النتائج 1 إلى 2 من 2

الموضوع: مفهوم ما بعد الحداثة ما بعد البنيوية

ما بعد الحداثة ما بعد البنيوية: كل التأويلات ضالّة والمفاهيم محض مجازات مصقولة مفهوم ما بعد الحداثة (msinredomtsoP) هو من المفاهيم الجديدة نسبياً، ومثله مثل العديد

  1. 30-Jan-2008 04:19 AM

    Post مفهوم ما بعد الحداثة ما بعد البنيوية

     

     

     

     

    ما بعد الحداثة ما بعد البنيوية:
    كل التأويلات ضالّة والمفاهيم محض مجازات مصقولة





    مفهوم ما بعد الحداثة (msinredomtsoP) هو من المفاهيم الجديدة نسبياً، ومثله مثل العديد من المفاهيم الأخرى غير الصلبة، أو غير المقيدة بلغة "إيهاب حسن"، كالحداثة والبنيوية والرومانسية والتفكيكية وما بعد البنيوية، فإنه يعاني عدم استقرار دلالي في الحمولات والمركبات، ويمتلك قابلية للتغيير وسوء الفهم. في هذا المجال يرى "تيري إيغلتون" في كتابه "أوهام ما بعد الحداثة" أن ما بعد الحداثة كمصطلح، يرتبط بنمط من الفكر يتخذ موقفاً متشككاً تجاه مفاهيم وقيم عصر الأنوار (tnemnethgilnE) تلك التي تخص الحقيقة والعقل والهوية والتقدم والتحرر والسرديات أو الحكايات الكبرى )sevitarranateM(.. إلخ.
    وقد اقترن هذا المفهوم بمفهوم آخر يرتبط به ارتباطاً وثيقاً هو ما بعد الحداثي )tsinredomtsoP(، لكن المفهوم الأول يستخدم للاشارة إلى مرحلة تاريخية معينة من تطور الغرب التاريخي نحو عالم من التكنولوجيا والنزعة الاستهلاكية وصناعة الثقافة والمعلومات والصور، في حين يستخدم المفهوم الثاني للاشارة إلى شكل من أشكال الثقافة المعاصرة، مع أن أغلب الدراسات الراهنة في هذا الصدد لا تميل إلى أو لا تراعي هذا التميير بين المفهومين، وتتناولهما بوصفهما شيئاً واحداً، وسنقتصر في دراستنا لاتجاهات ما بعد الحداثة على النقد الموجه لتيار ما بعد البنيوية وخطابها الأدبي ممثلاً بأبرز رموزها، مع العلم أن اتجاهات ما بعد الحداثة تشمل طيفاً واسعاً في الفكر والخطاب لا تتماثل ولا تطابق أطروحاته ورموزه.
    حمولات المفهوم

    > إذن، ارتبط مفهوم ما بعد الحداثة ارتباطاً وثيقاً بمرحلة تاريخية معينة، إذ نتج عن تحوّل تاريخي في النظام الرأسمالي نحو شكل جديد من أشكال العبور نحو امبراطورية جديدة، نحو عالم تتدفق فيه المعلومات والسلع والبشر، عالم من التكنولوجيا والنزعة الاستهلاكية وصناعة الثقافة، عالم سريع التبدل والزوال، انتصرت فيه صناعات المعلومات والإعلام والخدمات والمال والصور على المصنع التقليدي.
    ويشير المفهوم إلى شكل من أشكال الثقافة المعاصرة، يتحدد بنمط في الفكر يبدي ارتياباً وتشككاً بالأفكار والمفاهيم والتصورات التقليدية مثل: الحقيقة والعقل والهوية والتقدم والانعتاق والخلاص الكوني والسرديات الكبرى... إلخ.
    وتنظر أفكار ما بعد الحداثة إلى العالم بوصفه طارئاً عرضياً، بعيداً عن الثبات والقطعية والحتمية، فهو متباين وبلا أساس، كونه مكوناً من مجموعة من الثقافات أو التأويلات الاختلافية التي تنظر بارتياب تجاه موضوعية الحقيقة والتاريخ والمعايير والطبائع المتعينة والهويات الثابتة.
    أما في المجال الفني فإن ما بعد الحداثة، تتجلى في فن بلا عمق ولا مركز ولا أساس، فن استبطاني متأمل لذاته، ولعوب وانتقائي واشتقاقي وتعددي، يُلغي الحدود بين الثقافة "الرفيعة" والثقافة "الشعبية"، كما يُلغي الحدود بين الفن والحياة اليومية.
    عالم ما بعد الحداثة

    > في عالم ما بعد الحداثة، لم يعد الكلام فيه عن "الوعي" أمراً مثيراً، حيث يبدو ـ بعكس ما كان يراه هيغل ـ أن كل ما هو واقعي ليس عقلانياً، وكل ما هو عقلاني ليس واقعياً، لذا فنحن بحاجة لتعليل ما إذا كان باستطاعتنا معرفة العالم، خصوصاً بعد إفلاس بعض السرديات الكبرى، والنماذج الابستمولوجية الكلاسيكية. وعليه فإن العالم يبنيه الخطاب وليس العقل، ليتحوّل كل شيء إلى تأويل، لكن حين يلقى الخطاب كل هذا القبول فإننا يمكن أن نعتبره ضرباً من البداهة القبْلية المتميزة، شأنه في ذلك شأن الميتافيزيقيا، فلا يعود في مقدورنا أن ننفذ إليه أو نكشف سره إلا بقدر ما نستطيع أن نخرج من جلودنا، أو بالأحرى من عقولنا.
    أما الذات ما بعد الحداثية فإنها ذات يشكّل جسدها جزءاً لا يتجزأ من هويتها، لذلك نشأت الجسمانيات الحديثة على خلفية تحوّل الجسد بوصفه ذاتاً (ميرلوبونتي) إلى الجسد بوصفه موضوعاً (فوكو). غير أن ما يميّز الجسد البشري ليس قدرته على تغيير ذاته في سيرورة تغيير الأجساد المحيطة به، كونه قادراً على أن يصنع شيئاً مما يصنعه، ونموذجه هو تلك العلامة الأخرى على انسانيتنا، أي اللغة، ذلك المعطى الذي يولد تحررنا من سجن حواسنا، وبواسطتها نحمل معنا العالم من حولنا، فنحن كائنات ثقافية بفضل طبيعتنا، أي بفضل ضروب أجسادنا التي نملكها ونوع العالم الذي تنتمي إليه أجسادنا. لكن ما بعد الحداثة تدفع الموقف الجماعي باتجاه ثقافوية غير متوازنة، وباتجاه نسبية أخلاقية وعداء للكليات، وتقدم ذاتاً تحلم بفكفكة الآخرين المستقلين حتى وإن كان ثمن ذلك انحلالاً موافقاً يعتري هذه الذات التي تواجههم، متحولين مجرد متلقين فارغين للرغبة، وهذا ينطوي على منظور للتمركز على الذات تماماً كما هي الحال لدى الذات "الانسانوية" المشينة. بذلك يمكن اعتبار ما بعد الحداثة ضرباً من ضروب ايديولوجيا حقبة تاريخية محددة، شهدت عبور العالم إلى امبراطورية جديدة، لها أوهامها وخطابها الساعي إلى الهيمنة والسيطرة.
    تيار البراغماتية النصية

    > وبالنظر إلى الخلفيات المعرفية والفلسفية التي تنهض وراء مقولات ونظريات عدد من ممثلي تيار ما بعد الحداثة، من خلال مناقشة التصورات والآراء التي يسوقها أبرز ممثلي هذا التيار، خصوصاً، جان بودريار وفرنسواليوتار وريتشارد روتي، يظهر جلياً أن خطاب ما بعد الحداثة يمثل مرحلة ما بعد العبور إلى نظام عالمي جديد، وعلى الباحث الكشف عن مواطن القوة وتراتبيتها المتوقعة والمتحققة في ثنايا الخطاب الحامل لهذا النظام، من خلال تحليل نقدي هادئ وفاحص لأعمال هؤلاء المفكرين والفلاسفة.
    ويتطلب الأمر مراجعة نقدية شاملة لمجمل الخط الفكري الذي اكتشف لحظته البدئية سوسور ثم استمر مع مدارس متنوعة من التيار ما بعد البنيوي الراهن، أو ما يسميه كريستوفر نوريس في كتابه (نظرية لا نقدية) تيار البراغماتية النصية الجديد. وفي سياق ذلك يطرح السؤال عن البدائل والتصورات، التي تستند إلى عقلانية نقدية ومتفتحة، تشمل علاقة اللغة بالواقع والخطاب بالايديولوجيا، وعلاقة الأخيرة بالحقيقة، إضافة إلى بناء جديد للنص، أي نص، وربطه بسياقاته المتعددة والمختلفة.
    ما فوق الواقعي

    > كتب جان بودريار مقالة في جريدة "الغارديان" قبل أيام من اندلاع حرب الخليج، التي شنها التحالف الدولي بقيادة أمريكا ضد العراق عام 1991م، صوّر فيها الحرب بأنها مجرد شيء ملفق أفرزه زيف وسائل الإعلام العامة وخطاب ألعاب الحرب أو السيناريوات المتخيلة التي فاقت كل حدود العالم الواقعي أو الاحتمال الحقيقي، وعليه فإن الحرب لن تقع أبداً، وأضحت مستحيلة إلا بوصفها تمثيلية واهية يتوقف نجاحها على مدى القدرة على إدارة وتكييف ما يدعى "الرأي العام"، الذي لن يكون سوى ردة فعل انعكاسية على خطاب وصور التغطية الإعلامية التي تخلق وهم المساندة للحرب بالاجماع، حيث تقدم بشكل مسبق كل الأجوبة والمواقف الصحيحة.
    إذن، الحرب لن تقع، لأن الحديث عن الحرب صار بديلاً من واقع الحرب ذاتها أو لحظة اندلاعها. وببساطة أكبر، كما يقول "نوريس": لقد فقدنا حس التمييز، أو نقطة الاختلاف، بين حرب الكلمات، الوهم الذي أفرزته (افتراضاً) وسائل الإعلام بهدف تهيئتنا "للشيء الحقيقي"، وبين الشيء ذاته الذي لن يحدث إلا في مخيلة مشاهدي التلفزيون المبهورين الذين كانوا قد قصفوا بكل أنواع صور وألعاب الفيديو التي غطت شاشاتهم أثناء الحملة المسعورة لحشد القوات قبيل الحرب. هكذا يقع بودريار حسب تعبير نوريس في عنق الحدث، الحدث الذي لن يحدث، كما يرى هو، وإن حدث ووقعت الحرب، فلن يتمكن أحد من التكهن في دقة أن ما يراه أو يسمعه أو يقرأه ليس سوى تمثيل زائف ومتخيل لما هو حقيقي، ساهمت في صياغته ونسجه آلية الدعاية والأساليب المختلفة للتضليل الإعلامي.
    هذا لا ينطبق على ملايين مشاهدي التلفزيون، إنما على مَنْ هم في مركز القوة والذين نتوهم أنهم على دراية بأمور تظل طي الكتمان على الغالبية العظمى من البشر، فهم أشبه بأسرى نظام يعتقدون أنهم يتحكمون بوظائفه، لكنه في حقيقة الأمر يغذيهم بصور زائفة وأخبار سريعة معدة مسبقاً. وتزود هؤلاء مصادر المعلومات الموثوقة كوكالة NNC بالكثير من "الحقائق" المفصلية عما يجري على أرض المعركة، بعد أن يخضع كل ما يصل شاشاتها لرقابة أمنية وتقنية ميدانية مباشرة، وستؤثر كل القرارات المصاغة ليس فقط على الرأي العام بل وعلى سلوك وأداء واسترايتيجة الحرب. ويرى "نوريس" أننا دخلنا مرحلة من اللامبالاة الانتقالية يكون فيها الدخول إلى الحرب بمثابة نوع من اللا حدث، أو أن حدوثه لن يُعرف، ما دمنا فقدنا كل وسائل التمييز بين "الواقع" ونظائره المتخيلة، وهكذا فإن حرباً كحرب الخليج، هي حرب آمنة، حرب دون أعراض، لأنها "غير حقيقية".
    رفض التمثيل

    > يقبض نوريس في نقده هذا على فكرة رفض التمثيل، التي ترتكز عليها بعض اتجاهات ما بعد الحداثة، منطلقة من وجهة نظر رافضة للحداثة ومنجزاتها، فحادثة الحرب لا تمثل واقعة الحرب، بل انها امتياز إعلامي محض، أنتجته تكنولوجيا ألعاب "حروب الفيديو"، مستخدمة سيناريو "ما فوق واقعي" تقوم فيه الحقيقة على مفردات خطابية وأدائية محضة، وسواها سيظل محايثاً لأنطولوجيا واقعية رهينة بعض تنويعات الثنائيات: الحقيقي/ الزائف أو الحقيقة/ الخيال. وبما أن "بودريار يعتبر الحرب مجرد كلمة، دلالة عائمة، فارغة من أية حمولات دلالية، لذلك لن تكون هناك حرب حقيقية بدون إعلان، لأن الاعلان يعبّر عن لحظة العبور من الكلمة إلى الفعل، وفي ظل غياب اعلان علني كهذا، فنحن لا نستطيع معرفة ما إذا كانت الحرب قد نشبت فعلاً، أو ما إذا كنا نشهد التمثيل الزائف والمستمر لكرنال ألعاب الحرب.
    لكن حرب الخليج وقعت فعلاً كحقيقة لا غبار عليها، ولن تصنف في مخيلة بودريار إلا كمثال عن الواقع "ما فوق الواقعي" في فكر ما بعد الحداثة، وبالتالي علينا أن نروّض أنفسنا للعيش في عالم ما بعد حداثوي تتفشى فيه ألعاب اللغة، والدول التي تفتقد مدلولاتها، والأوهام التي لا يمكن تمييزها كأوهام. في وضع كهذا تبدو حرب الخليج حدثاً يجب أن ينظر إليه كفنتازيا أفرزتها وسائل الإعلام، وأنتجتها تقنيات مختلفة ساهمت في خلق وهم الحوار الجماهيري، أي أنها حرب ما بعد حداثوية، تقوم على "القصف الذي لا يخطئ" و"دقة الرمي"، وذات "مهمة تطهير ناعمة" و"غارات استئصالية"، ويترافق كل ذلك مع نوع من فقدان الذاكرة التاريخية واسع النطاق بين أحداث الماضي وأحداث الحاضر.
    القراءة الخاطئة

    > التشويش الرئيس في فكر بودريار، حسبما يعتقد نوريس يكمن في نزعته التي تساوي ما بين ما هو "صالح عن طريق الاعتقاد" وبين الحدود التي يمكن أن تكتنه عبر موقف نقدي باحث عن الحقيقة، وهذا يتماشى مع نموذج من نظرية المعرفة البراغماتية المرتكزة على فكرة الاجماع، تلك التي تفترض أن "الحقيقة" في أي ظرف معطى لا يمكن أن تكون سوى مجموعة قيم ومعتقدات حدث وشاعت بين أعضاء "مجتمع تأويلي" معين. وقد لاقت مثل هذه الأفكار صدى واسعاً لدى فلاسفة "ما بعد التحليل" من أمثال ريتشارد روتي وبين بعض نقاد الأدب مثل ستانلي فيش وغيره.
    وقد سعت ما بعد البنيوية إلى تشجيع فكرة أن الواقع هو محض ظاهرة خطابية، بوصفه نتاج شيفرات متعددة، قوانين وألعاب لغوية أو أنظمة إشارية هي وحدها قادرة على تزويدنا بسبل تأويل التجربة من منظور سياسي ـ ثقافي معين. ودُعمت هذه النظرة المضادة للمعنى بتحليلات فوكو النتشوية لسيرورات المعرفة/ القوة، وبالتاريخانية الجديدة التي لا تمانع من الحديث عن التاريخ كميدان مفعّل لمجموعة خطابات ايديولوجية محتدمة، إضافة إلى القراءات الخاطئة لـ"دريدا": وخصوصاً مقولته "لا شيء يقع خارج النص".
    غير أن تفكيكية ديريدا ليست، كما يحاول خصومها تصويرها، خطاباً لا حاجة إليه لضرورات الدلالة والمشروعية أو الحقيقة، فهي تستهجن بشدة مدرسة "كل شيء يصلح" المنتمية إلى هيرمونتيكية فكر ما بعد الحداثة، وتحافظ على نبض النقد التنويري في الوقت الذي تخضع كل تقليد لإعادة سبر جذرية تجتاح مختلف منظوماته ومفاهيمه المؤسسة. ولا ينظر دريدا إلى كل من العقل والحقيقة، على طريقة بودريار، بوصفها قيماً أجهز عليها زحف الواقع "ما فوق الواقعي" لفكر ما بعد الحداثة. وحين يقوم بتفكيك أفكار شائعة أو ساذجة حول كيفية ارتباط اللغة بالواقع لا يعني ذلك أن تفترض أن اللغة فسحة من اللعب الحر المفتوح لكل النصوص ولدوال فارغة من أي محتوى دلالي، وتكمن النقطة الأصلية لكتابات دريدا في إثارة قضايا المسؤولية الأخلاقية بالتحايث مع الأسئلة الابستمولوجية التي طُمست عبر الارتكاس المباشر إلى مقولات الدلالة والنوايا وسلطة النص والقراءة الصحيحة ومعصومية المؤلف وسواها.
    إذن، دريدا لا يقع في فخ تيار ما بعد الحداثة الذي يعلن بنشوة نهاية الواقع والحقيقة وذهنية التنوير، وقد ظهر ذلك بجلاء في ردوده على هابرماز وسيرل وغيرهما. لذلك من الصعب التعامل مع التكفيكية وكأنها جزء من تيار ما بعد الحداثة أو بوصفها فكراً مضاداً للتنوير.
    وقد حذّر دريدا مراراً من أن تؤخذ ممارساته التفكيكية كمقياس أو معيار يحتذى به. لكن ذلك لم يمنعه من اتخاذ موقف مضاد عندما يلجأ خصومه إلى طائفة من التعميمات التفكيكية المزيفة بدلاً من تناول أفكاره ذاتها، وقد استند كل من هابرماز وسيرل إلى الاعتقاد الشائع، الذي كرسه فلاسفة ما بعد التحليل، الذي يفيد أن التفكيكية تكتسب أهميتها بمقدار ما تحدث قطيعة مع القيم القديمة للحقيقة والعقل وذهنية التنوير التشكيكية.
    وعندما نخضع التيار البراغماتي الما بعد حداثوي الذي ألحقت به نصوص دريدا لنفس السبر التحليلي الذي مارسه دريدا نفسه على كتابات الفلاسفة بدءاً من أفلاطون وصولاً إلى كانط وهيغل وهوسرل وأوستن، فإن أطروحات هذا التيار وشعاراته ستتحول إلى هراء، كمقولات مثل: كل قراءة هي إساءة قراءة، كل التأويلات تأويلات ضالة، المفاهيم محض استعارات مصقولة... إلخ، والأسوأ من ذلك هو الافتراض الذي يعتبر أن كل نص يمكن أن يختزن بؤراً سردية أو حكائية معينة، قد أدى ذلك إلى تعميم استحالة التفريق ما بين الكتابة الواقعية، التاريخية أو السردية من جهة، وبين النصوص الخيالية أو المتخيلة من جهة أخرى.


    ما يمكن استخلاصه أن بودريار يمثل النموذج الراديكالي للنزعة التي تجلت بوضوح في الفكر التاريخاني أو البراغماتي الجديد، ما بعد البنيوي، مثلما تجلت في سيرورات فوكو النيتشوية حول ازدواجية القوة/ المعرفة، حيث تقوم هذه النزعة على اعتبار أن كل حقل من حقول المعرفة يجب أن يدرس وفق المعايير النصية أو الخطابية. وكانت النتيجة كما يلاحظ توني بينيت، إعادة تعريف التاريخ ضمن شروط نصية، واعتباره حقلاً لعمليات خطابية صرفة، بل دلالة مفهومية ندرك كنهها فقط من خلال فك الشيفرات الأبدية أو من خلال إعادة الكشف السردية. ويعزو نوريس العجز الواضح لكل ما يمرر باسم النظرية النقدية، والمتمثل باتخاذ موقف معارض تجاه قضايا السياسة المحلية أو العالمية، إلى القبول اللانقدي لمقولات "سوسور" الأساسية، والتركيز بشكل خاص على الوظائف الدلالية والتعامل مع اللغة كشبكة من العناصر الاختلافية فقط، ونقل هذه المفاهيم من حقل اللغويات البنيوية ـ النسقية إلى حقول أخرى كالنظرية الأدبية والنقد الثقافي والتاريخي وغيرها، ويرافق هذه النظرة التناصية جهل بالتطورات في الفلسفة التحليلية واللغوية الحديثة.
    التفكيكية وما بعد الحداثة

    > يبدو أنه من الخطأ الظن أن النصية تذهب إلى أبعد حدودها الممكنة، أو أننا لا نستطيع معرفة أي شيء إلا باستثناء ما يعطى لنا بشكل تمثيل نصي (مكتوب)، إن ذلك يمثل سوء فهم كبيراً لـ"دريدا"، رغم أن أعمال الأخير تغوي بذلك، إذ أن المتتبع لقراءة ضالة كهذه يمكن استنتاج ذلك، من خلال نكوصها الى مصطلحات كتابية مثل "الكتابة" و"الأثر" وغيرها، التي تؤكد المعطى الثقافي للفكر والادراك، وغياب المعرفة المباشرة للعالم، لكن ذلك لا يعني أن دريدا يمثل نموذجاً معيناً للنرجسي الميتافيزيقي، أو أن التفكيكية خطاب يمجد "اللعب الحر" اللامتناهي لكتابة منقطعة تماماً عن الاكراهات المنغصة للحقيقة والدلالة، بل على العكس من ذلك يعتبر نوريس أن ما يعطي التفكيكية زخمها النقدي المتفوق هو تناولها لقضايا: الابستمولوجيا والأخلاق والحكم الجمالي. مثل هذه الأقانيم احتلت الأرضية المركزية للبحث الفلسفي الذي يمتد، على الأقل، من كانط إلى مدارس الفكر التحليلي المختلفة في أيامنا هذه. صحيح أن التفكيكية تقوم بإخضاع قيم الفكر التنويري الساعي وراء الحقيقة لعملية مساءلة تتجاوز بكثير الحدود الشرطية التي أرساها كانط لممارسة العقل ضمن أطره الصافية، كما أنها تتضمن بوضوح تطبيق استراتيجيات نصية وخطابية للقراءة تقلل من أهمية أية إحالة واثقة على تلك المنظومات الكانطية، لكن ذلك لا يعطي "روتي المبرر لأن يعتبر أن ثمة جانباً "سيئاً" من "دريدا" يتجلى في تعامله مع الأفكار الكانطية أو "البناءة" للحقيقة، للمشروعية، والرصانة السجالية وسواها، وجانب "جيد" يمكن أن يُنظر من خلاله إلى كتاباته بوصفها مغامرة كشفية لامعة، أو مجموعة من الدعابات، والاحالات النصية، والفواصل الفنتازية، والمحاكاة التهكمية الأسلوبية، والحوارات الفلسفية الزائفة... إلخ، ويستشهد نوريس بكتابات دريدا كي يدحض مثل هذه القراءة الخاطئة لدريدا، إذ يوضح أن دريدا وبعيداً عن التنكر للمشروع التنويري بمرجعياته النقدية والابستمولوجية والأخلاقية، حاول أن "يعيد كتابة" هذه المعايير ضمن سياقات الحوار الاجتماعي - السياسي حيث تحافظ الفلسفة على التزامها بالنقد العقلاني والمسؤول لكل النماذج القائمة التي أفرتها ثنائية القوة/ المعرفة المؤسساتية. وقد عمل دريدا على جعل الصيغ المتداولة لفكر عصر التنوير أكثر إشكالية، بدءاً من "كانط" نزولاً حتى هابرماز، ومن المفيد تأكيد الاختلاف الجوهري بين تفكيكية دريدا وبين نماذج الفكر النصي ما بعد الحداثوي التي تهدف، كما هي الحال مع بودريار، إلى رمي جل الارث التنويري النقدي جانباً.
    التفكيكية ليست مجرد حقيبة بلاغية من الخدع، وتكنيكاً لإلغاء حدود الجنس بين الفلسفة والأدب، كما يزعم هابرماز، بل على العكس، يقول دريدا في أحد أحاديثه: "في كتاباتي لم تدمر أو تتحد أبداً قيمة الحقيقة وكل القيم المرتبطة معها، ولكن فقط أعيد توظيفها ضمن سياقات أقوى وأرحب وأغنى". وتتعامل التفكيكية مع قيم النقد التنويري وكأنها مفتوحة للتساؤل، أي بوصفها لا ترقى إلى منزلة الحقائق المطلقة الميتافيزيقية، وبالتالي فهي لا تؤسس بشكل مطلق قطيعة مع خطاب النقد التنويري، وليست عرضاً من أعراض المحنة ما بعد الحداثوية الراهنة، وذلك بسبب فشلها في الحفاظ على رباط ما يدعوه هابرماز: "المشروع غير المكتمل للحداثة"، لأن مساءلة مفاهيم هذا المشروع وقيمه الجوهرية لا تناقض الضرورات النقدية ذاتها للمشروع.
    من جهة أخرى فإن التفكيكية لا علاقة لها بتلك النماذج من الفكر المتطرف المضاد للمعرفة، والذي يدعي بخطأ كل الفروقات بين الحقيقة والزيف، العقل والبلاغة، الحقيقة والخيال... إلخ، لذلك فهي ليست نوعاً من اللعب اللفظي المصقول والمصعّد الهادف إلى تكريس لا معرفية العالم خارج حدود التمثيل النصي، وإذا كان ثمة جانب محافظ في كتابات دريدا كما يعتقد هابرماز فهو ليس عائداً إلى لجوء دريدا، مثل بعض تلامذة اللاعقل النتشويين مثل بودريار، إلى خطاب ما قبل تنويري يتجاهل قيم الحقيقة والزيف، بل بسبب تأمل هذه القيم ذاتها من خلال الانتباه المطلق لسيرورتها البنيوية ونماذج تمظهراتها النصية. هكذا يميز نوريس، وبألمعية ونباهة، ما بين قراءة تحاول عبثاً أن تفصل بين الأطروحات المشروعة أو الجوهرية، وبين تلك المقاطع ذات البلاغة "النصية" المجردة، أي تلك التي ترد إلى أبسط الافتراضات الفلسفية سذاجة وأكثرها بعداً عن التفكيك.
    الحقيقة والخيال

    > أثارت حرب الخليج بوضوح مؤلم لأي شخص مهتم بسياسة النظرية أسئلة عن الفرق بين الحقيقة والخيال، بوصفها قضية تتجاوز حدود الاهتمام الأكاديمي. فقد بدأت تشيع في بعض الأوساط الثقافية، فكرة تفيد بأن الابستمولوجيا الواقعية أضحت شيئاً من الماضي، وأن قيم الحقيقة في النقد قد تم النيل منها* وأن التاريخ والسياسة مجرد ظواهر نصية (خيالية)، وأن أي "خطاب" يحسب له حساب عليه الأخذ بناصية كل هذه الاعتبارات، لذلك يمكن أن نعي لماذا استطاعت مقالة "بودريار" عن حرب الخليج أن تضرب على الوتر الحساس من الاستجابة. وما يثير القلق في هذا المجال طغيان مزاج توسعي بين منظري الأدب يرافقه موقف إجمالي من الشك حيال أية فكرة تقترح بأن النص الأدبي يمكن أن يضمر قدراً من الحقيقة.
    إذن، هل يمكن اعتبار أن السرديات هي كل ما نملكه؟ وإذا سلمنا بأن كل السرديات، من حيث المبدأ، متساوية في القيمة، فإن الحوار العقلاني بمجمله سيبدو عقيماً. وقد كرّس منظرو الأدب، جهوداً عظيمة لتقديم أطروحات حاذقة لشرح التوسطات المعقدة بين الأدب والايديولوجيا، ونظام القوى المعيش في العالم وعلاقات الانتاج. في حين ينظر نقاد الأدب، في أيامنا هذه، إلى هذا المشروع بافتتان نوستالجي، بوصفه آخر المحاولات اليائسة لإنقاذ شكل قديم من البنى "التنويرية" ما وراء السردية. هذا يعني أن النص ما بعد الحداثي يجب أن يتخذ كمثال نمطي للغة تتخلى عن كل شروط الحقيقة أو أوهام الواقع، وبالتالي تشق الطريق أمام رؤية تتحدث عن واقع ما فوق واقعي مهيمن. وهذا يعني قلب الأمور رأساً على عقب، لأن وجهة النظر هذه تتجاهل من حيث المبدأ، حقيقة أننا حين نقرأ الأعمال الإبداعية نستحضر دوماً نطاقاً واسعاً من المعرفة الحقيقية، التاريخية، البديهية، المرتبطة بظروف العالم المعيش، والتي تتجاوز حدود النصية الصرفة. هذه المعرفة تمتد من القواسم الأساسية للتجربة الانسانية، مثل علاقات السبب بالنتيجة ومواقع الوسيط والتواتر التاريخي، وفوق كل ذلك مقدرتنا على إدراك تفاصيل مرجعية مناسبة بالاستناد إلى أسس استدلالية مباشرة، لذلك ليس صحيحاً الاعتقاد أن النقاد يقعون في فخ السذاجة عندما يسوقون اداعاءات تأويلية ناطقة باسم الحقيقة تتجاوز نطاق تلك البنى الاشارية أو الشيفرات والمعايير التناصية التي تحدد أطر الفهم لأي نص أدبي. إضافة إلى ذلك فإن هذه الأطروحات تتجاهل آخر تطورات نظرية الإبداع التي تسعى إلى شرح الطرق المختلفة التي تحاول من خلالها قيم الحقيقة أو المعرفة الواقية الدخول إلى متن قراءة النصوص الإبداعية.
    العوالم المحتملة

    > من المقاربات الأكثر معقولية في هذا المجال فكرة "العوالم المحتملة" كما يناقشها عدد من علماء المنطق وفلاسفة اللغة في أيامنا، التي تحاول تحليل أفق العلاقات المحتملة، أو درجات التناغم المفهومي بين الأشكال الخيالية والحقيقية للخطاب. وهذا يبين المدى الذي يعتمد فيه فهم الإبداع على استعدادنا للذهاب إلى ما وراء النص والانخراط في مختلف العمليات البسيطة والمعقدة للعقلنة الاستدلالية، واستخلاص مغزى المعلومات المعطاة بالرجوع إلى مخزوننا المعرفي ومعتقداتنا الحياتية في العالم الحقيقي.
    وبدون هذا لن نكون في موقع يؤهلنا لتأويل أبسط الأشكال بدائية في الخطاب السردي، لذلك علينا اعتبار الأدب مغايراً لأنواع الخطاب الأخرى: تاريخية، واقعية، وثائقية... إلخ، لأن التأكيدات ليست عرضة لإرجاء طوعي جرّاء شعور عدم التصديق الذي يخالج قارئ الرواية، فنحن لسنا مطالبين باجترار حيّز سرابي من الكيانات الخيالية البديلة من أجل أن نحافظ على التمييز الأنطولوجي بين أنظمة الحقيقة في العالم الحقيقي والمخيلة، لأن عالم الأدب مختلف تماماً عن العالم السديمي المتخيل ذهنياً، ومختلف عن العوالم المحتملة التي يروج لها كثير من الدعاة في أيامنا هذه.



  2. 14-Mar-2008 01:24 AM

    رد: مفهوم ما بعد الحداثة ما بعد البنيوية

    يسلموو خيو على الكلمات الحلوة


 

المواضيع المتشابهه

  1. مفهوم ومعنى الصداقة ( اول مشاركة )
    بواسطة المهند في المنتدى ثقافة و ادب و موروث ثقافي
    مشاركات: 15
    آخر مشاركة: 04-Dec-2008, 04:04 AM
  2. ماهــو مفهوم الحب لديك .....؟
    بواسطة الامبراطور في المنتدى القسم العام
    مشاركات: 20
    آخر مشاركة: 31-Aug-2008, 10:29 AM
  3. مفهوم الرومانسية
    بواسطة just you في المنتدى شعر poems و خواطر
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 01-Aug-2008, 08:53 AM
  4. دكتورر لا تتعب وتشرح سوالك لا الدرس جايزلي ولا الشرح مفهوم
    بواسطة كايـدة آآلغ ــزلآن في المنتدى شعر poems و خواطر
    مشاركات: 10
    آخر مشاركة: 17-May-2008, 03:17 PM
  5. مفهوم الفن للعلاج النفسي
    بواسطة TALAL في المنتدى ثقافة و ادب و موروث ثقافي
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 05-May-2008, 07:49 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •