النتائج 1 إلى 3 من 3

الموضوع: تطور المناهج الاجتماعية في النقد الأدبي !

تطور المناهج الاجتماعية في النقد الأدبي د. عبد الهادي الفرطوسي مع بدايات القرن التاسع عشر بدأ الاهتمام بدراسة العلاقة بين الناحية الاجتماعية والأدب، فصدر آنذاك كتاب لمدام دوستال

  1. 27-Mar-2008 03:20 AM

    Post تطور المناهج الاجتماعية في النقد الأدبي !

     

     

     

     

    تطور المناهج الاجتماعية في النقد الأدبي
    د. عبد الهادي الفرطوسي


    مع بدايات القرن التاسع عشر بدأ الاهتمام بدراسة العلاقة بين الناحية الاجتماعية والأدب، فصدر آنذاك كتاب لمدام دوستال تحت عنوان "الأدب في علاقاته بالمؤسسات الاجتماعية" متناولاً تأثير الدين والعادات والقوانين في الأدب، وتأثير الأدب فيها[1]، لكن الجذور الأولى للمنهج النقدي الاجتماعي ترجع إلى هيجل، إذ ربط بين ظهور الرواية والتغيرات الاجتماعية، مستنتجاً أن الانتقال من الملحمة إلى الرواية جاء نتيجة لصعود البرجوازية، وما تملكه من هواجس أخلاقية وتعليمية[2]، وقد اتضحت ملامحه بعد ذلك لدى فردريك أنجلز ، الذي دعا إلى ضرورة تعدد وجهات النظر المتناقضة في الرواية ، نلمس ذلك في رسالة وجهها إلى لاسال عام 1895م ، بخصوص عمله التراجيدي "فرانس فون سكنجن"، فقد انتقد العمل من حيث محتواه التاريخي، إذ أبرز جانبي حركة العصر: حركة النبلاء الوطنية، والحركة النظرية للنزعة الإنسانية دون أن يبرز العناصر غير الرسمية من عامة وفلاحين، وقد علل أنجلز هذا الانتقاد بأن إبراز العناصر غير الرسمية يمنح النص عناصر جديدة لبعث الحياة في الدراما[3]، بينما نجد أنجلز في رسالة أخرى يبعثها إلى الكاتبة مينا كاوتسكي (وهي والدة كارل كاوتسكي زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني) حول روايتها " القدامى والجدد" ، يطري فيها ذلك التقابل القائم في تصوير الوسطين المتضادين: الإرستقراطية النمساوية وعمال مناجم الملح، ويجد في ذلك التقابل قوة تضفي على الطبائع صفة فردية[4].
    لقد ظل الاهتمام بالمضامين قائماً لتحديد موقف المؤلف من الصراع الطبقي، ما دام المجتمع يشهد صراعاً طبقياً، بوصف الفن شكلا من أشكال البنية الفكرية للمجتمع، وبذلك فقد اغفل هذا المنهج الجانب الجمالي وعلاقته بالدلالة الاجتماعية والأيديولوجية، واكتفى بالمقارنة بين ما موجود في الرواية من أماكن وشخصيات وبين ما يقابلها في الواقع الخارجي ، هكذا لم يناقش النقد الاجتماعي تميز الأدب عن الأيديولوجيا حتى جاء جورج بليخانوف فطرح هذا الموضوع في المجال النظري فقط[5].
    في هذا الوقت كان لفلادمير لينين إسهامته من خلال عدة مقالات كتبها حول تولستوي، لكن ما كتبه لم يكن منطلقاً من عقلية الناقد الأدبي ، وإنما كان صادراً من عقلية سياسية مؤدلجة، فكان يبحث عن تولستوي لا في نصوصه الإبداعية ، وإنما في تاريخ روسيا الممتد بين 1861م و1904م ، تلك الحقبة التي صورها تولستوي بدقة في معظم أعماله والتي مثلت حسب لينين مرحلة تفسخ المجتمع البطريركي والانتقال من القنانة إلى الرأسمالية[6] ، فكان يحاكم أفكار تولستوي على ضوء أيديولوجيته (هو) الماركسية، يقول : " إن نقد النظم الحالية من قبل تولستوي يختلف عن نقد هذه الأنظمة نفسها من قبل ممثلي الحركة العمالية المعاصرة بكون تولستوي ينظر إلى الأمور من خلال وجهة نظر الفلاح البطريركي الساذج وينقل نفسية هذا الفلاح إلى نقده ومذهبه"[7]، ويرى في مقال آخر أن وجهة النظر التي يقدمها تولستوي ليست سوى الانعكاس الأيديولوجي لنظام القنانة[8]، وآخر ما يصل إليه :" أن مذهب تولستوي طوباوي لا جدال في ذلك، وهو في محتواه رجعي بأدق ما في هذه الكلمة من معنى وأعمقه"[9].
    غير أن جذور المناهج الاجتماعية في روسيا ترجع إلى زمن أبعد من بليخانوف ولينين ، فقد ظهر منذ عام 1834م على يد بيلينسكي ثم تشيرنيفسكي ودوبروليوبوف ما يسمى بالنقد الثوري الديمقراطي ، الذي يؤمن بالدور الاجتماعي للفن، ويسعى إلى توجيه النقد نحو حب الوطن والشعب، متخذا من أعمال بوشكين وتكراسوف وسالتيكوف ميادين للتطبيق، وكان هذا الاتجاه مختلفاً عن الاتجاه الواقعي الانتقادي، إذ كان مقيداً بوجهة نظر مجتمع برجوازي إقطاعي[10].
    لقد ظل جانب من هذه الأفكار قائما لدى أنصار المذهب الاجتماعي في النقد الأدبي على امتداد القرن العشرين، ولعل دراسة أرنولد كيتل عن الواقعية والحكاية الخيالية مصداقاً على ذلك، فهو يرى أن سبب ظهور الرواية يعود إلى رغبة البرجوازية الناشئة في تمزيق حجب الحكاية الخيالية عن وجه الإقطاع ليعري قيمه ومقدساته ويقوضها، ثم يجد في موضع آخر أن سبب ابتداء أدب القرن العشرين بكونراد هو كون القرن العشرين يمثل عصر الامبريالية[11].
    وتأتي الانتقالة النوعية على يد بيير ماشيري ، الذي أسس نظريته على ضوء مفاهيم لينين الآنف ذكرها في كتابه "من أجل نظرية للإنتاج الأدبي" ، لكنه يبدأ نظريته بأن صورة الواقع التي تعكسها مرآة النص الأدبي ، على وفق لينين ، يبحث عنها في الشكل الذي ترسمه مرآة النص ، وليس في الواقع، هكذا رفض فكرة التنقل بين النص والواقع - كما هو الحال عند لينين - ودعا إلى الاكتفاء بتحليل النص ، ويقود التحليل إلى نتيجة مفادها أن الأيديولوجيات المختلفة تصير مكونات أولية للنص، وهي لا تملك نفس القوة التي تمتلكها في الواقع* لأنها محاصرة بوجود بعضها إلى جانب بعض أولاً ، وبحكم تعدد القراء ثانياً، إذ تتعدد التأويلات، وتبقى أيديولوجية المؤلف تتحرك بسرية بين الأيديولوجيات المعروضة، بعدها يخرج ماشيري إلى وجود علاقة احتجاج بين محتوى النص متمثلا بالأيديولوجيات المتعارضة المستمدة من الواقع ، ثم بين النص ككل(المعبـّر عن أيديولوجية المؤلف) وبين محتواه، وتنشأ عن هذا الاصطراع رؤية الكاتب[12]، يتضح جانب من هذه الرؤيا في تحليل ماشيري لرواية " الفلاحين" لبلزاك، حيث يتوصل إلى التمييز بين كاتب الرواية الموالي للسلطة وراوي الرواية الذي يستنكر خطابه خطاب الكاتب[13]، وهنا يتضح أثر السيميائية والمناهج الحديثة على ماشيري. ميخائيل باختين
    تقارب بعض هذه التصورات أفكار ميخائيل باختين إلى درجة كبيرة، فقد نظر إلى الرواية في كتابه " الكلمة في الرواية" على أنها تنوع كلامي اجتماعي منظم، تتباين فيه أصوات فردية متعددة، ويتجسد ذلك التنوع الاجتماعي من خلال وحدات التأليف الأساسية التي تتكون من كلام المؤلف وكلام الرواة وكلام الأبطال .. إذ يكون التنوع الكلامي موجوداً في كل وحدة من هذه الوحدات، وبهذا التنوع تتعدد الأصوات الاجتماعية، ويضيف باختين أن اكتساب هذه الشحنة الحوارية تشكل الخصيصة الأساسية للأسلوبية الروائية[14].
    ويعالج باختين في موضع آخر من الكتاب أثر تعدد الأصوات على الكلمة، موازنا بين الكلمة خارج سياقها والكلمة داخل نسيجها الروائي ، ففي الحالة الأولى تكون الكلمة محايدة لا تخص أحدا، أو هي مجرد إمكانية كلامية ، أما داخل السياق فنكون إزاء كلمة حية ، بينها وبين موضوعها ، وبينها وبين المتكلم وسط من كلمات الغير في الموضوع نفسه تتشكل أسلوبيا من خلال عملية التفاعل معه، هكذا تكون الكلمة مكبلة ومخترقة بالأفكار العامة ووجهات النظر المختلفة، وبذلك فحين تتوجه الكلمة إلى موضوعها تدخل في هذا الوسط المتوتر والمضطرب حوارياً فتندمج في بعض هذه الأفكار ووجهات النظر، وتنفر من بعضها الآخر، وتتقاطع مع بعضها الثالث، بهذا التعقيد تتشكل الكلمة وتترسب كل تلك الأفكار في طبقات معانيها[15]..
    وفي موضع ثالث يفيد أن لغات التنوع الكلامي ( لغة القصيدة الملحمية ولغة الرمزية المبكرة، لغة الطالب ولغة الأطفال ولغة المثقف الصغير ...) تلك جميعا وجهات نظر خاصة إلى العالم وأشكال لوعيه بالكلمة ، وبناء على ذلك فيمكن مقارنتها الواحدة بالأخرى، كما يمكن أن تكمل أو تناقض إحداها الأخرى أو ترتبط بها حوارياً ، كما يمكن أن تلتقي وتتعايش في وعي الناس ووعي الروائي خاصة، هكذا تعيش هذه اللغات وتتشكل في التنوع الكلامي الاجتماعي، وتنتظم في مستوى واحد هو مستوى الرواية[16].
    وفي كتابه الموسـوم بـ " قضايا الفن الإبداعي عند دستويفسكي" نجد باختـين يطبق الأفكار المذكورة في كتابه السابق على أعمال دستويفسكي ، فيؤكد عملياً تعدد الأصوات أو الأيديولوجيات في النص الواحد، قائلاً أن البطل لم يعد بوقاً لصوت المؤلف[17]، وإنما يعرض بوصفه شخصية غيرية تتمتع باستقلاليتها داخل بنية الرواية دون أن يمزج المؤلف صوته معها[18]، بهذا تكون روايات دستويفسكي - بحسب باختين - روايات متعددة الأصوات تعرض من خلال عدد من الذهنيات الكاملة القيمة[19]، تتمتع فيها الشخصيات بوعي ذاتي، وبوساطة هذا الوعي الذاتي تستطيع التعبير عن نفسها دون الاندماج بصوت المؤلف، ويحافظ داخل العمل الأدبي على مسافة تفصل بين البطل والمؤلف، بل يجد باختين ذلك شرطاً أساسياً من شروط العمل الأدبي، يقول :" ما لم يُقطع الحبل السري الذي يربط البطل بمؤلفه فلن نجد أمامنا عملاً أدبياً بل وثيقة شخصية"[20].
    وفي فصل آخر من الكتاب المذكور يناقش باختين الفكرة عند دستويفسكي ، مقسما العالم الفني على صنفين: مونولوجي، ودايالوجي:
    في الصنف الأول ينقسم كل ما هو أيديولوجي على فئتين: فئة يراها المؤلف صائبة ويقينية، فيؤكدها بواسطة نبرات خاصة ومن خلال وضعها المتميز في العمل الأدبي، وفئة أخرى غير صائبة أو قليلة الأهمية من وجهة نظر المؤلف فيجري رفضها جدالياً، أو أنها تفقد قيمتها الدلالية المباشرة بجعلها مجرد عناصر بسيطة داخل التشخيص الوصفي. ويرى باختين أن هذا الصنف المونولوجي اكتسب تعبيره من الفلسفة المثالية ذات المبدأ الواحدي (الذي يؤكد وحدة الوجود)، ويضيف أن الاتجاه الطوباوي بأكمله قام بالاستناد إلى هذا المبدأ المونولوجي، ونشأ عنه الوعي الواحد ووجهة النظر الواحدة[21].
    أما الصنف الثاني الدايالوجي المتجسد في عموم أعمال دستويفسكي، فقد اتسم بالقدرة على تصوير فكرة الغير مع الحفاظ على كل قيمها الدلالية والحفاظ على المسافة الفاصلة بينها وبين أيديولوجيته الخاصة، وبذلك صار دستويفسكي فنان الفكرة العظيم[22]، وصارت الفكرة تبدأ الحياة فتتشكل وتتطور وتولد أفكاراً جديدة عندما تقيم علاقات دايالوجية جوهرية مع أفكار الآخرين، هكذا يكون مجال وجود الفكرة العلاقة الحوارية بين مختلف أشكال الوعي[23].
    استمراراً لهذا النهج وانطلاقاً منه يخالف باختين في كتابه " الملحمة والرواية " الرأي الذي نادى به هيجل وطوره لوكاش، والذي سيأتي عليه البحث ، فيؤكد موضوع التعدد اللغوي بوصفه الوجه الرئيس للاختلاف بين الملحمة والرواية ، يقول: " لقد كان التعدد اللغوي دائم الوجود، إلا أنه لم يكن عاملاً في الإبداع .. .. إن اللغة اليونانية الكلاسيكية كانت تتمتع بحدس للغات وللعصور اللغوية ولتنوع اللهجات الأدبية اليونانية .. .. إلا أن الفكر الخلاق كان يتم في لغات صافية منطوية على نفسها"[24] ، وقبل ذلك يقارن نشأة الرواية بالانتقال "من الظروف الخاصة لعالم مغلق هادئ وأبوي نوعاً ما إلى ظروف جديدة مرتبطة بظهور العلاقات الدولية والصلات التي قامت ما بين اللغات"[25].
    في ضوء أفكار باختين التي مرّ ذكرها يعقد الناقد فاضل ثامر مقارنة بين الرواية الأحادية الصوت (المنولوجية) والرواية المتعددة الأصوات (البوليفونية)، ليخرج بفوارق كبيرة بين النمطين على مستوى الأسلوب السردي، مستقرئاً إيـّاها من فحص عدد من الروايات العربية:
    1 يميل النمط المونولوجي نحو التمركز في وعي المؤلف الضمني أو البطل المركزي، بينما يميل النمط البوليفوني إلى الابتعاد عن المركز متجها إلى المحيط أي باتجاه الأصوات السردية المتعددة.
    2 يميل النمط المونولوجي إلى التماسك والانسجام العضوي ، بينما يميل النمط البوليفوني إلى التفكك والتراخي .
    3 يكشف النمط المونولوجي عن أسلوب واحد ولغة واحدة، بينما يكشف النمط البوليفوني عن تعدد في الأساليب واللغات الغيرية.
    4 يتوسّل النمط المونولوجي لتعميق شعرية السرد بعناصر شعرية وغنائية لتعميق شعرية السرد، بينما يتوسل النمط البوليفوني بالخلق الموضوعي لتعميق شعرية السرد.
    5 يكرّس النمط المونولوجي في الغالب إشكالية الفرد، بينما يكرس النمط البوليفوني إشكالية العلاقة بين الجماعة.
    6 النمط المونولوجي يكشف عن إمكانية ظهور مستويات السرد الخارجي من منظور الراوي كلي العلم ، بينما تهيمن في النمط البوليفوني أشكال المنظور الذاتي المعبر عن وجهات نظر متعددة.
    7 النمط المونولوجي يشجع ظهور العناصر المرآتية والفردية ، بينما يشجع النمط البوليفوني ظهور العناصر الدرامية والملحمية في السرد.
    8 في النمط المونولوجي راو ضمني واحد ، بينما في النمط البوليفوني عدد من الرواة الضمنيين.
    9 في النمط المونولوجي يتوجه السرد نحو قارئ ضمني واحد ومروي له واحد، بينما في النمط البوليفوني يتوجه السرد نحو عدد من القراء الضمنيين وعدد من المروي لهم بعدد الرواة.
    10 النمط المونولوجي يمتلك بنية دائرية حيث تتم العودة إلى نقطة البداية، بينما لا يشترط ذلك في النمط البوليفوني.
    11 في النمط المونولوجي تلتقي الثيمات والحبكات الإطارية في نقطة التقاء واحدة، بينما في النمط البوليفوني تستمر الثيمات والحبكات الإطارية في التشظي والتباعد.
    12 في النمط المونولوجي يتخذ الزمن مساراً خطياً واضحاً، بينما هناك في النمط البوليفوني مجموعة أزمنة لا تسير على وفق نمط خطي واحد.
    13 في النمط المونولوجي تكون البنية المكانية محددة ومتعينة ومستقرة نسبيا، بينما في النمط البوليفوني تكون البنية المكانية متبدلة ومتنوعة وغير مستقرة.[26]

    المنهج التكويني
    يُعنى المنهج البنيوي التكويني بالأدب بوصفه ظاهرة اجتماعية تاريخية، آخذا بالاعتبار بنياته الخاصة التي يفسرها في إطار العلاقات الموجودة بين العناصر المكونة لها ، وبينها وبين العناصر الخارجية المتفاعلة معها[27].
    وترجع جذور هذا المنهج إلى الناقد المجري جورج لوكاش، الذي عمل - انطلاقا من اتجاهه الماركسي- على ربط أشكال الوعي كافة بالبنية الاقتصادية المحددة لها، ففي كتاباته عن بلزاك وأميل زولا كشف عن العلاقة الجدلية بين دلالات الأعمال الإبداعية الكبرى ودلالات البنيات الاجتماعية[28]، هكذا نظر إلى الأعمال الأدبية بوصفها انعكاسات لمنظومة ظاهرة، والانعكاس عنده يعني تكوين بنية ذهنية يتم التعبير عنها بالكلمات[29]، ولا بد من الإشارة إلى أن الانعكاس لا يعني التصوير الفوتغرافي للواقع وإنما هو تشكيل للنمطي، كما يقول بيير زيما[30].
    إن هذا التحول يعد قفزة نوعية كبرى فبعد أن كانت المقولات عند «كانط» أشكالا سابقة للذهن، مستقلة عن كل بعد تاريخي، أصبحت تاريخية عند «هيغل»، ولكنها ترتبط بتطور الذهن الموضوعي، أما عند لوكاش فقد صارت البنيات الذهنية حقائق تجريبية تفرزها عبر التطور التاريخي مجموعة اجتماعية وطبقات اجتماعية على الخصوص[31]، يؤكد ذلك قوله: "التنميط منسوب بمهارة في الكتابة إلى التطورات الاجتماعية والتاريخية"[32].
    وعلى هذه المقدمات بنى أطروحته القائلة بأن الرواية ليست إلا ملحمة البرجوازية حين صارت الطبقةَ السائدةَ ، إذ أن صورة العالم في ذهن البرجوازية تتألف من قوى مادية ملموسة، وليس من أرواح وأشباح، وإن ما يحصل على الأرض يقرره البشر وحدهم من دون تدخل أي قوة غيبية[33]، وقد استقى جانباً كبيراً من هذه النظرية من هيغل.
    لوسيان جولدمان
    لقد تطورت هذه الأفكار على يد الناقد الفرنسي لوسيان جولدمان ، الذي انطلق من جملة فرضيات في مقدمتها أن السلوك الإنساني يحاول إيجاد توازن بين الذات الفاعلة وموضوع الفعل، غير أنه سرعان ما تصبح الوضعية المتوازنة متجاوزة، وبذلك تكون الوقائع الانسانية متمثلة في عملية هدم وبناء متراتبتين، وإن الدراسة العلمية تتطلب الكشف عن كلا الوضعيتين[34].
    ومن التساؤلات التي يطرحها جولدمان من هي الذات الفاعلة ( المبدع الحقيقي)؟ أهي الفرد أم الجماعة؟
    يجيب جولدمان أن الجماعة ما هي إلا شبكة معقدة من العلاقات المتبادلة بين الأفراد، ويتطلب التحليل تحديد بنية الشبكة ودور الأفراد الفاعلين فيها، لندرك العلاقة الموضوعية بين الإنتاج والمبدع الحقيقي وهو الجماعة الاجتماعية وليس الفرد، وهو بذلك يقترب كثيرا من مقولة هيجل " الحقيقي هو الكلي " ، لكنه لا يتجاهل دور الفرد، فالفرد بفعل ولادته أو وضعه الاجتماعي يؤلف جزءاً من الجماعة[35] .
    إن النقلة المنهجية التي حققها جولدمان من المنهج النقدي الاجتماعي التقليدي (الذي يربط بين محتوى الإنتاج الثقافي ومحتوى الوعي الجماعي) إلى المنهج الذي يدرس المضامين الاجتماعية في أشكالها هي دراسة العمل الثقافي بوصفه بنيات مماثلة ومناظرة للبنيات الاجتماعية، ولكن في عالم يتمتع باستقلاله وبقوانينه الخاصة، أي أن بنيات العالم المتخيل مناظرة أو مماثلة للبنيات الذهنية لدى الجماعة الاجتماعية ، فالجماعة الاجتماعية تشكل نسقاً من البناءات التي تبث في وعي الأفراد ميولات عاطفية وفكرية وعلمية، تندفع نحو درجة ما من التجانس محققة ما اصطلح عليه جولدمان بـ " رؤية العالم"، التي بها يستطيع الكاتب الفذ الذي يخلق عالماً متخيلاً في غاية الانسجام، حيث تطابق بنياته البنيات التي تنزع إليها الجماعة، فيعي أفرادها ما كانوا يفكرون فيه أو يحسونه أو يفعلونه دون أن يعرفوا دلالاته معرفة موضوعية[36].
    إن مفهوم "رؤية العالم" الذي تحدث عنه جولدمان ما هو إلا النسق الفكري الذي يسبق عملية تحقق النتاج[37]، ويتلخص في أنه مجموع التطلعات والعواطف والأفكار التي يلتف حولها أفراد المجموعة أو الطبقة (التي تربطها روابط اقتصادية تفعل الكثير في تكوين أيديولوجيتها) فتجعل منهم معارضين للمجموعات الأخرى من أجل تحقيق التطلعات والأفكار المشار إليها، وتبعث لديهم وعياً طبقياً متفاوت الوضوح والتجانس، يبلغ ذروة وضوحه وتجانسه لدى الفيلسوف أو الفنان[38].
    إن ما يؤسس "رؤية العالم" هو الوعي القائم/ الممكن باصطلاح جولدمان، وهو يحدد الوعي ابتداء بأنه :" مظهر معين لكل سلوك بشري يستتبع تقسيم العمل"[39]، غير أنه يميز بين نوعين من الوعي: الأول إحساس بظرفية واحدة يجمع بين أفراد الجماعة وذلك هو الوعي القائم، وهو وعي متطور في بنيات متغايرة ومتلاحقة، أما الثاني فهو الوعي الممكن، وهو تصور لما ينبغي أن يكون، أي تصور إمكانية تغيير الواقع القائم وتعديله على وفق ما تراه الجماعة محققا للتوازن المنشود[40].
    المنطلقات الأساسية للبنيوية التكوينية حصرها جولدمان في كتابه (المنهجية في علم الاجتماع الأدبي) في خمس نقاط:
    1- العلاقة الجوهرية بين الحياة الاجتماعية والإبداع الأدبي تهمّ البنى الذهنية التي تنظم الوعي التجريبي لفئة اجتماعية معينة والكون التخييلي الذي يبدعه الكاتب.
    2- إن البنى الذهنية ذات الدلالة ليست ظواهر فردية، وإنما هي ظواهر اجتماعية.
    3-إن العلاقة بين وعي الجماعة والبنية المنظمة للعمل الأدبي متماثلة تماثلاً دقيقاً، إلا أنها غالباً ما تشكل مجرد علاقة ذات دلالة.
    4-إن البنى الذهنية (المقولاتية) هي ما تمنح العمل الأدبي وحدته.
    5-إن البنى الذهنية المشار إليها سيرورات غير واعية مماثلة لتلك التي تنتظم عمل البنى العضلية والعصبية، لهذا فإن الكشف عنها متعذر على الدراسة الأدبية المحايثة وعلى الدراسة المتجهة نحو النيّات الواعية للكاتب أو في علم نفس الأعماق، ولا يتحقق إلا ببحث من النمط البنيوي والسوسيولوجي[41].
    تتطلب هذه المنهجية الدراسة على مستويين ولكنهما يمتزجان بصورة عميقة في البحث، وهما: مستوى التأويل، ومستوى التفسير، يأخذ الأول شكل دراسة محايثة للنص، بحثا عن الانسجام الداخلي له، وتقدم الدراسة نموذجا بنائيا دالا يتألف من عدد محدود من العناصر والعلاقات القائمة بين هذه العناصر، آخذاً بالاعتبار كل النص ودون إضافة شيء إليه.
    أما الثاني فيتولى ربط علاقة النص بحقيقة خارجة عنه ، شرط أن تكون ذاتا عبر/ فردية- (Transindividualجماعية) ، وبتعبير آخر إن مستوى التفسير يسعى إلى إدماج بنية النص في بنية أوسع، فيصبح ما كان تفسيرا للبنية الأولى تأويلا للبنية الثانية الشاملة[42].
    من الأمور المهمة التي تناولها جولدمان العلاقة بين التطور التاريخي للمجتمع وتطور العمل الأدبي، فقد ميـّز بين ثلاث مراحل في تطور الرأسمالية وما ترتب عليه من تطور أدبي:
    المرحلة الأولى: وهي مرحلة الرأسمالية الليبرالية وتتميز بازدهار الفردية المبنية على مبدأ الحرية الاقتصادية والمبادرة الفردية، وتطابقها على مستوى الأدب رواية الفرد الإشكالي متمثلة بأعمال فلوبير واستندال وجوته وبلزاك.
    المرحلة الثانية: وهي رأسمالية الاحتكارات ( نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين) ، وفيها زالت الأهمية الجوهرية للفرد داخل البنى الاقتصادية والحياة الاجتماعية، وتطابقها على المستوى الأدبي تذويب البطل الإشكالي، ويتمثل ذلك في أعمال جويس وبروست ومارلو وناتالي وساروت.
    المرحلة الثالثة: مرحلة الرأسمالية الاحتكارية للدولة وفيها تطورت أنظمة تدخل أجهزة الدولة وآليات التنظيم الذاتي، فأزالت أية مبادرة فردية أو جماعية، وتطابقها على المستوى الأدبي مرحلة اختفاء البطل في الرواية الجديدة[43].
    في ندوة عقدت في بروكسيل عند مستهل الستينيات، حول موضوع الرواية الجديدة والواقع، يستند جولدمان في تحليله المذكور آنفا على ما توصل إليه ماركس عن العلاقة بين الفرد والشيء بوصفها مجالاً للتحولات الاجتماعية التي أحدثها ظهور الاقتصاد ونموه، والتي شكلت جوهر نظريته "فتيشية السلعة"، والتي أسماها لوكاش بـ "التشيؤ" ، على هذه النظرية يبني جولدمان علاقة بين تاريخ البنيات التشيّؤية وتاريخ البنيات الروائية، حيث أن التشيّؤ بوصفه سيرورة سايكولوجية دائمة تؤثر باطراد في المجتمعات الغربية المنتجة للسوق وتحدد مراحلها بالشكل المذكور آنفا[44].
    لكن من المآخذ التي سجلت على منهجه تجاوزه المستوى اللغوي، وتحليله للرواية في سياق انطباعي خالص، خاصة في تناوله لروايات أندريه مارلو وآلان روب غرييه، و سترد اعتراضات بيير زيما بهذا الخصوص لاحقا[45].
    جاك لينهارت
    من الذين أعقبوا جولدمان وأسهموا في تطوير نظريته جاك لينهارت، فقد طبق على اللغة أفكار جولدمان التي طبقها على الأدب فلاحظ أن العلاقة اليومية للناس باللغة تعتمد على مسلّمة أن السيرورة الخطابية تعبّر عن المعنى بصفة موحدة، باعتمادها على القيمة الاستعمالية[46] ، و نجده في كتابه (قراءة سياسية للرواية) الصادر عام 1973م يعرض تحليلا لرواية (غيرة) لآلان روب غرييه ، يؤسسه على أربعة أسئلة، هي : -هل تقدم (غيرة) بنية دالة متماسكة؟ وهل تحدّد هذه البنية الرواية المعنية فقط أم عموم أعمال روب غرييه؟
    2-هل يمكن أن تدرج البنية الدالة المتركزة على (الغيرة) في إطار تيار ايديولوجي أعم مثل تيّار (الرواية الجديدة)؟
    3-إذا كانت تلك البنية الايديولوجية موجودة فهل لها علاقات وظيفية بطبقة اجتماعية أو بفئة اجتماعية؟
    4- هل تمثل هذه الطبقة أو الفئة الاجتماعية مكاناً مدركاً في البنية الشاملة للمجتمع الفرنسي؟[47]
    لوتمان
    يشكل لوتمان تطويرا وإضافة نوعية على ما قدمه جولدمان، مستفيدا من انجازاته المادية التاريخية ومدرسة الشكلانيين الروس ومدرسة المعلومات وعلم الاتصال والسيبرنيطيقا . .. وعنده أن المعنى يتولد من نسق لغوي يقوم على مبدأ التشابه والتضاد ، وعليه فإن النص يحمل في ثناياه لغتين، وإن المعنى هو محصلة للتأرجح بينهما ، ولا يمكن الإحاطة بالنص إلا بالإحاطة بلغتيه معا في تفاعلهما[48].
    وقبل ذلك هو يفهم اللغة على أنها " نظام من العلامات المنتظمة تقوم بوظيفة اتصالية، ويترتب على تعريف اللغة بأنها نظام مناقشة وظيفتها الاجتماعية، فهي تؤمّن وتضمن تبادل المعلومات وتضمن حفظها وتراكمها في المجتمع الذي يستخدمها، ولكي تقوم اللغة بوظيفتها الاتصالية يتحتم بأن يكون لها نظام من العلامات جاهز للاستخدام"[49].
    وجوهر منهج لوتمان فهم جدلية النص الأدبي على وجهين الوجه الداخلي ويعني إدراك الجدل المستمر بين مستويات النص ، وبين العناصر المكونة لكل مستوى منها، والوجه الثاني إدراك العلاقات الجدلية بين النص وما يحيط به خارج النص[50].
    في كتابه " بنية النص الأدبي" الصادر عام 1970م يعالج لوتمان كيفية ارتباط بنية النص ببنية الفكرة[51]، مبينا أن بنية النص نظام شديد التعقيد ، وأن تحديدها يتطلب القيام بنمذجة يتحقق فيها عزل الخواص الثابتة، ولتحقيق ذلك استفاد من محوري السياقي والاستبدالي، جاعلا الأول يسيطر على النص القصصي والروائي، والثاني يسيطر على النص الشعري، فوضعنا بذلك أمام خصيصتين مهمتين من مجمل الخواص الثابتة، لقد توصل لوتمان إلى أن اللغة الطبيعية هي نموذج أول للعالم ، أما اللغات النوعية( الشعرية والأدبية والشفرات ..) فهي نظم نمذجة ثانوية، هكذا يفسر مضمون النص، في اللغة العادية، بحدود شفرة مفردة، أما الانحرافات في العمل الفني فهي عناصر في نظام آخر، تشكل شفرات مفسِّرة تختلط بعناصر الشفرة الأصلية ، ومن ثم فإن تعددية النظم خاصية لازمة في الفن، إذ ينتج عن اصطراع عناصر نظامين أو أكثر توتر يخلق التأثير الفني[52].
    من النقد الاجتماعي
    إلى علم اجتماع النص الأدبي
    في أواسط ثمانينيات القرن الماضي أصدر بيير زيما كتابه الموسوم بـ " النقد الاجتماعي" داعيا إلى منهج جديد أسماه علم اجتماع النص الأدبي، محاولا الاستفادة من مناهج أخرى في مقدمتها - كما يقول د. سيد البحراوي - السيميائية والبنيوية والتحليل النفسي ونظريات القراءة[53]، وهو بوساطة هذا المنهج يسعى إلى معرفة الكيفية التي تتجسد بها القضايا الاجتماعية والمصالح الجماعية في المستويات الدلالية والتركيبية والسردية للنص، ومن ثمّ إلى إظهار الأوجه الأيديولوجية فيه[54]، ومن بين أهداف هذا العلم أنه يسعى إلى الكشف عن وظيفة الأجناس الأدبية المختلفة[55]، فكان أن انبثق عنه علم اجتماع الأجناس الأدبية، ليتشعب إلى علم اجتماع المسرح وعلم اجتماع النص الشعري وعلم اجتماع الرواية.
    ويتميز العلم الأخير بأنه يشغل مساحة أكبر من العلوم الأخرى المنبثقة عن علم اجتماع الأجناس الأدبية* لأن الرواية تمثل مواقف وأفعالا اجتماعية وتاريخية، وإن مساحتها المرجعية والتوثيقية أكثر وضوحا من الفنون الأخرى[56]، وهو ينطلق - في تشكله - من فرضيتين أساسيتين: بقدر ما تظهر الرواية في مجال الإنتاج تظهر في مجال تلقي هذا الجنس.
    الرواية نص واقعي نموذجي تستوعب كتابته التوجه العلمي والمادي للبرجوازية[57].
    يبدأ زيما منهجه من حيث انتهى جولدمان وباختين، مسجلا على الأول، إضافة إلى استبعاده المستوى اللغوي من التحليل، كما مر، أن جولدمان يعدّ الرواية تحيل مباشرة إلى الواقع الاجتماعي، بينما " الرواية هي مجموعة من البنى الدلالية والتركيبية السردية التي تتفاعل مع القضايا الاجتماعية والاقتصادية على مستوى اللغة، اللغة هي إذاً البنية الوسيطة الواقعة بين النص والمجتمع"[58].
    ويسجل على باختين أنه لا يتساءل عن الأصول الاجتماعية والاقتصادية للازدواج القيمي الكرنفالي في المجتمع الحديث[59]، كما أنه لم يطور فكرته القائلة بازدواجية الشخصيات الروائية في ضوء ازدهار الرأسمالية[60].
    إن نقطة البداية لعلم اجتماع النص - كما يقدمه بيير زيما - هي الإجابة عن السؤال الآتي:
    كيف يتفاعل النص الأدبي مع المشكلات الاجتماعية والتاريخية على مستوى اللغة[61]؟
    إن العلاقة بين الدلالة والتركيب السردي للخطاب هي المدخل إلى الإشكال الذي يثيره السؤال السابق، لكن زيما يستبعد أن تكون المناهج الشكلية كمنهج جينيت ومنهج بريموند طريقا للكشف عن تلك العلاقة* لأن تلك المناهج تهمل الأساس الدلالي للقص، ويقدم زيما اللغة على المستوى الدلالي والمعجمي بديلا لتلك المناهج ، وهو في الوقت نفسه ينكر إمكانية تكوين سيميوطيقا اجتماعية، إلا إذا اعتمدنا بعض النظريات السيميائية التي يمكن أن تثري النظرية الاجتماعية ، ومن بينها نظريات غريماس وبيترو وكريستوفا وإيكو، ولذلك فإن على علم اجتماع النص أن يبني علاقات منظمة بين المفاهيم السيميائية ذات الصفة الاجتماعية، وأن يطور الأبعاد اللغوية والسيميائية لبعض النظريات الاجتماعية وخاصة النظرية النقدية لمدرسة فرانك فورت[62].
    تبدأ المفاهيم السيميائية ذات الصفة الاجتماعية من بروب الذي توصل إلى أن الأساس الدلالي للنص يحدد بنيته السردية، ومن ذلك أكّد غريماس أن البنيــة الدلالية ( البنية العميقة) لأي نص سردي هي المسؤولة عن توزيع الوظائف الفاعلة[63]، ومن جانب آخر فإن طبيعة الفاعل عند غريماس قد يكون ذا صفة جماعية، كأن يكون حزبا سياسيا يكون أعضاؤه ممثلين للفاعل الجماعي، وقد يحصل العكس كأن يكون فاعل واحد تجمعا من عدة فواعل جماعية[64]، كما يمكن الاستفادة من موضوع النموذج الفاعلي لدى غريماس في علم اجتماع النص[65].
    الجانب الآخر الذي يستند إليه علم اجتماع النص لربط النص الأدبي بسياقه الاجتماعي "تقديم العالم الاجتماعي كمجموع لغات جماعية تظهر في أشكال مختلفة في البنى الدلالية والسردية للتخييل"[66] ، ويسعى زيما في هذا المجال إلى الاستفادة من موكاروفسكي الذي يعتقد أن العلاقة بين الأدب والمجتمع لا توصف إلا على المستوى اللغوي، كما يسعى إلى الاستفادة من ميخائيل باختين الذي يرى في اللغة مجموعة من البنى التاريخية المتغيرة والتي ترجع تحولاتها إلى الصراعات الاجتماعية والتجديدات التي تأتي بها ، ويعتقد زيما أن منهج باختين بهذا الخصوص في كتابه " الماركسية وفلسفة اللغة" نقطة بداية ممكنة لنظرية في لغويات الخطاب تتجاوز لغويات الجملة[67]، ويعرّج زيما إلى الحديث عن لغة الجماعة وفكرة عالم اللغة الروسي مار القائلة بوجود لغة لكل طبقة اجتماعية[68].
    يحيلنا هذا الأمر على الحديث عن وجهة نظر ستالين بهذا الموضوع، إذ انتقد بشدة رأي القائلين أن اللغة بناء فوقي، وساق حججا كثيرة لتفنيد هذا الرأي، من بينها " أن أكثر من مائة سنة عبرت على وفاة بوشكين، وفي هذه المدة أزيل النظام الإقطاعي والنظام الرأسمالي، وظهر نظام اشتراكي ثالث، وعلى هذا أزيل بناءان تحتيان مع بنائهما الفوقي الجديد ومع هذا ، إذا أخذنا اللغة الروسية على سبيل المثال نجد أنها، عبر هذا البون الزمني الشاسع، لم يعترها أي تغير أساسي "[69]، أما بشأن اللغات الطبقية، فإن ستالين بقدر ما ينفي وجودها نفيا قاطعا ، يؤكد وجود لهجات طبقية قائلا: " ظهرت لهجات طبقية وألسنة خاصة .. .. وهذه اللهجات والألسنة الخاصة كثيرا ما توصف في الأدب بأنها لغات وهذا خطأ"[70]، ويضيف أن تلك اللهجات تملك كلمات خاصة تعكس خبرات الارستقراطية، وتعابير وتراكيب تتميز بالتشذيب والفخامة وعدد من الألفاظ الأجنبية، بينما تبقى الغالبية العظمى من الكلمات ونظام القواعد على حالها في اللغة الوطنية المشتركة[71]، ويختم ستالين مقالته بالهجوم على مار نافيا أطروحتيه في أن اللغة بناء فوقي وفي السمة الطبقية للغة[72].
    إن زيما في سياق كتابه المذكور يستعمل كلمة لغة بمعناها اللهجي وكثيرا ما يفسر معنى اللغة التي يتحدث عنها بذكر عبارة (لهجة جماعية) محصورة بين قوسين إلى جوار كلمة (لغة)، وبذلك فهو يعني باللغة ما عناه ستالين باللهجة، وإذا كان ستالين قد قصر اللهجة الجماعية (نسبة إلى الجماعة) على الجانب المعجمي، فإنها عند زيما تحتوي إضافة إلى البعد المعجمي بعدا دلاليا وبعدا تركيبيا[73]، ويعرفها استنادا إلى غريماس بأنها "لغات فرعية معروفة بالتقلبات السيميوطيقية التي يعارض بعضها البعض الآخر"[74]، ويعرفها ثانية بأنها "فهرست معجمي له شفرة"[75] ، ويعني بالشفرة (الشفرة الدلالية الخاصة بلهجة جماعية معينة) مجمل التعارضات والاختلافات (باعتبار كل منهما نظاما) النابعة من نظام تصنيفي معين[76]، ويضيف لها بعدا ثالثا، فيرى اللهجة الجماعية بناء نظريا أو فرضية حول الواقع تستند إلى الفهرست المعجمي والشفرة والتجسيد الخطابي[77]، لينتهي إلى أننا لن نستطيع شرح وظائف الأيديولوجيات في أية رواية أو مسرحية إلا عن طريق تصوير الأيديولوجيات كلهجات جماعية[78].
    يقدم زيما تطبيقا عمليا على منهجه في علم اجتماع النص محللا رواية " الغريب" لإلبير كامو، فيبدأ ذلك بوصف الوضع الاجتماعي - اللغوي للرواية معتمدا نماذج تنتمي إلى عصر الكاتب[79]، كسارتر ودي بوفوار .. ، ثم يسعى بعد ذلك إلى التعرف على اللهجة الجماعية باعتبارها " الرباط الجامع بين الرواية وبنياتها وبين الوضع الاجتماعي اللغوي"[80] ، هكذا تظهر في خطاب المدعي العام - في رواية الغريب- لهجة جماعية انسانية - مسيحية، تمثل اللغة الشرعية، تقابلها لهجة جماعية أخرى لهجة اللامبالاة تظهر في خطاب البطل الراوي، مهددة نظام قيم مجتمع السوق الذي تمثله اللهجة الأولى، وتنشأ البنية الدلالية والسردية للرواية من الاصطدام بين هاتين الأيديولوجيتين[81].
    ميشال زرافا
    من الذين اهتموا بعلم اجتماع النص الأدبي الناقد ميشال زرافا، الذي يقترب كثيرا من أفكار بيير زيما، فهو يرى أن النص الروائي يمكنه أن يعكس موقفا محددا من مجمل الأيديولوجيات التي تدخل في تركيبه، وهو يميز بين مفهومين: الأول السوسيولوجيا من خلال الرواية التي تكتفي بدراسة العالم الداخلي للنص ثم تربطه بالثقافة، دون أن تتبين وظيفة النص في الصراع الثقافي والأيديولوجي، والثاني سوسيولوجيا الرواية وهي تعنى بوظيفة النص في الصراع المذكور، وهو يركز على ما تحمله الرواية من تصور للواقع أو رؤية للعالم[82].
    ونجده في كتابه " الأسطورة والرواية" يقدم تفسيراً اجتماعياً لهيمنة المونولوج الداخلي على الأدب في عشرينات القرن العشرين، فيتحدث عن " الشخص الأوسط" - في أعمال جويس وتوماس مان وكافكا وموزيل وغيرهم- الذي يعيش داخل عالم روايته معزولا عن الطبقة العاملة، منسلخا عن أنانية البرجوازية ولا إنسانيتها، يظهر نموذج "الشخص الأوسط" في الروايات التي تدور في مجتمعات صناعية متقدمة بعيداً عن الأيديولوجيات وصراع الطبقات.
    وتكون تلك الشخصية بهذا المعنى أيديولوجية، ورواياتها لا تعبر عن رؤية العالم، بل عن كافة رؤى العالم، هكذا يتفاعل الأدب والسوسيولوجيا، كاشفاً عن علاقات ضرورية بين الأشكال في الأدب والأشكال في الفن، فالإيقاع السريع وتعقيد تيار الوعي يرتبطان بالعلاقات الاجتماعية ارتباطاً منطقياً مباشراً، ويسمي زرافا هذا الاتجاه الروائي واقعية نقدية بالمعنى العميق، واقعية تتحدى القيم الاجتماعية والجهاز الاجتماعي للحضارة البرجوازية[83]، ويرى في هذا الاتجاه "نمطاً جديداً من رؤيا العالم ينطوي دون شك على الفرد المتكدس في شظايا"[84] .. .. الساعي إلى إعادة إنتاج الفردية المناسبة من خلال عرض نتف هذه الشخصية على شاشة العقل الواعي، ويختم آراءه بأن إدراك الواقع والوصول إلى المعنى بهذا السياق لا بد أن ينتج عن بطارية متكاملة من المناهج التقنية[85].
    الهوامش
    [1] ينظر : سوسيولوجيا الأدب:روبيرا سكاربيت: ت - آمال أنطوان عرموني: ط1 : بيروت - منشورات عويدات: 1978م : 8 - 9 .
    [2] ينظر : الملحمة والرواية ( دراسة الرواية ، مسائل في المنهجية) : ميخائيل باختين: د. جمال شحيد: بيروت : ط1 : 1982م : 9 (من مقدمة المترجم).
    [3] ينظر : نصوص مختارة : فردريك أنجلز : تحرير جان كنابا : ت وصفي البني: وزارة الثقافة - دمشق : 1972م : 457 - 458 .
    [4] ينظر : نفسه :460 .
    [5]نظر : النقد الروائي والأيديولوجيا ( من سوسيولوجيا الرواية إلى سوسيولوجيا النص الروائي) : د. حميد لحمداني : بيروت المركز الثقافي العربي: ط1 - 1990م: 56 - 58 .
    [6] ينظر : مقالات حول تولستوي : لينين : ت معهد الماركسية اللينينية لدى اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي :دار التقدم موسكو : د.ت : 10 .
    [7] نفسه : 11 .
    [8] ينظر : نفسه : 16 .
    [9] نفسه : 19 .
    [10] ينظر : الممارسة النقدية :بيلينسكي: ت د. فؤاد مرعي و أ. مالك صفور: ط1 - بيروت : 1982م : 5 - 7 ، كما ينظر: في سبيل الواقعية (بيلينسكي وتشيرنيفسكي ودوبروليوبوف): البروفيسور لافريتسكي : ت أ. د .جميل نصيف : بغداد : 1974م : 5 - 6 .
    [11] ينظر : لماذا ظهرت الرواية : أرتولد كيتل : ت كاظم سعد الدين : مجلة الأديب المعاصر : العدد 9 - المجلد 3 :كانون الثاني : 1975م : 134 - 137 .
    [12] ينظر : achcrcy : Pour unc thcorde la Prodaction litteraire,
    1974.p.142 - 148. Picrrc نقلا عن : النقد الروائي والأيديولوجيا 25 - 28 ، كما ينظر : النقد الاجتماعي (نحو علم اجتماع للنص الأدبي): بيير زيما :ت عايدة لطفي: القاهرة - دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع : ط1 :1991م: 58 - 61 .
    [13] النقد الاجتماعي: 143. [14] ينظر: الكلمة في الرواية: ميخائيل باختين: ت - يوسف حلاق: دمشق - وزارة الثقافة : 1988م : 11 - 12 . [15] ينظر : نفسه : 29 - 30 .
    [16] ينظر : نفسه : 49 - 50 .
    [17] ينظر : قضايا الفن الإبداعي عند دستويفسكي: م. ب. باختين : ت الأستاذ الدكتور جميل نصيف التكريتي : بغداد - دار الشؤون الثقافية: 1986م: 11.
    [18] ينظر : نفسه : 19 .
    [19] ينظر : نفسه : 24.
    [20] نفسه : 72 .
    [21] ينظر : نفسه : 111 - 116 .
    [22]ينظر : نفسه : 120 .
    [23] ينظر : نفسه : 124 - 125 .
    [24] الملحمة والرواية ( دراسة الرواية، مسائل في المنهجية) : ميخائيل باختين : د. جمال شحيد : بيروت : ط1 : 1982م : 30 .
    [25] المكان نفسه.
    [26] ينظر : المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي : فاضل ثامر : ط1 : منشورات المدى : 2004م : 46 - 47 .
    [27] ينظر : اشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: 3 (البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق) :د. محمد خرماش :فاس : ط1 :2001م : 6 .
    [28] ينظر : نفسه : 7 .
    [29] ينظر : النظرية الأدبية المعاصرة :رامان سلون : ت سعيد الغانمي : بيروت : ط1 : 1996م : 50 - 51 .
    [30] ينظر : النقد الاجتماعي: 49 .
    [31] سوسيولوجيـة الأدب: لوسيان غولـدمـان: (دراسة كتبها لوسيان غولدمـان ونشرت في المجلد العاشر من «الأنسكلوبيديا العالمية») : نقلا عن دراسات في النقد الحديـث:ت: د. حسن المنيعي :
    http://lamniae.free.fr/ .
    [32] معنى الواقعية الاشتراكية: جورج لوكاش : ت د. أمين العيوطي : دار المعارف بمصر : د. ت : 177 .
    [33] ينظر : تاريخ الرواية : حنا عبود: دمشق : 2003م : 13 .
    [34] إ ينظر : شكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: 3 (البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق): 18 .
    [35] ينظر : النقد الأدبي العربي الجديد (في القصة والرواية والسرد): د. عبد الله أبو هيف : دمشق : 2000م : 175 .
    [36]ينظر : إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: 3 ( البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق ) : 19 - 22 .
    [37] ينظر : تحليل الخطاب الأدبي : 234 .
    [38] L. Golddmann : Le Dieu cache. Ed. Gallimard 1959 - p 26-27.
    نقلا عن : إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: 3 : 35 - 36.
    [39] البنيوية التكوينية والنقد الأدبي (ملف في مجلة آفاق ) :مؤسسة الأبحاث العربية: بيروت: ط1 : 1984م : الوعي القائم والوعي الممكن : لوسيان جولدمان : ت محمد برادة : 33 .
    [40] ينظر: نفسه : 39 - 40 .
    [41] ينظر : تحليل الخطاب الأدبي: على ضوء المناهج النقدية الحداثية : دمشق - 2003م : 234- 235 : استنادا إلى : ـ تر: مصطفى المسناوي ـ دار الحداثة ـ بيروت 1981م.
    (42] ينظر : دراسات في النقد الحديـث: فصل (سوسيولوجيـة الأدب):
    http://lamniae.free.fr/ ، كما ينظر : إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: 26 - 27 . [43] ينظر : النقد الاجتماعي: 148 - 149 [44] ينظر : الرواية والواقع : ناتالي ساروت ، آلان روب غرييه، لوسيان جولدمان: ت - د. رشيد بنحدو: بغداد : 1990م : 66 - 68 .
    [45] ينظر : نفسه : 154.
    [46] ينظر : تحليل الخطاب الأدبي: 237 .
    [47]ينظر : تحليل الخطاب الأدبي: 238 .
    [48] ينظر : النقد والدلالة : 70.
    [49] مدخل إلى سيميائية الفلم : يوري لوتمان : ت نبيل الدبس : ط1 : دمشق : 1989م : 6 .
    [50] ينظر : النقد والدلالة : 71 .
    [51] ينظر : النقد الأدبي في القرن العشرين: 326 .
    [52] ينظر : النقد والدلالة : 73 - 75 .
    [53] ينظر : النقد الاجتماعي : مقدمة سيد البحراوي : 8.
    [54] ينظر : نفسه : 12 - 13 .
    [55] ينظر : نفسه : 63 .
    [56] ينظر : نفسه : 123 .
    [57] ينظر : نفسه :125. [58] ينظر : نفسه: 155 .
    [59] ينظر : نفسه : 162.
    [60] ينظر : نفسه :163.
    [61] ينظر: نفسه: 172.
    [62] ينظر : النقد الاجتماعي: 175 - 176.
    [63] ينظر : نفسه : 179 .
    [64] ينظر : المكان نفسه.
    [65] ينظر : النقد الاجتماعي : 181 - 182 .
    [66] نفسه: 183 . [67] ينظر : نفسه: 184 - 187 .
    [68] ينظر : نفسه : : 188 .
    [69] الماركسية و قضايا علم اللغة: ستالين : ت حنا عبود : دمشق -دار دمشق للطباعة والنشر - سلسلة المكتبة الاشتراكية : د. ت: 11.
    [70] نفسه : 16 .
    [71] ينظر : نفسه : 17.
    [72] ينظر : نفسه : 40 .
    [73] ينظر : النقد الاجتماعي:192.
    [74] نفسه : 193.
    [75] النقد الاجتماعي : 196.
    [76] ينظر : نفسه : 195.
    [77] ينظر : نفسه : 199 .
    [78] ينظر : نفسه : 203 .
    [79] ينظر : نفسه : 211.
    [80] نفسه: 217 .
    [81] ينظر : نفسه : 217 - 220.
    [82] ينظر : النقد الروائي والأيديولوجيا : 94.
    [83] ينظر: الأسطورة والرواية : ميشيل زرافا: ت صبحي الحديدي : الدار البيضاء -عيون المقالات : ط2 - 1986م : 49 - 52 .
    [84] نفسه : 33 .
    [85] ينظر المكان نفسه.


    نقلاً عن صحيقة الثورة



  2. 05-May-2008 07:18 PM

    رد: تطور المناهج الاجتماعية في النقد الأدبي !

    يسلموو


    يعطيك الله العافيه ع الطرح

    وبالتوفيق لك


  3. 23-May-2008 04:09 PM

    رد: تطور المناهج الاجتماعية في النقد الأدبي !

    يعطيكـ آلف عافيه


    ع هذا الموضوع



    وهذي المعلومات




    المفيده والقيمه





    تحيآآتي







 

المواضيع المتشابهه

  1. صور البرنس الليبي طارق التائب لاعب الهلال السعودي
    بواسطة حمزة القبي في المنتدى صور نجوم لاعبين الرياضة 2014 رياضية
    مشاركات: 5
    آخر مشاركة: 05-Oct-2009, 06:06 PM
  2. بحث حول ( تطور الرياضيات عند العرب )
    بواسطة ابن الفائق في المنتدى قسم الأحياء
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 09-Feb-2009, 10:42 AM
  3. المستدرك على معجم المناهي اللفظية
    بواسطة صعب المنال في المنتدى تحميل كتب
    مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 05-Jun-2008, 04:43 PM
  4. تطور المناهج الاجتماعية في النقد الأدبي (1-2)
    بواسطة TALAL في المنتدى ثقافة و ادب و موروث ثقافي
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 05-May-2008, 06:47 PM
  5. تطور المناهج الاجتماعية في النقد الأدبي (1 - 1)
    بواسطة TALAL في المنتدى ثقافة و ادب و موروث ثقافي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 16-Apr-2008, 05:56 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •