.. وقبل الرحيل أودُّ أن أعتذر إلى أمي الطيبة ووالدين المسكين اللذين...)).
    وتقف منى عند هذه الكلمات...
    لقد تذكرت أمها الطيبة ووالدها المسكين، فتذكرت كفاحهما الشاق الطويل من أجلها، وتصورت حجم المأساة الفظيعة التي سيعيشانها بسبب انتحارها، وتخيلت تلك القصص والفضائح التي سينسجها الناس حول هذا الانتحار فهالها ما ستقدم عليه..
    ونشب في أعماقها صراع عنيف بين اليأس والرجاء، وتراوحت بين التماسك والانهيار، فترددت طويلاًً ثم بدأت تستسلم للعجز والضعف، فتناولت زجاجة السم التي أحضرتها لهذا الغرض ووقفت على الحدّ الفاصل بين الموت والحياة تقدم خطوة وتؤخر أخرى.. وازداد الصراع في أغوارها حدة وعنفاً، وأخذت مشاعرها المتباينة تتجاذب زجاجة السم من يدها، فتشنجت أصابعها على الزجاجة القاتلة وجعلت تترنَّح على حافة الفناء... وتفاقم الصراع في أعماقها المدلهمة.. فتقدمت من المرآة في رهبة وتأملت ذلك الشحوب الذي عكر ملامحها الكئيبة، وذلك الذعر الذي لاح في عينيها الحمراوين فانتابها خوف وهلع وأخذت ترتعش..
    وأصغت لليأس العاصف وهو يدفعها للاستسلام، فحملقت في جنون وقربت الزجاجة من فمها، فعلا وجيب قلبا وتسارعت خفقاته وأخذ يتلاطم في صدرها وكأنه سجين ضمن غرفة مغلقة راح يدق الأبواب والجدران باحثا عن مخرج وقد أحاق به خطر داهم.
    وهوت منى إلى الدرك الأسفل من اليأس، فباعدت بين أسنانها المنطبقة بقوة ورعب وحركت فكها المتشنَّج عنوة، وفتحت فمها إلى أقصى ما تستطيع وهمَّت بإفراغ السم القاتل في أحشائها، لكنها توقفت فجأة وهي تصغي لصوت العقل وهو يهيب بها هادراً قوياً أن تحجم، وامتدَّ لها خيط من الأمل فانتشلها من وهدة اليأس فحاول اليأس أن يعيدها إلى أحضانه، لكنها تشبثت بخيط الأمل ورمت بالزجاجة من النافذة وقررت أن تبقى...
    وبلغ الإجهاد بها منتهاه، فانهارت على الأرض مهدودة خائرة، وراحت تبكي في مرارة فالحياة التي آثرت أن تعود إليها أقسى ألف مرة من الموت الذي كانت ستقدم عليه.
    ((يجب أن أبقى.. يجب أن أعيش.. من أجل والدي الطيب.. من أجل أمي المسكينة.. من أجل إخوتي.. سأبقى لهم، فلا داعي لأن أزيد تعاستهم وشقاءهم.. حرام.. حرامٌ علي أن أقتل الفرحة الوليدة في أعماقهم بعد أن انتظروها كل هاتيك السنين.. سأبقى في أذهانهم ((الدكتورة منى)) التي يفخرون بها.. سأطوي صدري على الجراح وسأمضغ مأساتي في صمت.. لا داعي للانتحار فلديَّ ما أقوم به.. ولماذا الانتحار؟.. لقد متَّ منذ زمن ولم يبق مني إلاَّ هذا الجسد.. فلأعتبره آله.. آلة نافعة مفيدة تعود على أسرتي بالمال الذي يوفر لها الحياة الكريمة الرغيدة.. سأعزف عن الزواج.. سألغي في أعماقي غرائز الأنثى، وأشواق الأنثى وسأعمل ليل نهار لأقدم لأبي وأمي أسباب الراحة والسعادة وأوفر لإخوتي حياة أفضل تحميهم من الاندفاع وراء الأحلام الكاذبة التي تعدهم بريِّ حرمانهم كما وعدتني فخذلتني))...
    وسرى أذان الفجر فوق أمواج الظلام، فاخترق هدأة الليل ومزق وحشته، وانسابت معانية الخالدة إلى سمع منى فأنصتت إليه في خشوع وكأنها تسمعه لأول مرة.. وذكرت الله فذرفت بين يديه الدموع...
    * * *







    الفصل الثامن عشر
    انفض جمع الأصدقاء في ساعة متأخرة من الليل، بعد سهرة جميلة قضوها في ضيافة سعد الذي دعاهم إلى حفلْ عشاء وسمر بمناسبة تخرجه. ولم يبقَ منهم سوى عرفان وعصام الذي كان منهمكاً مع سعد في الحديث عن المستقبل والطموحات الكثيرة التي اتفقا على إنجازها معاَ، واستبدَّ النعاس بعرفان فتثاءب قائلاً:
    - أم ينتهٍ حديثكما؟.. لقد مللت أحاديثكم التي لا تنتهي عن السرطان والجمعية الوطنية لمكافحة السرطان والصندوق الوطني لمكافحة السرطان و.. لا أدري ما الذي يجبركم على حمل هموم المجتمع ومشاكله كلها.. هناك وزارة الصحة يا سادة.. هناك عقول كبيرة تخطط لتنمية المجتمع وتطويره، فأريحوا أنفسكم من هذا العناء.
    ضحك عصام وقال:
    - لك أن تقول بأنك قد نعست وتريد أن تذهب لتنام، لكن لا يحق لك أن تكبت أفكارنا وطموحاتنا في تطوير مؤسسات مكافحة السرطان بحجة أنها ليست من اختصاصنا.. ليس من الضروري أن ننفذ كل ما نفكر فيه بأنفسنا.. قد ننفذه نحن وقد ينفذه غيرنا.. المهم أن نفكر ونحاول...
    قال سعد يخاطب عصاماً:
    - لا تلق بالاً لكلامه يا عصام، فهو يملك نفس حماسنا، لكن الإسراف في الطعام قد أصابه باسترخاء أورثه النعاس والكسل.
    قال عرفان وهو ينهض في تثاقل:
    - ارحموني أرجوكم.. أريد أن أنام.. إذا كنت لا تنوي ان تمضي يا عصام فاتركني أذهب لوحدي.
    هتف عصام وهو يهم بالنهوض:
    - بل سنذهب معاً يا عزيزي، فقد تأخرنا.
    ثم وهو يتوجه بالحديث إلى سعد:
    - حسناً يا سعد.. سنكمل حديثنا غداً – إن شاء الله – المهم الآن أن نبدأ بتأسيس الصندوق الذي اتفقنا عليه لنستطيع مع الزمن توفير الدعم المادي لجمعية مكافحة السرطان.. سنتحدث غداً في التفاصيل...
    قال سعد:
    - سأزورك غداً في عيادة الدكتور إياد بعد أن تكون قد استشرته في أفكارنا التي تحدثنا عنها.. ستأتي معي يا عرفان، أليس كذلك؟
    - إذا استيقظت باكراً..
    قال عصام وهو يدعو عرفان للمسير بإشارة من يده :
    - والآن هيا بنا يا عرفان.. عفواً.. بل يا دكتور عرفان.. ضحك الثلاثة في ود وافترقوا على أمل اللقاء...
    * * *
    وقف عصام وعرفان على الرصيف بانتظار سيارة أجرة تقلهما إلى بيتهما، حيث يقع منزل عرفان في الطريق إلى منزل عصام، وقال عرفان وقد عاوده نشاطه:
    - يا لروعة هذا المساء.. ما أجمل السهرة في حديقة سعد.. لقد تمنيت لو امتدت بنا الجلسة حتى الفجر، لكن النعاس الذي دهمني أفسد متعتي.
    سأله عصام مداعباً:
    - أهي الحديقة التي أغرتك بالسهرة، أم الطعام الشهي الذي تناولته؟
    أجاب عرفان وهو يتحسس بطنه:
    - هل تريد الصدق؟.. لقد كان طعاماً شهياً لم أذق مثله.. و ((الكاتو)).. يا عيني على ((الكاتو)).. لقد أكلت منه حتى مللت...
    ضحك عصام وقال متوعداً:
    - إياك أن تسرف في حفلة زفافي كما أسرفت الليلة، فالمدعوون كثير، وزادنا على قدنا... عليك أن تقرأ كل ما درسناه عن أخطار السمنة قبل أن تأتي.. مفهوم؟
    هتف عرفان محتجا:
    - حرام عليك.. (قطع الأعناق ولا قطع الأرزاق).. أبعد أن دمجت حفلة التخرج مع حفلة الزفاف، تريد مني أن أقتصد في الطعام.. هذا ظلم يا دكتور.. ظلم سوف أقاومه بكل ما أوتيت من طاقة على الأكل والطعام، فخذ احتياطك منذ الآن...
    ومرت سيارة مسرعة فاستوقفها عصام بإشارة من يده، لكنها كانت مليئة فلم تحفل بإشارته.
    - لقد تأخرنا فعلاً!.
    سأله عرفان وهو يحل ربطة عنقه قليلاً:
    - أزمعت السفر للاختصاص إذن...
    - أنا وسامية – إن شاء الله - .
    - هل جاءك رد من أمريكا؟
    - ليس بعد.. يتوقع الدكتور إياد أن يتأخر الرد قليلاً، لكنه يؤكد لي بأن القبول مضمون، لأن رئيس الجمعية الأمريكية للسرطان صديق حميم له من أيام دراسته في أمريكا وهو يضع كل ثقله في الموضوع، ولا تنسَ أن الدكتور إياد ((زميل)) في الجمعية الأمريكية للسرطان ولرأيه وزن هناك وقد أرسل صوراً مترجمة ومصدقة عن أوراقي وأوراق سامية، سبقها تمهيد طويل حول هذا الأمر، وأنا متفائل جداً بالقبول.
    - يحق لك أن تتفاءل.. الجميع يفكرون بالاختصاص ويسعون إليه إلا أنا!.
    - ولِـمَ؟
    - لأسباب كثيرة.. أهمها تكاليف الاختصاص الناهضة..
    - العائق المالي قائم أمام الجميع لكن أغلبهم قد استطاع التغلب عليه، أنا مثلاً سأبيع قطعة أرض نملكها في الريف لنسدد منها تكاليف السنة الأولى، وبعدها سيبدأ عملنا في المستشفى هناك فيدر علينا راتبا جيداً...
    - كنت أتمنى أن يتوفر لدي ما يساعدني على البداية، لكن والدي كما تعلم لا يملك إلا محل الحلويات المتواضع الذي يصرف علينا منه، وأنا لا أريد أن أرهقه بالمزيد من المصاريف.
    صمت عصام متفكراً ثم قال في حماس:
    - لا عليك.. سنتعاون معا على تكاليف المرحلة الأولى من الاختصاص، إلى أن تتقاضي راتبك في المستشفى الذي ستمارس اختصاصك فيه.. حرام أن تئد طموحك من أجل عقبة مالية يمكننا إزالتها.
    - لا أريد أن أكون عالة على أحد.
    قال عصام معاتباً بحده:
    - سامحك الله يا عرفان.. من قال بأنك ستكون عالة؟.. تعاوننا وتكافلنا واجب لا فضل لأحدنا فيه أو منَّة، فالمسلمون كالجسد الواحد، وفي سبيل الأهداف الكبيرة تتلاشى هذه الاعتبارات التافهة الصغيرة.
    همس عرفان وقد تأثر بكلام عصام أيما تأثر:
    - اعذرني يا أخي، فالمشاكل والهموم ترهق الأعصاب وتضغط على المشاعر فتصبح مرهفة أكثر مما ينبغي.. أعدك بأني سأدرس عرضك هذا شاكراً ممتناً.
    - لست ممتناً لأحد.. أن نطور بلادنا وننهض بها واجب مقدس لا منَّة لأحد فيه، واختصاصك العلمي خطوة في هذا الاتجاه.. حسناً سأريحك من هذا الشعور.. اعتبر مساعدتنا لك ديناً تسدده للصندوق الوطني لمكافحة السرطان الذي أزمعنا على إقامته، أو تسدده لأي مشروع خيري آخر، متى شئت.
    وصمت عرفان يفكر في عرض عصام وهو متأثر بكلماته الصادقة التي تقطر أخوة ونبلاً، بينما قال عصام بعد شرود ليس بالقصير:
    - أتعلم بماذا أفكر؟..
    ضحك عرفان وقال:
    - من أين لي أن أعرف، فبالك مسرح لمشاغل العالم ومشاكله!
    - يؤرقني ما حدث لمنى...
    - ما الذي ذكرك بها الآن؟!.
    - فكرت فيما رواه ((مجدي)) الليلة عن مأساتها مع صفوان فخطر ذكرها ببالي.. كلما تذكرت وجهها الباكي الحزين المهموم يوم التخرج يا عرفان شعرت نحوها بالإشفاق رغم كل ما بدر منها.. لكم يؤلمني منظر المقهور.. لشدّ ما تعذبني دموع المظلوم أيّاً كان...
    - هي التي ظلمت نفسها، فانطلقت وراء رغباتها وسلمت نفسها للشيطان.
    - إني أدرك هذا، لكني أعتبرها بالرغم من هذا ضحية.. ضحية للفقر الذي لسعها بسياط الحرمان.. ضحية للفساد الذي يسيطر على حياتنا.. ضحية للأفكار الغريبة التي لوثت العقول والضمائر.
    - لم يبق طالب في الكليلة إلا وعلم من صفوان وشلته بسرّ علاقتها معه.. لقد فضحها على الملأ!
    هتف عصام في حنق:
    - هذا الذي اسمه صفوان.. ألا يرعوي؟!.. يا له من متبجح وقح!!!
    - لكم يحيرني سعد عندما يدعو له بالهداية.. إنه يقول لك بأن الإنسان مهما طغى وتجبر فإنه ينطوي على بذرة خير مهيأة للإنبات.. شاب مثل صفوان لا يمكن أن يحمل في قلبه ذرة خير واحدة!
    - سعد على حق يا عرفان، لكن الخطأ والانحراف يبقى مداناً محتقراً يدعو للثورة والاشمئزاز.. هذه سيارة تتجه نحونا، فلنستوقفها..
    أشار عصام للسيارة فتوقفت أمامه، فتقدم منها:
    - إلى حي الفردوس لو سمحت؟
    - تفضلا..
    ودعا عصام عرفان للجلوس في المقعد الأمامي لكنه أبى وقال وهو يدلف إلى المقعد الخلفي:
    - لا والله ... الأول على الكلية في الأمام.. تحتل المقدمة في الجامعة وترضيني بالمقدمة في السيارة، هذا شئ لن يكون...
    رضخ عصام لرغبته وهو يرمقه في عتاب باسم، ثم جلس إلى جوار السائق الذي انطلق بسيارته في هدوء أوحى لهما بقيادة متأنية أمينة.
    * * *
    كان السائق رجلاً كهلاً قد اشتعل رأسه شيباً فأضفى على ملامحه وقاراً مريحاً يجذب إليه من يراه، وبعد أن مضت بهم السيارة تطوي المسافات سأل ونظراته ثابتة إلى الأمام ترقب الطريق في حذر تحسباً لكل طارئ:
    - الشباب طلبة.. أليس كذلك؟
    أجابه عصام بعد أن تبادل نظرة مع عرفان:
    - منذ أيام فقط كنا طلبة..
    - تخرجتم من الجامعة إذن.
    - صدقت..
    - مبروك، ومن أي فرع؟
    - من كلية الطب.
    - ما شاء الله.. أنتما إذاً طبيبان.. تشرفت بمعرفتكما.
    - زادك الله شرفاً.
    وأردف عرفان:
    - وهذا الدكتور الذي يجلس بجانبك هو الأول على كلية الطب.
    قال السائق يخاطب عصاماً:
    - وفقك الله يا بني.. لم نتعرف على الإسم الكريم؟
    - ((عصام السعيد)).
    - تشرفنا.
    هتف عرفان وهو يلوح بيده متصنعا الاحتجاج:
    - ما شاء الله ((الدنيا دائماً مع الواقف)).. الناس لا يهتمون إلا بالأوائل والعظماء. أما المغمورون.. أما المساكين، فلا يسأل عنهم أحد.
    ثم وهو يميل إلى الأمام مخاطباً السائق:
    - وأنا يا عمّ؟.. أنا؟.. ألا تريد معرفة إسمي الكريم؟!
    هتف السائق معتذراً:
    - طبعاً، طبعاً.. يسرني أن أتعرف بالاسم الكريم...
    قال عرفان وهو يزهو في دعابة ومزاح:
    - الدكتور عرفان.. ((عرفان النابلسي)).. كان والد جدي من نابلس، وعندما هاجر منها حمله معه صناعة ((الكنافة النابلسية)) فورثناها كابرا عن كابر، لكني تنكرت لهذا التراث وتخرجت طبيباً، وقد أعود إليه إذا ما أصيب سوق الطب بالركود.
    ضحك الجميع في مرح ثم ما لبث السائق أن قال وهو يرسل تنهيدة عميقة بعثتها ذكريات الماضي:
    - إيه.. ما أعجب الأيام.. لقد كان حلم والدي رحمه الله أن أصبح طبيباً، لكن المنية سرعان ما خطفته منا وأنا في السابعة عشر من عمري، ولم يكن لأسرتنا من يعيلها فتركت المدرسة ورحت أعمل، لأصرف على أخوتي وأمي وجدتي.. إيه... الحمدلله... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، لكن ربك لا ينسى أحداً، لقد أنعم علينا وفضل...
    مست كلمات السائق الوتر الحزين في قلب عصام فاهتز ليبعث في نفسه الشجن، وطافت بخياله ذكرى أبيه الراحل فشعر بوخزها الأليم وراح يناجيه في صمت وشرود:
    - ((إيه.. أين أنت يا والدي لترى ابنك الآن، وقد صار طبيباً كما كنت تحلم وتتمنى.. لكم يحزنني أن أحرم من ابتسامة الفرح والفخر والاعتزاز وهي تشرق من وجهك الطيب فتملأني ثقة وعزيمة وتمدني بأروع الزاد وأثراه في رحلة الحياة، لكني أعدك يا أبت أن أرقى في سلم المجد بهمة وإصرار.. سوف أطير إلى قمته السامقة البعيدة لأحط عليها كنسر عنيد... يرفعني إليها جناحان حانيان.. أمي العظيمة وزوجتي الحبيبة.. آه.. لو أنك رأيتها يا أبت لتمنيت أن تضعها في قلبك، لكن.. أين أنت؟.. غيابك الأبدي يؤلمني ويشوه أفراحي ويوشح خطواتي بالحزن والأسى.. لقد حققت حتى الآن الكثير، والدروب أمامي ممهدة لتحقيق المزيد، لكن ذلك كله لم يمسح من نفسي كآبتها المزمنة، لكأن الحزن فيها قد استوطن وأبى الرحيل..)).
    قال السائق وقد أحب أن يصل ما انقطع من الحديث:
    - الأطباء في مجتمعنا طبقة مرموقة اجتماعياً ومادياً.. تفرض احترامها أينما ذهبت وتلعب بالمال...
    قال عرفان:
    - هذا الكلام كان على أيامكم يا عم، أما اليوم، فيا حسرتي علينا... أخشى أن نتحول من طبقة مرموقة إلى طبقة مسحوقة!.
    قال السائق وهو ينعطف إلى اليمين:
    - لا تتشاءم يا بني، لقد أنعم الله عليك بمهنة عظيمة، سوف تسعدك وتسعد الناس الذين سيشفيهم الله على يديك.
    قال عصام وقد خرج من شروده الحزين لينخرط في الحديث:
    - حقاً إن السعادة التي يجدها الطبيب وهو ينقذ الناس من براثن المرض والألم لا تقاس بمال الدنيا.
    قال السائق بنبرات تفيض بالاحترام :
    - ما شاء الله.. ما أحلى أن يكون أطباؤنا جميعاً بهذا الشعور، لكن بعضهم يتحول بكل أسف إلى تجار.. يتاجرون بأمراض الناس وآلامهم!. لكم يسرني أن أتعرف بكما..
    قال عصام وهو يتناول من جيبه بطاقة أنيقة تحمل اسمه وعنوانه:
    - بارك الله فيك يا عم.. هذا عنواني، فاحتفظ به، فإن احتجت لأي خدمة فأنا..
    ولم يكد يكمل حتى صرخ عرفان هاتفاً في ذعر شديد:
    - انتبه.. إلى اليمين.. هناك سيارة.. آه........
    كان القدر أسرع من الكلمات، وفي لحظات قليلة وقعت الكارثة، وأريقت الدماء البريئة لتسطر مأساة جديدة من مآسي السرعة الملعونة والطيش المجنون.
    * * *


    الفصل التاسع عشر
    وضع سعد فنجان القهوة من يده، ثم تناول الجريدة وراح يتصفح عناوينها شأنه كل صباح.. قرأ عناوين الصفحة الأولى، فلم يجد خبراً يستحق الاهتمام فتحول عنها إلى الصفحة الأخيرة حيث يحلو له أن يتأمل كل يوم الصورة ((الكاريكاتيرية)) التي تتصدرها دائماً... وبعد أن انتهى سعد من الصفحة الأخيرة، أخذ يقلب صفحات الجريدة، وما إن وصل إلى صفحة الحوادث حتى لفتت نظره صورة لحادث مروع وقد كتب فوقها عنوان كبير يقول: ((الطيش والغرور كانا وراء هذه المأساة)).
    وشدَّه الحادث فراح يتأمل الصورة في أسف وقد ظهر فيها منظر لسيارة مقلوبة كان من الواضح أنها انقلبت بعد أن اصطدمت بالجانب الأيمن لسيارة أجرة بدا بابها الأمامي الأيمن وقد انسحق بشدة، وكأن مقدمة السيارة الصادمة قد اخترقته بزاويتها الأمامية اليسرى فعجنته عجناً، وهمس سعد بلا شعور:
    - لا بد أن كارثة قد وقعت!..
    واستحوذ الحادث المروع على اهتمامه، فراح يقرأ في إشفاق...
    (( في ساعة متأخرة من ليلة أمس وقع حادث مروع على طريق ((السلام)) حيث صدمت سيارة مسرعة من نوع ((داتسون)) سيارة أجرة من نوع ((تويوتا)) وذلك عندما خرجت الأولى فجأة من شارع فرعي بسرعة هائلة لترتطم بسيارة الأجرة التي كانت تمضي على الشارع الرئيسي بانتظام، وقد كانت المحصلة مقتل سائق ((الداتسون)) على الفور نتيجة لانقلاب السيارة بعد الاصطدام، وهو شاب صغير لا يتجاوز العشرين من العمر، بينما أصيبت الفتاة التي كانت تجلس بجانبه بجراح خطيرة، أما ركاب ((التكسي)) وعددهم ثلاثة بما فيهم السائق فقد أصيبوا بجراح مختلفة كان أخطرهم الراكب الذي يجلس بجانب السائق حيث تلقى الجزء الأكبر من الصدمة وقد علمت الجريدة من مصادر موثوقة أن الراكب الذي يجلس في الأمام طبيب شاب تخرج هذا العام وأنه قد حاز على أعلى معدل درجات في تاريخ كلية الطب، كما علمت أن الراكب الثاني طبيب أيضاً.
    إن الجريدة تهيب بالمواطنين الكرام أن يلتزموا بقواعد المرور وأن يتجنبوا السرعة العالية التي .. ))
    ولم يعد سعد يتبين الكلمات، فقد انفجرت الدموع من عينيه وتسمرت نظراته الهلعة المذعورة فوق السطور الدامية الحمراء وهتف في ذهول وهو يضرب جبهته في ذعر وجزع:
    ((- عصام وعرفان.. عصام.. آه، يا للكارثة.. إنه عصام.. ومن غيره الأول على كلية الطب؟.. والوقت.. لقد وقع لهما الحادث بعد أن خرجا من عندي.. آه.. يا للمأساة)).. وألقى الجريدة من يده، وهرع إلى الهاتف كالملسوع، فرفع السماعة بيد مرتعشة وقلب واجف، وأخذ يدير القرص في اضطراب وإصبعه لا تكاد تجد طريقها إلى الأرقام المطلوبة، وبينما هو كذلك، مرت به أمه وهي تمضي لبعض شأنها فرأته على هذه الصورة من الهلع والاضطراب فسألته في ريبة:
    - سعد.. لماذا أنت مضطرب هكذا؟.. والدموع؟!.. ما الذي يبكيك يا بني؟.. أخبرني بالذي جرى أرجوك؟...
    أجابها سعد بصوت متهدج ونبرات مرتعدة:
    - لقد وقعت كارثة.. كارثة يا أماه...
    سألته وهي تتهالك على كرسي قريب بأعصاب مهدودة خائرة:
    - عن أي كارثة تتحدث؟.. هل حدث لأبيك مكروه؟..
    - عصام يا أماه... عصام وعرفان... لقد أصيبا في حادث سيارة.. عصام في خطر يا أماه.
    - ماذا؟.. كان الله في عون أمه.. الله يصبرها. وبمن تتصل؟!..
    - اتصلت ببيت الدكتور إياد ولا أحد يرد.. سأتصل بالعيادة علني أجد من يجيب...
    وراح يدير القرص من جديد، بينما راحت أمه تذرف الدموع في صمت حزين. وردت الممرضة على سعد فصاح في عصبية واضطراب:
    - آلو.. آلو.. الدكتور إياد هنا؟
    - الدكتور إياد مشغول اليوم ولا سبيل إلى..
    - أعرف بالذي حدث.. فقد أخبريني إلى أي مستشفى نُقل عصام؟
    - إلى المستشفى الوطني..
    وألقى سعد السماعة في ضيق، وأراد أن يمضي لكنه فكر أن يتصل بمجدي، فعاد واتصل به، وما أن رد عليه حتى قال بدون مقدمات:
    - عصام في خطر يا مجدي.. إنه في المستشفى الوطني.. سنلتقي هناك.. أخبر بقية الأًصدقاء فقد نستطيع أن نفعل شيئاً.. ثم ألقى السماعة تاركاً مجدي فريسة لهول المفاجأة وصدمتها
    * * *
    أوقف سعد سائق السيارة التي أقلته إلى المستشفى، ورمى له بورقة نقدية كبيرة ومضى دون أن يسترجع منه البقية، وهرع مسرعاً إلى قسم الطوارئ يبحث عمن يخبره الخبر اليقين، وما إن وصل حتى صدمته الوجوه الباكية المغتمة واخترق سمعه صوت حزين واه فالتفت إليه في إشفاق وهو يشعر بالكآبة تشيع في صدره وتضغط على أنفاسه وما إن وقع بصره على صاحب الصورة حتى خفق قلبه بعنف وأحس فيه توجعاً يقرض شغافه الملتهبة وانبثقت الدموع من عينيه.
    لقد رأى الأم المسكينة وقد هدتها المأساة ولوعها المصاب فراحت تبكي في حرقة وصمت وتدعو الله في ضراعة لو مست الصخر الأصم لصدعته، وتتوسل إليه من بين الدموع في نبرات كبيرة حزينة مبحوحة:
    ((يا رب.. لقد وضعته عندك أمانة.. يا رب.. لقد سلمته لك فأعده لي سالماً.. رباه.. هو أملي ورجائي.. هو روحي وعمري.. يا لطيف.. يا قادر.. أنقذه بقدرتك، قد كان مؤمنا عابداً.. اللهم لا اعتراض على قدرك.. دائما تبتلي المؤمنين.. سبحانك لا اعتراض على حكمتك، لكني أتوسل إليك يا رب أن تنقذ لي وحيدي.. يا كريم..)).
    ولم يعد سعد يطيق الانتظار، فأشاح بوجهه الحزين عن الأم المحطمة وهو يشعر بالاختناق، وأخذ يبحث عمن يزوده بآخر الأخبار، ولمح طبيباً يعرفه فهرع إليه في سرعة ولهفة:
    - دكتور أحمد.. لحظة أرجوك...
    - أهلا دكتور سعد...
    - عصام.. ما هي أخبار عصام؟.. طمئنِّي أرجوك؟
    قال الدكتور أحمد وهو يتنهد في أسف:
    - عصام يصارع الموت، والأمل ضعيف..
    - ما إصابته بالضبط؟
    - أخطر ما في إصابته الكسر الذي أصاب قاع الجمجمة.. هناك كسر في كتفه الأيمن، وكسر في يده اليمنى ورضوض مختلفة.. هذا غير النزيف.. إنه كتلة من الأشلاء.
    هتف سعد وهو يضرب وجهه بكلتا يديه:
    - يا للكارثة.. لا بد من معجزة لإنقاذه.. واأسفاه...
    قال الدكتور أحمد وهو يحملق في حزن:
    - في غرفة العمليات تحتدم الآن معركة ضارية بين الموت والحياة...
    ألا أستطيع أن أدخل لأساهم بشيء؟
    - ماذا ستفعل أمام أساطين الطب والجراحة الذين اجتمعوا لإنقاذه؟
    - يجب أن أفعل شيئاً.. أيّ شيء...
    - كلنا نتمنى أن نقدم شيئاً، ولكن...
    - ومن هم الأطباء الذين يشرفون عليه في الداخل؟
    - هناك الدكتور جهاد مدير المستشفى وكبير الأطباء.. وهناك الدكتور إياد طبعاً..
    - المسكين.. كان يتعهده كابنه..
    - هناك أيضاً الدكتور عدنان والدكتور فايز إنه فريق ممتاز كما ترى، ويحوي كل الاختصاصات اللازمة.. هناك الدكتورة سامية أيضاً.. لقد أصرَّت على الدخول.. المسكينة.. لكم آلمني منظرها الحزين.
    - وأمه؟.. كيف تلقت النبأ؟..
    أجابه الدكتور أحمد في شرود حزين:
    - لا أدري كيف تلقت النبأ، لكني رأيتها عندما أحضروها إلى هنا.. كان منظرها الكئيب يمزق القلب ويفتت الفؤاد... كانت منهارة تماماً وكانت تهذي كالمجنونة.. هل تصدق؟.. لقد أصبحت أتمنى أن أموت قبل أمي وأبي من هو المنظر الذي رأيتها فيه ليلة أمس، ألم ترها الآن؟...
    - أجل رأيتها.. مسكينة.. لقد كان الأمل الوحيد الباسم في حياتها.
    ثم هتف سعد وقد تذكر:
    - وعرفان؟.. لم أسألك عن عرفان؟.. أرجو أن تكون إصابته خفيفة.
    - إنها أخف بكثير من إصابة عصام، فقد كان جالساً في الخلف ولم يصب إلا ببعض الرضوض في رأسه وصدره.. يمكنك أن تراه.. إنه في الغرفة رقم سبعة.
    - هلم بنا إليه... أريد أن أعرف تفاصيل ما حدث.
    * * *
    مضى سعد مع الدكتور أحمد إلى غرفة عرفان، والحزن يلون قسماته، والأسى يثقل خطواته، والهم لوح في نظراته، فالمصاب في عصام أليم، وهو من الذي يشعرون أكثر من غيرهم بعمقه وإيلامه، فقد عرف عصاماً عن قرب، وسبر أغوار شخصيته الفريدة، وأحبه من الأعماق، فكان أعزَّ أصدقائه وأغلاهم وأقربهم إلى نفسه وفي الممر صادق سعد بقية الأصدقاء وقد حضروا ليستطلعوا جلية الأمر، وما إن رأوه حتى هرعوا إليه في ذعر ولهفة، فاستقبلهم بعينين دامعتين بعثت عبراتهما الذكريات القريبة الحبيبة، وسأله ((بهاء)) في توسل:
    - أخبرنا يا سعد.. ما هي أخبار عصام؟.. ما الذي حدث بربك؟
    أجابه سعد وهو يغمض عينيه في ضيق وألم:
    - كسر في قاع الجمجمة يا بهاء، وكسور أخرى، ونزيف لا ندري كم استمر...
    صاح مجدي وهو يضرب جبهته في التياع:
    - هذه كارثة... أين وقع هذا؟، ومتى؟، وأين؟.
    - ليلة أمس... بعد أن خرج من عندي.
    همس عثمان وهو يلوح بيد مرتجفة:
    - أيحدث هذه بهذه السرعة.. بالأمس كنا معاُ .. أكلنا وضحكنا وتحدثنا.
    ثم وقد طفرت الدموع من عينيه:
    - المسكين... لكم حدثنا عن طموحاته وأحلامه!!.
    قال الدكتور أحمد وهو يحاول إخراجهم من هذا الجو الكئيب:
    - هدئوا من روعكم أيها الزملاء... هلموا إلى الدكتور عرفان فهو أفضل من يروي لنا القصة.
    هتف مجدي :
    - هل أصيب عرفان أيضاً؟.. أيحدث هذا بين عشية وضحاها؟
    قال الدكتور أحمد مهدئاً:
    - لا تقلقوا إنه بخير.. تفضلوا معي..
    * * *
    وصل الأصدقاء إلى غرفة عرفان فوجدوه ممدداً على سريره وقد أحاطت بوجهه هالة كثيفة من الشاش الأبيض، وما إن رآهم قادمين حتى اغرورقت عيناه، ففجرت دموعه مراجل الحزن المكتوم في صدورهم فأجهشوا بالبكاء والنحيب...
    قال الدكتور أحمد محاولاً تبديد حزنهم اللاهب:
    - تماسكوا يا شباب... أنتم أطباء، ولا يصح أن تبدوا أمام الناس هكذا...
    ثم سأل عرفان:
    - هل ذهب أهلك؟.. لقد شاهدتهم هنا منذ قليل!
    أجابه عرفان بصوت واهن خنقته العبرات:
    - لقد طلبت من أن يقفوا إلى جانب أم عصام، فـ.. فذهبوا إليها بعد أن اطمأنوا على حالتي..
    ثم وهو يجهش بالبكاء من جديد:
    - عصام يصارع الموت يا سعد.. إنه يصارع الموت..
    تقدم سعد من عرفان في هدوء وقال وهو يمسك بيده مواسيا:
    - ليكن أملنا في الله كبيراً، ولنتذرع بالصبر.. كيف تجد نفسك الآن؟
    أجاب بنبرات لاهثة حزين، والدموع تنساب من وجنتيه اللتين خدشتهما الجروح الصغيرة:
    - ما يهمني هو عصام.. عصام يا سعد.. إنني أخشى.. آه.. لا أستطيع تصور ما حدث.. في لمحة بصر حدثت الكارثة.. كان عصام أخطرنا.. لقد تحول إلى أشلاء..
    قال بهاء وهو يغالب دموعه:
    - كن واثقاً بالله، لندع له جميعاً...
    تابع عرفان في ألم:
    - أنتم لم تروا ما حدث.. كنّا.. كنّا نسير في هدوء... نتحادث مع السائق.. كان المسكين يحدثنا عن مشاكله وهمومه.. ينصحنا بأن نكون أطباء صالحين.. كان عصام يصغي إليه باحترام.. ثم أراد أن يقدم له عنوانه ليساعده.. وما.. وما كاد يخرج البطاقة من جيبه حتى حدثت الكارثة.
    وصمت قليلاً ريثما ارتاح، ثم تابع وسعد يجفف له دموعه:
    - كنا نسير في شارع ((السلام)).. بالقرب من المتحف.. وفجأة.. خرجت سيارة مسرعة من شارع فرعي على يميننا.. كانت تنهب الأرض بسرعة جنونية.. وتتلوى في مشيتها كحية رقطاء.. وما إن رأيتها حتى صرخت فزعاً مذعوراً وبأعلى صوتي.. لأحذر السائق كي يتفاداها.. لكن.. لكن قضاء الله كان أسرع...
    ثم أردف بعد أن ازدرد ريقه:
    - لقد صدمتنا السيارة المسرعة من الجانب الأيمن... حيث كان يجلس عصام... فاهتزت بنا السيارة هزة عنيفة.. ارتطم رأسي على إثرها بزجاج النافذة، فأغمي علي ولم.. ولم أغف إلا هنا.
    - الحمدلله على السلامة...
    قال الدكتور أحمد:
    - لقد قتل سائق السيارة التي صدمتهم على الفور، وقد علمت من المحقق أن رعونته وسرعته الطائشة اللا مسؤولة هي التي سببت الحادث، كما أن صديقته قد أصيبت بكسور مختلفة أخطرها الذي أصاب العمود الفقري فأودى بها إلى الشلل...
    علق عرفان محتداً حانقاً:
    - كان يتباهى بنفسه أمامها.. يريد أن يثبت لها أنه رجل. وهي هي الحصيلة.. والسائق؟.. كيف حاله الآن؟
    - لقد أصيب بكسور مختلفة.. المسكين..
    هتف سعد بلهجة غاضبة وهو يلوح بقبضته في الهواء:
    - يا للمأساة!!.. الانحراف والضياع والعبث يعصف دائماً بكل ما ينجزه العقلاء والمخلصون.. التربية الفاشلة الفاسدة تكمن دائماً وراء تخلفنا وانحطاطنا. عصام.. الطاقة النادرة في بلادنا.. الشاب الذكي الطموح الذي كان يحترق كشمعة ليصنع لأمته شيئا يفيدها ويطورها، يذهب ضحية للطيش والرعونة والجنون!!!...
    ثم وهو يهوي بقبضته على الجدار في أسف عميق:
    - إن عاش عصام، فسوف يعيش مشلولاً مقعداً.. مكبلاً بعجزه وآلامه وأحزانه.
    ثم هتف بصوت متهدج يفيض بالانفعال:
    - نحن لا تنقصنا التكنولوجيا المتطورة والخبرات الماهرة، بقدر ما تنقصنا التربية ويعوزنا الضمير...
    ثم همس عد أن مال إلى الهدوء:
    - اعذروني يا شباب، فالمأساة فضيعة كما ترون، والمصاب في عصام رهيب أليم.
    قال عثمان وهو يتحسس صدغيه من شدة الصداع:
    - لا أكاد أصدق ما حدث..
    وأردف مجدي:
    - يا له من كابوس رهيب...
    بينما قال سعد وهو يتجه إلى جهاز الهاتف:
    - يجب أن نعرف آخر أخبار عصام... سأطلب غرفة العمليات..
    وبعد أن تم الاتصال قال سعد للمرضة التي ردت عليه:
    - أريد الدكتور إياد من فضلك...
    - انتظر لحظة لأرى فيما إذا كان يستطيع التحدث معك ومضت لحضات قصيرة ريثما رد الدكتور إياد:
    - آلو، نعم.. الدكتور إياد يتحدث...
    قال سعد بصوت متهدج بعد أن اخترقت سمعه نبرات الدكتور إياد نابضة بالحزن والأسى:
    - دكتور أنا سعد.. نريد أن نطمئن على عصام.. أرجوك أن تصارحنا فنحن أطباء ونقدِّر الموقف.
    هيجت نبرات سعد المرتعشة الحزينة آلام الدكتور إياد وألهبت جراحه فاجتاحته موجة من الانفعال وكان أن يبكي، لكنه تمالك نفسه وقال بعد صمت أثار المخاوف في نفس سعد:
    - لا أكتمك يا بني.. الموقف عصيب جداً.. أنت طبيب وتعرف ماذا يعني كسر في قاع الجمجمة.. لقد فعلنا ما في وسعنا والباقي بيد الله...
    قال سعد وهو يبكي في لوعة وصمت:
    - دكتور نحن على استعداد لعمل أي شئ... نردي أن نفعل شيئاً.. أي شيء...
    - إني أقدر مشاعركم يا بني.. لست أنت أول من يطلب هذا.. الكل يعرض المساعدة، فقد كان محبوبا من الجميع... من أين تتحدث؟
    - من غرفة عرفان...
    - وكيف هو الآن؟..
    ونما إلى سمع سعد صوت إحدى الممرضات وهي تنادي في ذعر:
    - دكتور إياد... إنهم يريدونك في الداخل...
    فألقى السماعة من يده، وهرع ليعرف ماذا حدث؟
    * * *



    الفصل العشرون
    في تمام الساعة العاشرة والدقيقة الثالثة والخمسين من صباح ذلك اليوم المشؤوم فرغت كنانة الأمل، وحانت لحظة رهيبة من لحضات القدر القاسية العصيبة، فجاءت مترعة بالألم، مفعمة بالأسى، مثقلة بالدموع... فطوت بمرورها حياة واحد من سكان هذه الأرض لينضم إلى قافلة الفناء...
    حدث ذلك عندما هوى الموت بقبضته على عصام، فخفق قلبه الخفقة الأخيرة وأسلم الروح...
    وقبيل الرحيل بلحظات فتح عصام عينيه الذابلتين وقد جاشت في صدره حشرجة متصاعدة وغمغم بنبرات واهنة متقطِّعة وهو يحملق بالمجهول: ((ما.. ما)). ((ما.. ما)). ((ما.. ما)). فهرعت إليه سامية ومن ورائها الجميع وحضنت رأسه بين ذراعيها في حنو وإشفاق، فتعلقت بها نظراته الكليلة المرهقة ولاحت على شفتيه شبه ابتسامة سرعان ما خبت، فانطفأت بأفولها شعلة الحياة اللاهبة العظيمة التي كانت تتوقد متلألئة في أعماقه تسطع وتتألق وتضيء... وأسبل جفنيه في هدوء، فكانا هما الدفة الأخيرة لكتاب عمره الحافل الذي يروي قصة طموح واعد لم تكتمل ورحلة مجد انتهت عند السفوح، وفاضت الروح فأفلتت من بين أمهر الأيادي لأساطين الطب والجراحة وتسللت من بين أحدث الأجهزة العلمية والطبية متحدية عجز الإنسان وضعفه أمام قدر الله، وانطلقت إلى بارئها متخففة من كل الجواذب والأماني والأحلام، يحدوها الشوق إلى الحبيب الأعظم الذي برأها أول مرة وقد أدت الأمانة وفارقت الدنيا على قيم الحق والإيمان والعطاء.
    وندت عن سامية صرخة هائلة، حمَّلتها كل حزنها وألمها المكبوت، وأكبَّت على وجهه المهشم تعانقه في حب ولوعة، وترويه بالقبلات والدموع، وراحت تصرخ وتنادي في صوت هادر مجنون:
    - عصام.. عصام.. لا تذهب أرجوك.. لن تفارقني بهذه السرعة.. عصام.. هل تسمعني؟.. أنا سامية يا عصام.. سامية التي تحبك.. زوجتك التي نسجت معها الأحلام.. لا تفارقني أرجوك.. لا تتركني وحدي فالحياة من بعدك سراب.. سراب.. سراب...
    ثم أجهشت في بكاء شديد...
    ومال الدكتور إياد على ابنته المحطمة في حزن، فشدها إليه، لكنها تشبثت بزوجها الراحل وكأنها تمسكه خشية أن يهرب، بيد أن أباها قاوم ضعفه وانهياره وجذبها إليه جذبة قوية فضمها إلى صدره في ألم، وقال بصوت دامع حزين:
    - ((إنا لله وإنا إليه راجعون)).. تماسكي واهدأي يا ابنتي، فهذا قدر الله ولا راد لأمره.
    وتعالى بكاؤها ونحيبها، فأردف الدكتور إياد وهو يربت على ظهرها مهدئاً ومواسيا:
    - تماسكي أرجوك.. من أجل أمه على الأقل.. يجب أن نقف إلى جانبها في هذا اليوم العصيب.. اللهم اجعلنا من الصابرين... يا رب.
    وتقدم الدكتور جهاد من جثة عصام، فسحب الغطاء الأبيض وأسدله على وجهه في هدوء حزين، ثم أمر بنقله إلى غرفة الوفيات وقال وهو يجول بنظراته الكئيبة بين وجوه الأطباء التي امتزج الحزن والأسف فيها بالتعب والإرهاق الشديد:
    - من سينقل النبأ لأمه؟
    أجابه الدكتور إياد وملامحه الكئيبة تحتقن بالحسرة والألم:
    - ومن غيرك يا جهاد؟.. أنت مدير المستشفى وكبير الأطباء...
    تنهد الدكتور جهاد وهو يغمض عينيه في أسى ثم قال:
    - أخشى أني لا أستطيع.. أقولها لأول مرة منذ أمد بعيد.. لقد مرَّ عليَّ في هذا المستشفى عشرون عاماً أو تزيد، رأيت فيها الكثير من الكوارث والمآسي، فلم أتأثر بها كما تأثرت بهذه المأساة، ورأيت الكثير من الأمهات وهنَّ يبكين أولادهن، لكن منظر أمه المسكينة كسر قشرة الاعتياد التي غلفت قلبي عبر السنين لتخلف في فؤادي جرحاً غائراً لن أنساه!!...
    همس الدكتور إياد وقد علا نحيب سامية:
    - دكتور أرجوك أن تتصرف... يكفيني مصابي...
    أرسل الدكتور جهاد تنهيدة خائرة، ثم قال في رضوخ:
    - حسناً.. كما تريد...
    قال الدكتور علي:
    - لكنها ستطلب رؤيته.. إني أخشى عليها من الانهيار...
    علق الدكتور عدنان قائلاً:
    - رؤيتها له أمر لا مفر منه، وهو أدعى لتفريغ شحنات الحزن والأسى التي ترهق أعصابها.
    قال الدكتور جهاد وهو يمضي مطرقاً حزيناً:
    - لنستعد لكل الاحتمالات، والله معنا.
    * * *
    اكتضت قاعة الانتظار في قسم الطوارئ بالكثيرين ممن هزَّهم المصاب وآلمهم، فهرعوا إلى المستشفى في ذعر وذهول ليكونوا قرب الإنسان الذي أحبوه واحترموه وأعجبوا به، وليقفوا بجانبه في محنته الدامية الرهيبة.. حتى صفوان.. صفوان الذي عرف بحقده على عصام وكرهه له وهزئه بأفكاره ونبوغه وطموحه.. صفوان الذي لا يفكر إلاّ في نفسه وملذاته ورغباته... حتى صفوان اهتز للمأساة وتأثر بها بعد أن علم بها من أحد أفراد شلته الذي أيقضه من نومه ليسأله بالهاتف قائلاً:
    - هل قرأت جريدة الصباح؟...
    فأجابه منزعجاً غاضباً:
    - ما هذا السؤال التافه عند الصباح؟.. أنت تعرف أني لا أحب قراءة الصحف والمجلات...
    - إذن اقرأها اليوم وادعُ لي...
    - ماذا تقصد؟.. ماذا حدث؟!
    - صاحبك عصام...
    - ما شأنه؟... لعلك ستقول لي أنه نال مكافأة أو هدية أو وساما... سألعن صباحك إن كنت أيقظتني لتقول لي هذا.
    ضحك صاحبه وقال ساخراً:
    - أي مكافأة؟ وأي وسام؟.. عصام انتهى يا روحي.. إنه في المستشفى يحتضر...
    وصدمه الخبر بقوة، وهزَّ بعنف، فوجم في ذهول، وعبس في تفكر، وسأله في شك وهو لا يكاد يصدق:
    - ماذا تقول؟.. عصام يحتضر؟.. لعلك تمزح؟!..
    - أبداً.. لقد أصيب ليلة أمس في حادث سير مروع والأمل في حياته ضعيف جداً... هكذا أخبرتين ((رندا)).. ((رندا)) صديقتي الممرضة في المستشفى الوطني.. إنه يعالج هناك وهو في حالة ميؤوس منها.
    ودك الخبر المثير قلاع القسوة والحقد والطغيان التي كانت تقوم في قلب صفوان، فتهاوت وتداعت في لحضات، وأحس في غمرة الصدمة بشيء سامٍ نبيل يتحرَّك في أعماقه السحيقة ويخرج من بين أنقاض التكبر والغطرسة والغرور، وينفض عنه ركام الفساد والخبث والانحراف، ويتسلَّق شرايينه بالرغم مما يعكرها من كراهية وأنانية وسوء، ثم يمضي إلى ضميره الغافي فيوقضه بعد طول سبات وينبهه من تخدير العبث واللهو واللامبالاة...
    وأفاق الضمير النائم في ذعر، وانتفض في ثورة، وراح يدق أبواب عقله المسجون وراء أسوار اللذة والرغبة والهوى بإلحاح، ويسأله عن لغز الوجود وأسرار الحياة، ويذكره بضعف الإنسان وعجزه أمام الموت المتربِّص القريب، وهمس وهو يضع السماعة في شرود:
    - (( عصام يحتضر؟.. يحتضر؟!!.. من يصدق؟!.. كنت أحسبه أسطورة!.. كنت أتصوره إنساناً خلق للنجاح!.. لم يخطر ببالي يوماً أن يكون الثاني على الكلية فكيف؟!.. أتنطفئ حياة شاب كهذا بهذه السرعة والسهولة.. لا أصدق.. هل هذه هي الحياة؟!!..)).
    وأغمض صفوان عينيه في إشفاق من النهاية المرتقبة في كل حين وتساءل في نفسه عن قيمة الحياة وفائدتها إذا كانت ستؤول إلى الفناء...
    _ ((الفناء؟!!)).
    لكأنه يتذكر لأول مرة أن الفناء هو النهاية الحتمية لكل حيّ على هذه الأرض!!، وتذكر صفوان موقف عصام عندما أتلف له دفتر محاضراته، وكيف واجه إساءته بالحلم والتسامح، فأشرق هذا الموقف في نفسه، وأينعت بذوره الطيبة...
    وأصغى لضميره المنتفض الثائر وهو يلحّ عليه بحماس لأن يزرع نبتة خضراء في صحراء حياته المقفرة.. لأن يخطّ سطراً مضيئا في صفحة حياته القاتمة السوداء... لأن يضئ شمعة في ظلام عمره الحالك المدلهم بالخطايا والآثام... فتناول ملابسه كيفما اتفق وهرع إلى المستشفى ليرقب أحداث هذه المأساة الفظيعة التي قلبت كيانه من الداخل...
    واندلعت المخاوف في قلوب المنتظرين وهم يشعرون بالدقائق تزحف بطيئة رهيبة ثقيلة، وبسهام الأمل وهي تتكسَّر على صخرة اليأس والانتظار، وكلما انكسر سهم الأمل أو طاش تجرأ هاجس الموت فأبرز مخلباً من مخالبه الوحشية الحادة وانقضَّ على الأعصاب الخائفة المرتعدة ليعريها من كل صبر ويتركها فريسة للقلق المؤلم الممض تئن وتتلوى، وفجأة... تلقفت بعض الأسماع صرخة سامية فأيقنت بالكارثة، وخفقت قلوب أصحابها بشدة، واتجهت أنظارهم الكئيبة الذاهلة إلى الأم المسكينة في إِشفاق بالغ، إلا أن حركتهم هذه أثارت الشكوك في نفسها، فاشرأبت بعنقها نحو الباب في خوف وهلع، وأخذت ترقب الموقف بذعر شديد...
    وخرج الدكتور جهاد من غرفة العمليات مطرق الرأس، واجم الوجه، ساهم النظرات لا يكاد يدري ماذا يقول... فحاصرته النظرات القلقة المتوجسة بينما هرعت إليه الأم هلعة مذعورة وقد تحركت في أعماقها غريزة تتنبأ بالفاجعة، وهتفت من بين الدموع في لهفة وتوسل وانكسار:
    - دكتور.. طمنِّي.. كيف حاله الآن؟.. أخبرني أرجوك.. أتوسل إليك.. أقبّل رجليك.. قل لي كلمة واحدة تريحني.. قل إنه سيعيش.. أرجوك..
    حاول الدكتور جهاد أن يتكلم، لكن إرادته خانته فألجم الحزن والإشفاق لسانه، ووقف حائراً جامداً مكانه كتمثال، وقد لازمه الإطراق الحزين فأخفى وراءه دموعه الصامتة الغزيرة مما زاد في ذعر الأم وهلعها، فسألته وهي تعزه بعنف وقد طار صوابها:
    - ماذا جرى؟.. هل؟!.. هل؟!..
    وأراد الدكتور جهاد أن يدلي بالحقيقة المرة، لكن نظراته الدامعة الكئيبة كانت أسرع إلى إعلانها، وقال بصوت متهدج ونرات تقطر حسرة وحزناً:
    - تذرعي بالصبر يا أختاه.. إنا لله وإنا إليه راجعون...
    وانفجر في أعماق الأم بركان هائل من الألم فقذف بحمم اللوعة والحسرة والأسى في أغوارها المظلمة، فأحرقت كل معاني الحياة، وانساحت إلى قلبها المفطور فأحالته إلى جمرة ملتهبة من الحزن.. وأرسلت صرخة محمومة تتلظّى بالحرقة والالتياع وكأنها زفير النار التي استعرت في داخلها، فصرخت بنبرات وجعة متفجعة وهي تضغط على صدغيها بيدين متشنجتين:
    - عصام..
    ثم ولولت واندفعت تريد أن تقتحم الباب وهي تصرخ في صوت يتوهج بالحزن واللوعة والألم:
    - ابني.. حبيبي.. أروني إياه، أريد أن أراه.. لا تقولوا إنه مات.. إن مات فسألحق به.. فلا طعم للحياة دونه.. لا طعم للحياة بعده...
    وحاولت زوجة الدكتور إياد أن تحجزها لتهدئ من روعها، لكنها أفلتت منها وانطلقت لا تلوي على شئ وهي تنادي وتصيح:
    - عصام.. ولدي.. حبيبي.. أين هو يا ناس.. أريد أن أراه.. أريد أن أشمه.. أريد أن أضمه.. أريد أن أقبله.. لم تفرح بنجاحك يا ولدي.. لم تفرح بزواجك.. لا اعتراض على أمرك يا رب.. بالأمس زوجي واليوم ولدي...
    كانت كلمات الأم الملوعة تنفذ إلى القلوب المفجوعة وتنهال عليها بطعن عنيف أليم فتنزف بالحزن والحسرة والوجع حتى يفيض نزيفها من العيون دمعاً هتوناً يتدفق.. وأجهش الحاضرون وعلت صوت بعضهم، فضجت القاعة بالبكاء والنحيب... وهرعت سامية إلى حماتها المسكينة فارتمت في أحضانها وهي تبكي بمرارة وغمغمت في حرقة وأسى:
    - لقد تركنا دون وداع يا أماه...
    هتفت الأم في ضراعة وتوسل وهي تنتحب:
    - قوديني إليه يا ابنتي.. خذيني إليه.. أريد أن أراه.. أريد أن أراه...
    قالت سامية من بين الدموع وقد شعرت بواجبها في هذه اللحضات الدقيقة:
    - لا تحزني يا أماه فعصام في الجنة.. أجل في الجنة.. شاب بطهره وصفائه مكانه هناك... لا تحزني يا أماه فسوف يهبه ربنا خيراً مني.. سيزوجه من الحور العين.. من الحور العين يا أماه...
    وتعالى بكاؤهما ونحيبهما فصدع القلوب الجريحة، وأسرع الدكتور إياد، ففصل بين الاثنتين وقال للأم مواسياً وهو يقودها إلى ابنها الفقيد:
    - هوني عليك يا أختاه.. هذا قدر الله – سبحانه - ... تعالي فودعيه...
    وما إن وصلت الأم إلى جثمان ابنها الراحل حتى انكبت على جسده المسجى بالبكاء والعويل وراحت تلثم وجهه وجسده ويديه، وتغرقه بالقبلات والدموع، وأخذ الحزن منها كل مأخذ، فصرعتها اللوعة المريرة، وأغمي عليها فحملت إلى غرفة الإنعاش.
    ودخل الأصدقاء ليلقوا على صديقهم الراحل نظرة الوداع الأخير، فتقدم منه سعد في هدوء وحزن وتحسر، وكشف عن وجهه الغطاء في رهبة وما إن رأى الرأس المهشم المثخن بالجراح حتى نشج ببكاء مر أليم، ثم مال عليه في حب ولوعة وطبع على جبينه قبلة الوداع، ثم تنحى وهو يترنَّح من عمق الأسى ووقع المصاب فاستند بكتفه على الجدار وراح يتلو ((الفاتحة)) في صمتٍ دامعٍ حزين.
    ثم تقدم الأصدقاء مجهشين، فقبلوا صديقهم عصام في حب وأسف ووقفوا حول سريره محزونين محتسرين وهم يبكون... ودخل عرفان وهو يتكئ على كتف الدكتور أحمد الذي حمله ليرى جثة عصام بعد إلحاح شديد، وما إن وقع بصره على جسد لاصديق الفقيد حتى أسرع إليه وهو يعرج غير عابئ بجراحه وآلامه، وأكب عليه وهو يبكي وينادي في حرقة والتياع:
    - عصام.. لا تذهب يا صديقي فلا بهجة لنا بدونك.. سوف نحيا من بعدك كاليتامى الذين فقدوا أمهم وأباهم وأخاهم.. واحزناه.. واأسفاه.. أين الذكاء والنبوغ؟.. أين الأمل والطموح؟.. أين البسمة الراضية الودودة؟.. أين العزيمة الواثقة الجريئة؟.. أين الذكريات؟.. واحسرتاه...
    وفجّرت كلمة الذكريات جراح الأصدقاء، فانتفضت نازفة أليمة، فهم سيودعون مع عصام حياة جميلة عامرة بالذكريات الحبيبة السعيدة.. حياة رائعة فريدة.. سيفتقدون طعمها الحلو اللذيذ مهما امتدت بهم الأيام والسنون.
    وتعالى من خلفهم نحيب شديد فالتفتوا ليتعرَّفوا على صاحب الصوت الباكي، فأدهشهم أن يروا صفوان وقد غطى وجهه بكفيه وهو يجهش ببكاء شديد، فعجبوا لهذا التغير الذي طرأ عليه، وتأثَّروا أيّما تأثر، فغلت مراجل حزنهم وتأججت، وعلا نحيبهم من جديد...
    واشتدت عليهم وطأة الحزن والألم، فكابد الجميع لحضات قاسية رهيبة لا تنسى، وشعروا باللوعة المرة تعتصر قلوبهم وتضغط على أنفاسهم فتضطرب وتضيق، فانفلتوا من هذا الجو الكئيب لاهثين، ولجأوا إلى حديقة المستشفى ينشدون هواءً نقياً لم يلوثه الحزن بنفثاته السامة الخانقة، وما إن وصلوا إلى هناك حتى طرق سمعهم صوت سيارة إسعاف قادمة وهي تحمل مصاباً جديداً.. يصارع الموت ويتشبَّث بأهداب الحياة.
    * * *

    الفصل الحادي والعشرون
    نالت المحنة الرهيبة من الدكتور إياد، وشغلته عن عيادته ومرضاه، فتفرغ ليواجه همومه وأحزانه ويقوم بواجبه نحو الأم الملوعة المسكينة التي فقدت ابنها وفلذة كبدها وأملها الوحيد في الحياة، ويقف إلى جانب ابنته الحزينة وقد سلبتها المأساة الأليمة كل مشاعر الأمل والسعادة والفرح التي احتشدت في نفسها لتستقبل مناسبة زفافها إلى الفتى العظيم الذي تولعت به، فجاءت هذه المناسبة دامية كئيبة، مفعمة بالآلام...
    واليوم.. قرر الدكتور إياد أن يخرج من عزلته ليواجه الحياة من جديد، وقد تبخَّر منها أحد آماله الكبيرة تحت وهج المأساة الدامية، فمضى إلى عيادته بغير حماس، وراح يهبط في السلم بخطوات متثاقلة، ونفس مهمومة، وذهن مكدود.
    ولدى الباب توقف لحظة وقد تهيَّب الدخول.. فالعيادة مزروعة بطيف الفتى الفريد الذي أحبه من أعماقه، فمنحه أبوته، وشعر ببنوته، وحفّه بالرعاية الاهتمام، ووجه خطاه إلى مستقبله الواعد فما لبث العقل العبقري أن تلمَّس دربه في أناة، وانطلق في سلم المجد كالنسيم.. يحقق النجاح إثر النجاح.. وضغط الدكتور إياد على آلامه، فاقتحم تردده، وتخطّى عتبة الباب، فاستقبلته الممرضة بابتسامة مرحِّبة، وشت بالمواساة فألقى عليها تحية السلام...
    - وعليكم السلام.. خاتمة الأحزان – إن شاء الله - ...
    - بارك الله في عمرك يا ابنتي، وجنبك الرزايا والأحزان...
    - كيف والدته الآن؟.. منظرها الكئيب لا يفارقني...
    - هي بين الموت والحياة... بين العقل والجنون... تقتات الحزن والأسى، وتروي جراحها بالدموع، أحياناً تبدو شاردة ذاهلة ساهمة وكأنها تمثال من الشمع، وأحيانا تبدو كتلة لاهبة من الأحزان.. لقد هدّها المصاب، وانطفأ في قلبها الأمل، فلم يبقَ لها من الحياة إلا أنفاس وانية تتردد في جسم يسعى نحو الذبول...
    - كان الله في عونها.. والدكتورة سامية؟.. ما أخبارها؟...
    أجابها وهو يمضي إلى غرفته ساهماً حزيناً:
    - أخبار فتاة مسكينة فقدت فتاها عشية زفافها، واكتشفت إن سفينة أحلامها تمضي وسط بحر من الأحزان.
    - شئ مؤسف حقاً. يا لقسوة الأقدار!..
    قال الدكتور إياد وهو يتهالك على كرسيه في ملل وإرهاق:
    - لا.. لا تقولي هذا يا ابنتي، فالأقدار لا ذهب لها فيما حصل، وسواء كان قدرنا سعيداً أم حزيناً فإنما هو حلقة لا بد منها في سلسلة وجودنا الكبير، لو لم يمت عصام اليوم فسيموت غدا أو بعده، ولو لم يمت في حادث سيارة لمات بلا مقدمات توحي لنا بسبب الوفاة.. كلنا سنمضي يا ابنتي، فلنتأهب للرحيل.
    - بعد عمر طويل إن شاء الله..
    ابتسم الدكتور وهمس في شرود:
    - عمر طويل!!.. لكم نضحك على أنفسنا بهذه الكلمات، فالعمر مهما طال، فإنه لقصير.. نحن لم نخلق لهذه الأرض يا ابنتي، بل خلقنا لنمر بها على عجل في طريقنا إلى الحياة الحقيقية... حياة الآخرة، لكن إغراء الدنيا وجاذبيتها القوية تستهوي صغار العقول والنفوس، فيبنون على ظهرها الفاني صرح سعادتهم المزيفة، فيأتي الموت ليعصف به في لحضات، أما أصحاب النفوس الكبيرة والأفق الرحيب فلا يخدعهم وهم الحياة أو يغريهم طول المكوث فيقضون العمر بطوله كالمسافر الذي يمر بغابة ليست مقصده، فيستمتع بمائها وثمرها، ويصمد لوحوشها وذئابها، ويصبر على ظروفها وأشواكها ويتزود منا بما يعينه على متابعة الطريق، ثم يمضي إلى غايته وهو في شوق إلى الوصول...
    قال الممرضة وقد بان على وجهها التأثر :
    - رحمه الله... لقد أدرك عصام هذا، فتزوَّد بأعظم الزاد، ومضى إلى ربه مؤمناً عابداً تقياً... دكتور تبدو متعباً.. هل أحضر لك فنجاناً من الشاي؟
    - لا.. لا أشتهي شيئاً.. كيف تجري أمور العيادة؟
    - كما أمرت.. لقد حوَّلت المرضى الذين راجعونا إلى عيادة الدكتور ناجي وأرسلت إليه بملفاتهم الخاصة. هناك مجموعة من الرسائل التي وردت في غيابك، هل أحضرها لك؟
    - أحضريها لأراها...
    أحضرت الممرضة الرسائل فوضعتها أمام الدكتور إياد وانصرفت في هدوء، فألقى عليها نظرة تنطق بعدم الاكتراث، ثم تناول منها مغلفاً كبيراً كتب عليه ((صوت الجامعة- عدد خاص))، ففضَّ المغلف وأخرج العدد فطالعته صورة الغلاف وقد ظهر فيها عصام وهو يبتسم ابتسامة وادعة تفيض بالأمل والثقة والتفاؤل وقد كتب تحتها بخط أحمر فاقع ((من اغتال هذه الابتسامة؟)).. فرنا إلى صورة الفقيد بعينين دامعتين وقلب مكلوم، ثم أخذ يتصفَّح عناوين العدد في هدوء حزين.. ((كلية الطب تنعي علماً من أعلامها)).. ((الأمل الذي هوى)).. ((عصام.. لا تقل وداعاً، ولكن إلى اللقاء)). ((تأملات على ضفاف الموت)).. ((الدكتور إياد يتحدث عن مآثر الفقيد)).. ((الدكتور إياد يدعو إلى حملة وطنية لمكافحة حوادث الطرق))..
    وتوقف الدكتور إياد عند هذا العنوان، فقد تذكر أن مجلة ((المجتمع الجديد)) قد طلبت منه مقالاً حول هذه الدعوة وأبعادها العملية، فأرجأ قراءة العدد حتى يتسنّى له إعداد المقال، ثم ألقى على بقية الرسائل نظرة سريعة فألفى معظمها رسائل مجاملة وتعزية فأجل قراءتها دون أن ينتبه لأهمية إحداها، وتناول ورقة وقلماً وشرع بإعداد المقال..
    ((عزيزي القارئ:
    - إليك أخط هذه الكلمات المخلصة، بمداد من الدمع المدمّى..أخطها من قبل المأساة الدامية التي عشتها منذ أيام.. أخطها إليك بريشة الأسى، وأطياف الضحايا الذين دمرتهم المأساة إياها ترفرف حولي.. تهيب بي أن أفعل شيئا يوقف طوفان الدم الذي يغرض في كل يوم المزيد من القتلى والجرحى.. إليك عزيزي القارئ أبث هذه الكلمات راجياً منك أن تصغي، متوسلاً إليك أن تتفكَّر وتتأمل وتعتبر...
    في وطني أيها الإخوة والأخوات وحش مفترس.. وحش كاسر يقف كل يوم وسط الشارع، ويرابط عند مفارق الطرق، ويفغر فاه ليبتلع عددا من المواطنين الأعزاء... وحش رهيب اسمه السرعة المجنونة، وفي بلدي وباء... وباء جارف تنقله جرثومة مستعصية... جرثومة خطيرة باتت تستوطن في نفوس الكثيرين... جرثومة سامة اسمها الفوضى... اسمها اللامبالاة... اسمها الاستهانة بالنظام... اسمها الاستخفاف بالمنطق... اسمها عدم احترام الآخرين.. اسمها ((الأنا)).. ((فالأنا)) أصبحت تتحكم بعقولنا وأعصابنا وتسيطر على أعمالنا وتصرفاتنا، وأصبح لسان حال الواحد منا يقول : ((المهم ما أريده أنا.. المهم ما أفعله أنا، وليذهب العالم من حولي إلى الجحيم...)).
    ويستغرق وحش السرعة في طغيانه، ويزداد وباء ((الأنا)) انشاراً، فنقرأ كل يوم عن حادثة جديدة وكارثة جديدة ومأساة جديدة، وما إن تفتح ملفات التحقيق في هذه الحوادث المستمرة المتكررة حتى تتوجه أصابع الاتهام إلى السرعة والأنانية والفوضى، لكن أحداً لم يستطع حتى الآن قمع هذا الثالوث المجرم الذي يروع مجتمعنا...
    شئ واحد أيها السادة يمكن له أن يوقف هذه المأساة.. إنه التربية.. التربية الأخلاقية الحضارية التي تضبط تصرفات الإنسان وتزيد من شعور المواطن بالمسؤولية وتحيي عنده الضمير.. وعندما يصحو الضمير في أعماقنا، نتخلص من وحش السرعة الرهيب وينحسر الوباء...
    بالأمس أيها الأعزاء حدث حادث فضيع على طريق ((السلام)).. حادث مروع ذهب ضحيته شاب عظيم.. شاب..)).
    ويتذكر الدكتور إياد عصاماً فيرتعش القلم في يده وتجتاحه نوبة من الحزن وتتدفق في عينيه الدموع...
    وانتظر قليلا ريثما هدأ روعه ثم عاد ليتمَّ مقالته... وقبل أن يبدأ وقع بصره على رسالة معنونة باللغة الإنكليزية، فألقى القلم من يده وتناول الرسالة في عصبية، وفضَّها في ألم وأخذ يقرأ من بين الدموع:
    - (( عزيزي الدكتور إياد عزت المحترم:
    لقد اطلعت على كشف علامات الدكتور ((عصام السعيد)) وأعجبت بتفوقه ونبوغه أيما إعجاب، وبناءً على ذلك، وعلى ما حدّثتني به عن اهتمامه وتعمقه بأبحاث السرطان، فقد قررت أن أضمه إلى طاقم الأبحاث الذي يعمل معي في المركز ((الفدرالي)) للبحوث السرطانية، وقد اتفقنا هنا في إدارة المركز على تقديم منحة للدكتور عصام تسمح له بالاختصاص على حساب المركز شريط أن يعمل لصالحه مدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد حسب رغبة الدكتور عصام وذلك لقاء راتب شهري يتم تحديده بالاتفاق معه قبل توقيع عقد خاص ينص على بنود الاتفاق، أما بالنسبة للدكتورة سامية، فسوف يتسنَّى لها الاختصاص في نفس الجامعة التي سيتخصص فيها الدكتور عصام على أن يتم الاختصاص على نفقاتها الخاصة. ولعله من دواعي سرورنا جميعا أن تجتمع الطاقات العلمية في الشرق والغرب لإنقاذ البشرية من هذا المرض الرهيب. وفي الختام أرجو أن تقبل مني خالص الحب وفائق الاحترام، وأن تنقل تقديري وتشجيعي للدكتور عصام آملاً أن ألتقي به عما قريب للتعاون معا في إنجاز مهمتنا المقدسة)).
    المخلص ((فرانكلين جاكسون))
    رئيس الجمعية الأمريكة للسرطان
    * * *



    الفصل الثاني والعشرون
    كلما جلس سعد في حديقة بيته، اجتاحته الذكريات العاصفة، وازدحمت في خاطره المشاعر والصور، وهفت نفسه للبكاء...
    ففي ظلالها الوارفة كان آخر العهد بعصام، وبين أزهارها الفواحة توهجت النجوى بأعذب الآمال والأحلام، وفي جوها العبق الخلاّب عاش الصديق الحبيب آخر لحضات الحياة، ولو كان سعد يعلم أنها اللحضات الأخيرة، لأمتع ناظريه برؤياه، وأطرب أذنيه بنجواه، وأترع روحه من رحيق الحب الخالص الذي سما وتألق بين الصديقين، فمزج في نفسيهما وألّف بين قلبيهما ووحَّد منهما الآمال والآلام والدروب...
    وفي هذا المساء، كان سعد يشعر بسآمة وضيق، فخرج إلى الحديقة ينشد الراحة والسلوى، وأرسل نظراته المتأملة تجوب أرجاء الحديقة الغناء، فأحسها كئيبة لم تستطع فتنتها الطاغية أن تمحي مسحة الحزن التي لاحت في أشجارها وورودها وأزهارها، وهب النسيم العذب، فراح يهمس له بأحاديث الماضي وذكريات الماضي، فتراجع في خضم الأيام يرقب صورها الحافلة عصاماً وانطلاقته المؤمنة...
    واستغرقته الذكرى، فانتزعته من وعيه، وحملته إلى تلك الأيام الآفلة السعيدة، فحلَّقت روحه في سمائها الحبيبة تحاول أن تتشبث بلحظاتها الباهرة علَّها تطفئ لهيب الأحزان المتأججة في قلبه وتسكب روعة السلام، لكن وعيه القاسي سرعان ما جذبه إليه، فارتد خائباً محزناً يكابد الحسرة واللوعة.
    واضطرمت في أغواره الأحاسيس، فشاعت كآبتها في صدره تروم لها متنفسا لم تجد غير الدموع.. واشتد عليه وطأة الأحزان فهرع إلى القرآن، وجلس في حجرته يتلو آيات منه.. ينشد بين سطوره الكريمة راحة النفس وهدوء الروح.. يبحث عن حوافز قوية تدفعه قدماً إلى الله.. ويترنَّم بالحقائق الخالدة لتنبت في أعماقه وتزهر وتثمر...
    ومس سمعه صوت جرس الباب، فطوى المصحف في هدوء، ووضعه في جلال، ومضى يتبين الطارق.. وفتح الباب في شرود، ففوجئ بالزائر، وهمس في دهشة:
    - صفوان؟..
    - السلام عليكم.
    - وعليكم السلام...
    - أخشى أن لا يكون الوقت مناسباً للزيارة!
    - أبداً.. أبداً.. تفضل..
    وقادة سعد إلى حجرته، والتساؤلات الحائرة تنثال على خاطره.. ((صفوان؟!.. ما الذي جاء به؟!.. أيزورني؟!.. صفوان يزورني؟!.. ما أعجب النفوس!.. أي تحول طرأ عليه؟!.. أي سر يكمن في تصرفاته الأخيرة؟!..)).
    قال سعد مرحِّباً بعد أن استقر به المجلس:
    - أهلا بك يا أخي.. كم أنا سعيد بهذه الزيارة!!.
    تساءل صفوان وهو يبتسم في مرارة:
    - أخوك؟!.. أحقاً تعتبرني أخاك!!.
    - ( إنما المؤمنون إخوة ).
    - أولئك المؤمنون.. أما أنا..
    - أنت منهم بإذن الله.
    هتف صفوان في إنكار:
    - سعد.. لكأنك لا تعرف من أنا.. سأذكرك.. أنا صفوان.. صفوان المستهتر العابث.. صفوان المتكبر المغرور.. صفوان الفاسق الفاسد الذي لم يخطر بباله لون من الانحراف إلاّ مارسه.. هذا هو صفوان الذي تجامله الآن فتخلع عليه صفة الإيمان.
    ابتسم سعد في ثقة وقال:
    - أنا لا أجاملك، لو سألتني عن أعمالك السيئة لأدنت لك سوءها، لكن ذلك لا ينفي عنك صفة الإيمان.. لعلي أعرف الجانب القاتم في حياتك، لكني لم أعدم التفاؤل يوماً بالجانب المشرق منها.
    - أتؤمن بالإنسان ذي وجهين؟..
    - بل أؤمن بالإنسان ذي طاقتين متنافستين.. طاقة للخير، وأخرى للشر.. إذا ما نمت إحداها ضمرت الأخرى، ولكنها لا تموت، بل تبقى كامنة متحفزة تنتظر من الأولى لحظة ضعف أو تراجع لتنطلق من جديد، والإرادة هي العنصر المرجّح لكفة هذا الصراع القديم داخل الإنسان.
    همس صفوان بلهجة تفيض بالحسرة والندم وقد اغرورقت عيناه بالدموع:
    - فكرت في أيامي السالفة فلم أجد فيها عملاً يرضي الله!!.
    - ليس المهم ما كان، المهم ما سيكون.
    - لكن ما كان كثير.. كثير..
    - رحمة الله وسعت كل شئ.
    - وما الطريق إليها؟
    - أراك قد خطوت فيه خطوات...
    - لا أفهمك؟
    قال سعد وابتسامته الهادئة لا تزايله:
    - الشعور بالذنب والندم عليه نصف الطريق إلى الله.
    - والنصف الآخر؟
    - أن تعمل بما يرضي الله..
    - وكيف أرضي الله؟
    - بأن يجدك حيث أمرك، ويفتقدك حيث نهاك.
    تساءل صفوان في لهفة:
    - ويغفر الله لي كل ما سلف؟؟
    - ويبدَّل سيئاتك حسنات إلاَّ..
    - إلاَّ ماذا؟!!
    - إلاًّ ما كان منها في حق الآخرين، فلا يغفرها حتى يصفح عنها الآخرون.
    - الآخرون؟!..
    - ((منى)) مثلا!..
    - آه... ((منى)) .. المسكينة... ضحكت عليها... أوقعتها في شباكي، وحققت منها مآربي، ثم ركلتها بعيداً، ومرغت سمعتها بالتراب.. ولكن كيف السبيل إلى مغفرتها؟
    - بأن تمسح جراحها، أن تتزوجها لتعيد لها كرامتها واعتبارها ثم تشدها معك إلى دائرة التوبة والإيمان والعمل، وأنا أعدك بأني سأبذل كل ما في وسعي لأجمع بين قلبين تائبين فرق بينهما الشيطان.
    قال صفوان ودموع التوبة تبلَّل وجهه الحزين:
    - إني أعاهد الله أمامك أن أسعى لإنصافها مني ورضائها عني.. سأتخذها زوجة كريمة.. سأنسيها كل خديعة أو إساءة. وسأفرش دروبها بالسعادة والسرور...
    وصمت صفوان وقد ألمَّت به ذكرى دامعة، ثم تساءل في حزن وأسف:
    - وعصام؟
    - عصام!
    - لقد أسأت إليه كثيراً...
    - رحمه الله... مند دقائق فقط كنت أكابد ذكراه...
    - لقد هزني موته من الأعماق، وعلى أعتاب موته سألت نفسي.. من هو عصام؟.. إنه أنا وأنت وهو وهي.. إنه الإنسان وهو يحلم ويطمح ويبني قصور الأماني على أرض الفناء، ثم يمضي دونا وكأنها لا تعنيه، وكأنه لم يتعب ويعرق ويشقى من أجلها، وفكرت فيما بعد الموت فأشفقت من النهاية وخفت من سوء المصير فلجأت إلى الله.. أطرق أبوابه في ذلة وندم.. أطلب الصفح والغفران.. أنشد التطهر.. أغسل الذنوب بالدموع.. أبحث عن هدوء النفس وراحة الضمير، ولهذا جئت إليك...
    - أهلاً بك يا أخي في صفوف التائبين الصادقين.. كلنا يخطئ ويكبو.. من منا لا يخطئ؟.. المهم أن لا نصر على الخطأ.. أن لا نكابر.. أن لا ننتحل له المبررات والمعاذير، والتائب حبيب الرحمن...
    - لم تقل لي كيف السبيل إلى صفح عصام وقد مضى إلى ربه؟
    تنهد سعد وقال:
    - اطمئن.. قد تحتاج لصفح الآخرين إلاًّ عصاماً.. فما كان الحقد ليجد طريقاً إلى نفسه.. لقد كانت الإساءات – مهما عظمت – تضيع في خضم قلبه الكبير، وتتلاشى... إنسان يحمل على كاهله هموم الناس وآلامهم لن يجد في قلبه متَّسعاً ليكره أحداً.
    - رحمه الله.. سمعت عن آماله الكبيرة فهزئت منها.. لقد كان فيما مضى هدفاً لسخريتي، واليوم أمسى مثلاً وضيئاً أتلمس خطاه.
    قال سعد في شرود حزين:
    - رحمه الله.. نسجنا الأحلام معاً، وهندسنا المطامح، ورسمنا الدروب.. ليلة الحادث كان عندي.. كنا نخطط لمشاريع المستقبل.. كان شعلة من الاندفاع والحماس.. اتفقنا على إنشاء صندوق لمكافحة السرطان ليكون في المستقبل رافداً قويا لكل المشاريع والمؤسسات التي تساهم في القضاء على هذا المرض الفتَّاك.. حلمنا بإنشاء جمعية وطنية لمكافحة السرطان، ومركزاً لأبحاث السرطان، ومستشفى لمعالجة السرطان و.. وفجأة.. اختفى رائد كل هاتيك الطموحات.. لقد كان خسارة فادحة لا تعوَّض.
    هتف صفوان في حماس:
    - سعد.. بودّي لو أقدِّم شيئاً.. إني مدين لعصام بصحوتي هذه وقد حقَّ الوفاء.. سوف أسعى لتحقيق كل آماله.. أنا أملك المال وأنت تملك الفكرة والطموح.. فلنكن يداً واحدة.. نحن وبقية الأصدقاء.. سننشئ الصندوق الذي كان يحلم به عصام.. وسنسعى لإنشاء الجمعية.. ومركز الأبحاث.. والمستشفى.. أجل... لا يوجد شئ مستحيل.. بودي لو أفعل شيئا يا سعد.. شيئاً عظيماً أكفر به عن ذنوبي، وأخدم به ديني وأمتي ووطني...
    كان سعد يصغي إلى صفوان في سرور عارم وقد تألقت على ثغره ابتسامة حب وإعجاب، ولمعت في عينيه فرحة طاغية، وأحس بروح عصام وهي تخفق من جديد.



    يرجو الكاتب قراءه الأعزاء أن يوافوه
    بملاحظاتهم وآرائهم في هذا العمل على
    صندوق البريد (184189) عمان – الأردن

    تمت في صيف 1984 م


     


  2. 28-Nov-2008 12:38 AM

    رد: دموع على سفوح المجد...روايه اجتماعيه ..رومانسيه


  3. 28-Nov-2008 01:10 AM

    رد: دموع على سفوح المجد...روايه اجتماعيه ..رومانسيه

    الله يسلمك...يالغلا
    مشكورة..ع المرور

  4. 20-Mar-2010 02:20 PM

    رد: دموع على سفوح المجد...روايه اجتماعيه ..رومانسيه

    تسلمى نبض الوفاء على جمال الروايه
    وتسلمى على مجهودك والاسلوب فى نقل احداثها
    اشكرك

  5. 21-Mar-2010 03:14 AM

    رد: دموع على سفوح المجد...روايه اجتماعيه ..رومانسيه

    يعطيك العافيه وكل الشكر والتقدير لك..


  6. 24-Mar-2010 07:55 PM

    رد: دموع على سفوح المجد...روايه اجتماعيه ..رومانسيه

    مشكورة اخذت
    يومان كــــــاملات
    بس مشان
    اقرأ الرواية

  7. 16-Apr-2010 09:47 AM

    رد: دموع على سفوح المجد...روايه اجتماعيه ..رومانسيه

    نبض الوفاء جزاكي الله خيرا

    على الموضوع القيم والمميز جدا


 
صفحة 1 من 2 12 الأخيرةالأخيرة

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •