أورانك زيب عالمكير .. الإمبراطور الصالح

أورانك زيب عالمكير .. الإمبراطور الصالح

  1. #1

    أورانك زيب عالمكير .. الإمبراطور الصالح



    أورانك عالمكير الإمبراطور الصالح 1103154.gif

    نحن الآن في الهند في القارة التي حكمناها ألف عامٍ، في الدنيا التي كانت لنا وحدنا، وكنا نحن سادتها، ولئن كانت لنا في أسبانيا أندلس فيها عشرون مليونا، فلقد كان لنا ها هنا أندلس أكبر فيها اليوم أربعمائة مليون [1]، ولئن تركنا في الأندلس من بقايا شهدائنا ودماء أبطالنا، ولئن خلفنا فيها مسجد قرطبة والحمراء، فإن لنا في كل شبر من هذه القارة دما زكيًّا أرقناه، وحضارة قيمة وشيت جنباتها، وطرزت حواشيها بالعلم والعدل والمكرمات والبطولات، وإن لنا فيها آثارا تفوق بجمالها وجلالها الحمراء، وحسبكم تاج محل أجمل بناء علا ظهرَ الأرض [2].

    ولنرحل سويًّا إلى ماضٍ ليس ببعيد حيث إمبراطورية المغول المسلمين بالهند، لنعيش مع عظيمٍ جمع مفاخر العظماء ومآثرهم، فكان عالمًا زاهدًا، وحاكمًا عادلًا، ومجاهدًا صدوقًا، وأديبًا شاعرًا، وفقيهًا متعبدًا، وقائدًا مظفرًا، كما كان فنانًا خطاطًا. وأحد عباقرة الإسلام على مر العصور، ودرة تاج حكام المسلمين بالهند التي حكمها حوالي خمسين سنة، أقام فيها العدل ونشر الأمن، وقهر الطغاة الجبارين، وترك آثارا على الأرض وآثارا في الحكم وآثارا في العقول، ملأ الهند مساجد ومشافي ومارستانات، وملاجئ للعاجزين، ومدارس للمتعلمين، وسنَّ في أساليب الحكم سنن الخير، فنظم القضاء وأصلح قوانين الضرائب وترك للعلماء كتابا من أجل كتب الفقه الإسلامي.

    إنه السلطان العظيم والإمبراطور الكبير عالمكير [3] أورانك زيب [4] ابن شاهجان بن جهانكير ابن الإمبراطور أكبر حفيد تيمور لنك.

    نسبه وولادته:
    هو الإمام المجاهد العظيم، القائد المظفر، الغازي المنصور، الإمبراطور، أبو المظفر محي الدين محمد أورنك زيب عالمكير بن شاهجهان بن جهانكير ابن شاه أكبر بن أبي النصر محمد همايون، حفيد طاغية الهند الأكبر تيمور لنك. وأمه هي أرجمند بانو بنت آصف جاه، المعروفة باسم ممتاز محل، صاحبة مقبرة تاج محل.

    ولد ليلة الأحد (15 من ذي القعدة 1028هـ / 24 من أكتوبر 1619م)، بقرية دوحد في كجرات بالهند، في عهد جده جهانكير (أي آخذ الدنيا أو مالكها، حكم من 1014هـ - 1037هـ / 1605م - 1627م) [5].

    في بيت أبيه:
    نشأ أورنك زيب عالمكير في مهد العز والسلطة، وتنبَّل في أيام جده وأبيه، فأبوه هو سلطان الهند شاهجيهان (ومعناه ملك الدنيا، حكم من 1037هـ - 1627م / 1061هـ / 1657م) أحد أعظم سلاطين دولة المغول المسلمين في الهند، ومن أمر بهدم العديد من معابد الهندوس، لكنه اشتهر في العالم كله، بأنَّه هو الذي أمر ببناء واحد من أكثر الأبنية جمالًا في العالم، وهو تاج محل؛ تخليدا لزوجته (ممتاز محل)، التي ملكت عليه قلبه وحياته، حتى ماتت سنة 1631م، فرثاها بهذا البناء الخالد الذي يعد من عجائب الدنيا السبع، وقد لبث اثنان وعشرون ألفًا من العمال اثنين وعشرين عامًا مسخّرين في بناء التاج، وعلى الرغم من أن المرمر جاء إلى "شاه جهان" هدية من "مهراجا جايبور"، فقد كلَّف البناء وما حوله ما يساوي اليوم مائتين وثلاثين مليونًا من الريالات الأمريكية، وهو في ذلك العهد مبلغ ضخم من المال" [6]. وإن المرء ليأسف على هذا الكم الطائل من الأموال لبناء ضريح واحد لامرأة، وإن بلغ به الحب ما بلغ!!. فقد قضى السلطان شاهجيهان آخر أيام حياته يستجلي ذكرياته مع حبيبته !

    في ساحة العلم والفقه:
    نشأ أورنكزيب نشأةً علمية إسلامية متدينة، فهو سليل بيت علم وأدب ودين وجمال، وقد تكفَّل بتربيته والاعتناء به كبار علماء عصره، ومنهم الشيخ محمد معصوم ابن الشيخ أحمد السرهندي، ولم يكن أورنكزيب كبير إخوته، ولا كان وليًّا للعهد، ولم يكن يؤمل له أن يلي الملك، لكن الشيخ وضع في تربيته جهده وبذل له رعايته، فنشأ نشأة طالب في مدرسة دينية داخلية بين المشايخ والمدرسين، فقرأ القرآن وجوَّده، والفقه الحنفي وبرع فيه، والخط وأتقنه، وألمَّ بعلوم عصره، وربي مع ذلك على الفروسية ودروب القتال، ولما مات جهانكير وولي ابنه شاه جهان ولَّى كل من أبنائه الأربعة قطرا من أقطار الهند، وكان نصيب أورانك زيب ولاية الدكن، فباشرها أحسن مباشرة.

    وقد قرأ أورانجزيب العلم على مولانا عبد اللطيف السلطانبوري ومولانا محمد هاشم الكيلاني، والشيخ محي الدين بن عبد الله البهاري، وعلى غيرهم من علماء الهند، وأخذ خط النسخ عن الحاج القاسم، وعن السيد علي بن محمد مقيم الماهرين في الخط، حتى كتب خط المنسوب، وصار مضرب المثل في جودة الخط، وبرز في كثير من العلوم والفنون [7].

    كما ظهرت عليه علامات النبوغ والقوة والفروسية والشجاعة منذ نعومة أظفاره، ففي نزهة الخواطر "أن والده شاه جهان كان يومًا يتفرج في البرج المشرف على نهر جمن على مصارعة الأفيال، التي كانت في عرصة القلعة فيما بينها وبين النهر، والأفواج كانت قائمة بين ظهرانيها وخلق كثير يتفرجون عليها في تلك العرصة، وكان عالمكير أيضًا في ذلك الزحام وهو يومئذ في الرابع عشر من سنه،وكان على فرسه، فإذا هي بفيلة قد ثارت وقصدت الأفواج، ففر الناس كلهم من بين يديها إلا عالمكير، فإنه ثبت على مقامه فتوجهت إليه الفيلة ولفت فرسه بخرطومها، وصرع عالمكير من صهوة الفرس، ثم قام وسل السيف عليها ثم جاء الناس ودفعوها بالضرب والطعن وإيقاد النار وغير ذلك، وهذه مفخرة عظيمة في الثبات والعزيمة لا تجدها لغيره من أبناء الملوك في تلك السن" [8]. فقد جمع الطفل الصغير ما يجمعه عظماء الملوك وأكابر الخلفاء في سن صغيرة.
    اخوات.gif
    اخوة السلطان
    اخوة السلطان

    أورنك زيب والصراع على السلطة:
    ظل السلطان شاه جهان مفتونا بفقيدته وجنَّ جنونه بتاج محل حيث رفات حبيبته، وقضى السنوات الطويلة والأموال الهائلة في بناء ضريحها الفاخر، وانصرف بذلك عن تدبير أمور مملكته الكبيرة، فاضطربت أحوال البلاد والعباد.

    وكان أورانك زيب عالمكير الأخ الرابع بين إخوته، وهم دارا شكوه وشجاع ومراد يخش (مراد الله)، وكان شجاع قد تولي إمارة البنغال، وتولى مراد بخش إمارة الكجرات، إضافة إلى تولى أورانك زيب إمارة الدكن.

    وكان شاهجيهان قد عزم على بناء قصر مُواجهٍ لتاج محل ليكون ضريحًا له شخصيًّا ومقابلًا لضريح زوجته، ولكن مع وجود فارق بينهما وهو أن ضريح تاج محل من الرخام الأبيض، أما ضريحه هو فسيكون باللون الأسود، بحيث يربط بينهما جسر كبير، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، ولم يتحقق هذا الحلم بسبب انقلاب الابن الأكبر دارا شكوه عليه واعتقاله سنة 1067 هـ / 1657م، فبسط يده على البلاد وصار هو المرجع والسلطان.

    فلم ترض نفوس إخوته بذلك فنهض كلٌّ من إمارته ناحية أخيهم دارا شكوه، كالتالي: شجاع من البنغال، ومراد بخش من الكجرات، وأورانك زيب من الدكن، ودارت معارك شديدة بينهم، انتهت بانتصار أورانك زيب على إخوته، ثم قتلهم -رغما عنه لكرهه الدماء وإثاره الصلح بين إخوته- لأمور صدرت منهم، وأفتى العلماء أنهما استوجبوا القتل، وحبس والده في قلعة أكبر آباد، وهيَّأ له ما يشتهيه من الطعام والشراب، وأهل الخدمة من الجواري والغلمان، وظل في محبسه ثماني سنوات حتى وفاته 1076هـ / 1666م، وكان يعزي شاه جهان وقوفه أمام مرآة وضعها له أحد المهندسين في أحد الأعمدة تعكس صورة الضريح الذي يبعد عدة أميال عن سجنه، فيرى الضريح وكأنه أمامه.

    وبذلك جلس أورنجزيب على سرير الملك سنة 1068هـ / 1657م، وكان وقتها عنده من العمر أربعين سنة [9]. وبذلك صفا الجو لأورانك زيب، وكأنما ساقته العناية الإلهية ليكون حاكما فذا، وليصبح على مر التاريخ مثالا طيبا للحاكم المسلم، الذي يعتز المسلمون به وبسيرته الصالحة، وذلك على الرغم مما صاحب اعتلاءه العرش من سفك للدماء [10].
    India-with-urank.gif
    الهند في عهد أورنك
    الهند في عهد أورنك

    أورانك زيب أعظم ملوك المغول:
    يكاد يجمع المؤرخون أن أورانك زيب أعظم ملوك المغول المسلمين على الإطلاق، فقد بلغت الدولة الإسلامية في عهده الذروة التي لم تبلغها قبله أو بعده، حكم أورانك زيب حوالي خمسين عامًا، لم تَخْلُ من المتاعب والحروب، بل كانت سلسلة متتابعة من الحروب هنا وهناك، وكثيرًا ما كان أورنجزيب على رأس جيشه، يباشِر تأديب أعدائه بنفسه، ويضمُّ ممالكَ جديدةً إلى رُقعة مملكته، حتى إنه لم يَعرِف طعم الراحة والإقامة الهنيئة في عاصمة مُلْكِه.

    قال أبو الفضل المرادي الحسيني صاحب سلك الدرر واصفا حال السلطان المجاهد أورانك زيب: "سلطان الهند في عصرنا، وأمير المؤمنين وإمامهم، وركن المسلمين ونظامهم، المجاهد في سبيل الله، العالم العلامة الصوفي العارف بالله، الملك القائم بنصرة الدين، الذي أباد الكفار في أرضه، وقهرهم وهدم كنائسهم وأضعف شركهم، وأيّد الإسلام، وأعلى في الهند مناره، وجعل كلمة الله هي العليا".

    ولقد شهدت إمبراطورية المغول الإسلامية في الهند في عهد أورانك زيب أقصى امتداد لها وذلك بفضل الجهود العسكرية التي بذلها السلطان أورانجزيب رحمه الله، حيث لم يبق إقليم من أقاليم الهند إلا خضع تحت سيطرته، بل اتسع سلطانه ليشمل الهند وآسام وأراكان في بورما، وكذلك أفغانستان، وكانت تلك هي الذروة التي وصل إليها ملك المغول. فكان امتداد دولة الهند في عهده من سفوح الهمالايا في الشمال إلى شواطئ البحر في الجنوب.

    غير أنه نشبت في عهده مجموعة من الثورات والحروب، مثل ثورة الراجبوت فقد نقضوا فيها عهدهم، وامتنعوا عن دفع الجزية، فأرسل لهم الملك أورانك زيب ابنه محمد أكبر، فقضى على ثورتهم عام 1090هـ، كما تمرَّد المراهتا على أورانك زيب، وهم جماعة من الطبقات الدنيا في المجتمع الهندي لهم عاداتهم وتقاليدهم الخاصَّة، ويسكنون شمال بومباي وجنوبها، وكان أميرهم "سيفاجي" أو سهواجي أو سيواجي كما ينطق أحيانًا، يتحيَّن فُرَصَ ضعف الدولة المغولية أو انشغالها بحربها مع الدُّول أو الثورات الأخرى، ليُعْلِنَ العصيان على الدولة، فصَكَّ النقود باسمه، بل وهاجم قوافل الحجاج في مدينة "سورت"، وكان الحُجَّاج يُبحِرُون منها للحجاز قبل ميناء بومباي، وظلَّ ثائرًا محارِبًا للمغول حتى طلب العفو والصفح، فعفا عنه محمد أكبر، وأقطعه بعض الأراضي في برار, وظلَّ أورنك زيب معنيًّا بالمراهتا حتى انتهى من أمرهم تمامًا عام 1116هـ / 1705م.

    أما الشيعة الصفويون فقد استطاع أورنجزيب رحمه الله أن يستولي على مملكتهم في كولكندة، وخاصة بعد أن تعاونوا مع الثائرين ضده بالمال والسلاح، ولم يوفوا بتعهداتهم بدفع الجزية وبعدم سب الصحابة رضي الله عنهم، وكان ذلك سنة 1098هـ / 1687م.

    وهكذا رأينا كيف قضى هذا الإمبراطور حياته محاربا، يتخذ من ميادين القتال سكنه الدائم، وكأنما خلق هو لحياة النضال، لا لحياة القصور، وما فيها من متاع، لم يمنعه من ذلك عمره الذي بلغ التسعين، ومات وهو في ميادين القتال بعيدا عن عاصمة ملكه دلهي. لقد كان أعجوبة من أعاجيب الزمان في مختلف نواحيه [11].

    سياسة أورانك زيب في ملكه:
    عندما جلس أورانك زيب على سرير الملك والسلطنة بدأ يسير على منهاج النبوة وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، فرفع راية الجهاد على الهندوس والصفويين، وأبطل شعائرهم، وأعلى شعائر الإسلام.

    فقد كان ينظر في شئون الرعية من أدنى بلاده إلى أقصاها بمثل عين العقاب، كما كان يبطش بالمفسدين بمثل كف الأسد، فأسكن كل نأمة فساد، وقضى على كل بادرة اضطراب، ثم أخد بالإصلاح فأزال ما كان باقيا من الزندقة التي جاء بها جلال الدين أكبر أبو جده، وكانت الضرائب الظالمة ترهق الناس ولا ينال أمراء المجوس لفح نارها، فأبطل منها ثمانين نوعا، وسن للضرائب سنة عادلة وأوجبها على الجميع، فكان هو أول من أخذها من هؤلاء الأمراء، وأصلح الطرق القديمة، وشق طرقا جديدا، ويكفي لتعرفوا طول الطرق في الهند أن تعرفوا أن طريقا واحدا مما كان فتحه شيرشاه السوري كان يمشي فيه المسافر ثلاثة أشهر، وكانت تحفه الأشجار من الجانبين على طوله، وتتعاقب فيه المساجد والخانات.

    وبنى المساجد في أقطار الهند، وأقام لها الأئمة والمدرسين، وأسس دورا للعجزة، ومارستانات للمجانين، ومستشفيات للمرضى.

    وأقام العدل للناس جميعا فلا يكبر أحد أن ينفد فيه حكم القضاء، وكان أول من جعل للقضاء قانونًا، وكان يحكم في القضاء بنفسه لا حكما كيفيا بل حكما بالمذهب الحنفي معللا ومدللا، وكان له امتيازات فألغاها، وجعل نفسه تابعا للمحاكم العادية، ولمن له عليه حق أن يقاضيه به أمام القاضي مع السوقة والسواد من الناس [12].

    وفي عام 1082هـ / 1672م قام أورانك زيب بفرض الجزية على الهندوس، تنفيذًا لتعاليم الإسلام، بعد أن ألغاها أجداده لمدة تزيد عن مائة عام كاملة، وفي المقابل ألغى أورنجزيب بعض الضرائب التي لم تفرضها الشريعة، وأعفى الهندوس وغيرهم منها. ولم يكن هدفه من ذلك الإذلال لبعض رعاياه، أو تعصبا أو أخذ مال وكفى، وإنما كان الغرض أن يصبغ دولته بالصبغة الإسلامية، التي تحترم حقوق الآخرين وحرياتهم في حدود القانون. فحين أشير عليه بفصل الموظفين الذين لا يدينون بدين الدولة من المناصب العامة، كتب يقول: "إن الدين لا علاقة له بالمسائل العلمانية، وهذه المسائل التي نحن بصددها لا مجال فيها للتعصب" [13].

    وما زال المسلمون ينظرون إلى أروانك زيب نظرتهم إلى أولياء الله الصالحين، ولم تستقر هذه الفكرة في أهان المسلمين على مر القرون عبثا، فإن ما عرف عنه من تدينه وورعه وزهده وتمسكه بتعاليم الشريعة يرتفع به إلى هذا المقام بلا شك.

    أورانك زيب .. مآثره وخلاله:
    ذكر عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي صاحب نزهة الخواطر جملًا من مآثر أورانك زيب عالمكير، قلَّما تتوفر إلا في الصالحين من الملوك والعظماء من الخلفاء، ومنها باختصار:

    - كان عالمكير عالمًا دينًا تقيًا متورعًا متصلبًا في المذهب، يتدين بالمذهب الحنفي لا يتجاوز عنه في قول ولا فعل.

    - وكان يعمل بالعزيمة، وكان يصلي الصلوات المفروضة في أوائل أوقاتها بالجماعة في المسجد مهما أمكن، ويقيم السنن والنوافل كلها، ويصلي صلاة الجمعة في الجامع الكبير، ولو كان غائبًا عن البلدة

    لأمر من الأمور يأتيها يوم الخميس ويصلي صلاة الجمعة ثم يذهب حيث شاء.

    - وكان يصوم في رمضان في شدة الحر، ويحيى الليل بالتراويح، ويعتكف في العشرة الأخيرة من رمضان في المسجد، وكان يصوم يوم الاثنين والخميس والجمعة في كل أسبوع من أسابيع السنة، ويصوم في أيام ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصوم فيها.

    - وكان يخرج الزكاة من أمواله قبل أن يجلس على سرير الملك وبعده، مما خص لنفسه من عدة قرى وبعض معادن الملح للمصارف الخاصة من نقير وقطمير.

    - وكان يريد أن يرحل إلى الحرمين الشريفين للحج والزيارة في أيام والده فلم يرض بفراقه، وبعد ذلك لم تمهله المصالح الملكية، ولكنه كان يرسل الناس إلى الحرمين الشريفين للحج والزيارة، ويبذل عليهم العطايا الجزيلة، ويبعث إليهما أموالًا طائلة لهل الحوائج في أيام الحج بعد سنة أو سنتين.

    - ويوظف الذاكرين والذاكرات ويجعل لهم الأرزاق السنية، ويداوم على الطهارة بالوضوء، ويحافظ

    على الأذكار والأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم في غالب أوقاته، ويحيى الليالي المتبركة بالصلاة والصدقة وصحبة العلماء والمشايخ في المسجد.

    - وكان يحترز عن كل سوء ومكروه منذ نعومة أظفاره، لم يشرب الخمر قط، ولم يقارب امرأة لا تحل له، وما كان أن يلبس الملبوسات غير المشروعة وما كان أن يأكل في الظروف الذهبية والفضية، وأمر أن يصاغ الجواهر الثمينة في الحجر اليشب مقام الذهب.

    - ونهى الأمراء أن يلبسوا الغير المشروع، وكان يمنعهم أن يتذاكروا بين يديه بكذب وغيبة وقول الزور، وأمرهم أن يعبروا عن الأمور المستكرهة إن وقع لهم حاجة إلى ذلك بكناية واستعارة.

    - وكان موزعًا لأوقاته فوقت للعبادة ووقت للمذاكرة ووقت لمصالح العساكر ووقت للشكاة ووقت لقراءة الكتب والأخبار الواردة عليه كل يوم وليلة من مملكته لا يخلط شيئًا بشيء.

    - وكان يجلس للمذاكرة في الكتب الدينية كالإحياء والكيمياء والفتاوي الهندية وغيرها في كل أسبوع ثلاثة أيام على السيد محمد الحسيني القنوجي والعلامة محمد شفيع اليزدي ونظام الدين البرهانبوري وغيرهم من العلماء.

    - من مآثره الجميلة أنه حفظ القرآن الكريم بعد جلوسه على سرير الملك، فأرخ بعض العلماء لبدء

    حفظه من قوله تعالى: {سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى} [الأعلى: 6]، ولتمامه من قوله {لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 22].

    - ومنها أنه كانت له معرفة بالحديث، له كتاب الأربعين جمع فيه أربعين حديثًا من قول النبي صلى

    الله عليه وسلم قبل أن يتولى المملكة، وله كتاب آخر جمع فيه أربعين حديثًا بعد الولاية وترجمهما

    بالفارسية وعلق عليهما الفوائد النفيسة.

    - ومنها أنه كان بارعًا في الخط يكتب النسخ والنستعليق وشكسته بغاية الجودة والحلاوة، كتب مصحفًا بيده قبل جلوسه على السرير، وبعثه إلى مكة المباركة، وبعد جلوسه مصحفًا آخر وأنفق على

    التذهيب والتجليد سبعة آلاف روبية ثم بعثها إلى المدينة المنورة.

    - ومنها أنه كان ماهرًا بالإيقاع والنغم، ولكنه كان يحترز من استماع الغناء تورعًا. وأما الشعر فإنه كان مقتدرًا عليه، ولكنه كان لا يعتني به ويمنع الناس أن يضيعوا أوقاتهم في الشعر لقوله تعالى: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ} [الشعراء: 224- 225].

    - ومن ذلك أنه بذل الأموال الطائلة في بناء المساجد، وبنى مساجد كثيرة في أرض الهند وعمَّر القديمة

    منها، وجعل الأرزاق للأئمة والمؤذنين والرواتب للمساجد من بسط وسرج وغير ذلك، من هذه المساجد مسجد "بادشاهى" في لاهور بباكستان الآن.

    - ومن ذلك أنه كان يرسل العطايا الجميلة إلى أهل الحرمين الشريفين -زادهما الله شرفًا- بعد سنة

    أو سنتين. ويشترطها بأن تعطى لأهل الحاجة غير الأغنياء ولذلك كان الناس ينسبونه إلى البخل وحاشاه عن ذلك.

    - ومن ذلك أنه وظف خلقًا كثيرًا من العلماء والمشايخ اشتغلوا بالعلم والعبادة منقطعين فارغي القلوب عن كل هم، ولم يفرق فيها بين أهل الإسلام وكفار الهند، توجد مناشيره عند أحبار الهنادك في بنارس وفي غير تلك البلدة حتى اليوم.

    - ومن مآثره أنه كان مجبولًا على العدل والإحسان، وفصل القضاء على وفق الشريعة المطهرة، ولذلك أمر العلماء أن يدونوا المسائل والأقضية من كل باب من أبواب الفقه، فدونوها وصنفوا الفتاوي العالمكيرية في ستة مجلدات كبار، ثم إنه أمر القضاة أن يقضوا بها [14].

    - وكان رحمه الله لا يستمع للغناء بالمزامير منذ جلس على سرير الملك، مع أنه كان ماهرًا بالايقاع والنغم، وصرف الموسيقين والمغنيين عن قصره، وروي أنه كان يومًا خارج قصره فرأى الموسيقيين والقينات يلبسون السواد ويبكون ويحملون نعشًا، فسأل ما هذا ؟ قالوا: "هذا الغناء والمعازف نذهب لدفنها"، فقال: "إذن أحسنوا دفنها؛ لئلا تقوم مرة أخرى".

    - وقد وفّق أورانجزيب عالمكير رحمه الله إلى أمرين لم يسبقه إليهما أحد من ملوك المسلمين:-

    الأول: أنّه لم يكن يعطى عالما عطية أو راتبا إلا طالبه بعمل، بتأليف أو بتدريس، لئلا يأخذ المال ويتكاسل، فيكون قد جمع بين السيئتين، أخذ المال بلا حق وكتمان العلم !!

    الثاني: أنّه أول من عمل على تدوين الأحكام الشرعية في كتاب واحد، يُتخذ قانونا، فوضعت له وبأمره وبإشرافه وتحت ناظره كتاب "الفتاوى الهندية - العالمكيرية" على المذهب الحنفي [15].

    الفتاوى العالمكيرية:
    كان للإمبراطور المغولي أورانك زيب مهارة تامة بالفقه ويضرب به المثل في استحضار المسائل الجرئية، وقد صنف العلماء بأمره الفتاوي الهندية أو الفتاوى العالمكيرية. فمع أن عالمكير ملكا لا عالما، إلا أنه استطاع بقوة إيمانه وفهمه القوي لدينه أن يجدد في الدين الإسلامي ويصلح من أحوال المسلمين ودولتهم في الهند، حتى ساقه انتماؤه القوي للإسلام أنه جمع عدد كبير من علماء وفقهاء المسلمين الأحناف، طالبا منهم تصنيف كتاب في الفقه الحنفي يحوي كافة المسائل الفقهية، ويكون بمثابة الدستور الذي تحتكم إليه الدولة والقضاء عند المغول المسلمين، ولبى العلماء النداء، وشكل منهم فريقا لتأليف الكتاب، وترأسهم الشيخ العلامة نظام الدين البرهانبوري، وصنفوا كتابا موسوعيا في الفقه الحنفي، سمي بـ "الفتاوى العالمكيرية أو الفتاوى الهندية"، في ستة مجلدات كبار فاشتهرت في الأقطار الإسلامية قاطبة، وعمّ النفع بها وصارت مرجعًا للمفتين، وقد أنفق على جمعها مائتي ألف من النقود.

    وتعتبر تلك الفتاوى من أعظم المنجزا الحضارية للسلطان أورانك زيب، فهو من الزعماء المسلمين القلائل الذين وضعوا مرجعيات فقهية شاملة تنتظم بها مسيرة الدولة وقوانينها، وبذلك يكون أورانكزيب من الملوك المسلمين القلائل الذين اعتنوا بالتشريع الإسلامي ووضع قوانين للدولة [16].

    أورانك زيب والإنجليز:
    خلال القرن العاشر الهجري / السادس عشر الميلادي كان التنافس بين الدول الغربية بلغ حد السعار في القضاء على دولة الإسلام، وكذا الاستيلاء على أراض جديدة ومغانم وفيرة من خارج بلادهم، فاتجهوا نحو بلاد الشرق الإسلامي، وقد اتخذ الإنجليز ستار التجارة يخفون به أهدافهم الاستعمارية البغيضة. وصدر مرسوم بإنشاء أول شركة إنجليزية سنة 1009هـ / 1600م. وقد اعتمد الإنجليز وسيلة الحيلة والتودد لحكام المسلمين في الهند وتقديم الهدايا المختلفة لهم، فما كانوا في نظر حكام الهند إلا تجارا مرتزقة؛ لذلك لم يعنوا لهم عظيم اهتمام، وذلك منذ عهد جلال الدين أكبر وشاهجهان.

    وقد استغل الإنجليز سماحة أورانك زيب فمدوا نفوذهم إلى بومباي بالساحل الغربي، وعمدوا إلى مناهضة الدولة، وأصبح لشركتهم فروعا في كل ربوع الهند تقريبا، وحدثتهم أنفسهم بفرض سلطانهم على بعض أملاكه في البنكال، مما دفع أورنكزيب أن يوجه لهم ضربة قاصمة ويستولي على مراكزهم وأموالهم، فاضطروا لطلب الصلح ودفع غرامة مالية كبيرة، وذلك سنة 1101هـ / 1689م، إلا أنه رحمه الله تراجع عن الشدة معهم فسمح لهم في السنة التي تليها بإنشاء مركز وتحصينه في كلكتا سمي "حصن وليم". وأخذ الإنجليز في توحيد جهودهم التجارية على ساحل الهند في شركة واحدة هي شركة الهند الشرقية، غير أنها لم تستطع أن تفرض نفوذها على جزء من أراضي الهند التي كانت في حكم الإمبراطور القوي أورانك زيب. ولم يكن يدري السلطان بما أقدم عليه من سماحة وتساهل مع الإنجليز أنه يمهد الطريق لهم للاستيلاء على الهند جملة، وهم الذين لم يتورعوا عن أحط السبل وأدناها للاستيلاء على هذه البلاد وتحقيق أطماعهم.

    ولكن بعد وفاة أورانك زيب سنة 1118هـ / 1707م بدأت الدولة القوية في الضعف والتفكك، وأخذت الحكومات المستقلة تتكون في المناطق المتعددة، وتقوم الخلافات والحروب بينها، فكان من حسن حظ المستعمرين الصليبيين من الإنجليز والبرتغاليين والهولنديين والفرنسيين، فقد بدءوا عمليتهم الحقيقية في السيطرة وكسب الزمن والبلاد إلى جانبهم، وانقضت النسور الجائعة على الجسم المريض تنهشه وتزيده ضعفا من كل جانب، إلى أن تمكن الإنجليز منفردين من استعمار الأراضي الهندية، لتبدأ مرحلة جديدة من التاريخ سطَّر فيها المسلمون في الهند نماذج مشرفة من الثورة والجهاد [17].

    وفاة السلطان أورانك زيب عالمكير:
    وبعد حياة طويلة من الإصلاح والجهاد توفي السلطان المظفر والإمبراطور الصالح أورانك زيب عالمكير في أحمد نكر في الجنوب بعيدا عن عاصمته بألف وخمسمائة كيلو، وذلك في 28 ذي القعدة سنة 1118هـ/ 20 فبراير 1707م، بعد أن حكم 50 سنة، وعمره نحو تسعين سنة، ودفن في أورنك أباد، ولا زال قبره هناك [18].

    وبوفاة السلطان أورانك زيب عالمكير انتهت عظمة دولة المسلمين في الهند، فجاء من بعده حكامًا ضعافًا، يتحكم الإنجليز في توليتهم وعزلهم، وظل الأمر كذلك حتى انتهت تماما بسقوط آخر سلطان مسلم في الهند "بهادور شاه الثانى" عام 1274هـ / 1857م، وفعل الإنجليز ما لا يمكن لعقل أن يتصوره ولا لضمير أن يتحمله، حتى تبرأ عقلاء الإنجليز من أفعال أبناء قومهم الوحشية، حيث قاموا بذبح أبناء بهادور شاه الثلاثة أمام عينيه، وعملت له وجبات من لحومهم، وأجبروه أن يأكل منها.

    وبعدها لم تقم للإسلام قائمة منذ ذلك الزمن في تلك البلاد الشاسعة. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [19].

    ها هي سيرة أورانك زيب عالمكير، الإمبراطور الذي لم تشغله دنياه وحروبه المتتالية عن دينه وآخرته، فكان حاكما لم تشهد الهند مثله في اتساع ملكه وصلاح خلقه، وحسن سيرته وسريرته.
    فكان حقًّا بقية الخلفاء الراشدين.

    [1] هذا تعداد المسلمين في عهد أورانك زيب في القرن الحادي عشر الهجري / السابع عشر الميلادي، أما الآن فعدد المسلمين في الهند حوالي 180 مليون نسمة، أي بنسبة 14.5% من عدد السكان الذي يزيد عن مليار نسمة. انظر: جريدة الشرق الأوسط.
    [2] علي الطنطاوي: رجال من التاريخ، دار البشير- دار المنارة- جدة، ط1 بمصر 1418هـ- 1998م، جـ2/ 16.
    [3] عالمكير أو عالمجير: معناها (جامع زمام الدنيا أو العالم، أو آخذ الدنيا وسيد العالم).
    [4] أورانك زيب أو أورانج زيب: معناها (زينة العرش)، فأوروانج معناها: عرش، وزيب، معناها: زينة.
    [5] محمد خليل المرادي الحسيني: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، الناشر: دار البشائر الإسلامية، دار ابن حزم، الطبعة الثالثة، 1408 هـ - 1988م، جـ4/ 113.- عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي: الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى بـ (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر)، دار النشر: دار ابن حزم - بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1420 هـ، 1999م، جـ6/ 737- 738.
    [6] ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة: الدكتور زكي نجيب محمُود وآخرين، الناشر: دار الجيل، بيروت - لبنان، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، عام النشر: 1408 هـ - 1988م، جـ3/ 394.
    [7] عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي: الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام، جـ6/ 738.- علي الطنطاوي: رجال من التاريخ، جـ2/ 21.
    [8] عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي: الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى بـ (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر)، جـ6/ 740- 741.
    [9] محمد خليل المرادي الحسيني: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، جـ4/ 114.- عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي: الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام، جـ6/ 738.
    [10] عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، دار العهد الجديد للطباعة، الطبعة الأولى 1959م، ص267.
    [11] عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص269- 280، بتصرف.
    [12] علي الطنطاوي: رجال من التاريخ، جـ2/ 23- 24.
    [13] عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص283. بتصرف.
    [14] عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي: الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام المسمى بـ (نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر)، جـ6/ 738- 742. بتصرف.
    [15] علي الطنطاوي: رجال من التاريخ، جـ2/ 24- 25.
    [16] أحمد محمد الجوارنه: أورانك زيب عالمكير إمبراطور الهند الكبير، جامعة اليرموك – قسم التاريخ، 2017م، ص48 - 49.
    [17] عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص342 – 347. بتصرف.
    [18] محمد خليل المرادي الحسيني: سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، جـ4/ 114.- عبد الحي بن فخر الدين بن عبد العلي الحسني الطالبي: الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام، جـ6/ 738.
    [19] عبد المنعم النمر: تاريخ الإسلام في الهند، ص447- 453، بتصرف



    أحمد عبدالحافظ








  2. #2

    رد: أورانك زيب عالمكير .. الإمبراطور الصالح

    يعطيك العافيه اخي

    في انتظار جديدك القيم دمت بخير وعافيه

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •